ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، ويَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يُسْرَاهُ نَاصِبًا يُمْنَاهُ، ويَقُولُ: «رَبِّ اغْفِر لِي»، وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأولَى، ثُمَّ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا نَاهِضًا عَلَى صُدُورِ قَدَميْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيهِ إِنْ سَهُلَ، وَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، مَا عَدَا التَّحْرِيمَةَ وَالِاسْتِفْتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ، وَتَجْدِيدَ النِّيَّةِ.
_________________________________ قوله: «ثم يرفع رأسه»وما يتبعه من اليدين«مكبرًا» ويكون التكبير في حال الرفع([1])«ويجلس»أي بعد السجدة الأولى«مفترشًا يسراه» أي: يضعها تحته مفترشًا لها لا جالسًا على عقبيه، وعليه، فيكون ظهرها إلى الأرض وبطنها إلى أعلى، ويكون «ناصبًا يمناه» أي جاعلها منتصبة، والمراد: القدم، وحينئذ لابد أن يخرجها من يمينه، فتكون الرجل اليمنى مخرجة من اليمين، واليسرى مفترشة، أي أنه يجلـس بين السجدتين هكذا، لا يجلس متورِّكًا. قوله: «ويقول رب اغفر لي» الواجب مرة، والكمال ثلاث، والصحيح أنه يقول كل ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: «رب اغفرلي وارحمني وعافني واهدني وارزقني» أو اجبرني مكان ارزقني، وإن شاء جمع بينهما؛ لأن المقام مقام دعاء([2]). قوله: «ويسجد الثانية كالأولى» أي: في القول والفعل «ثم يرفع»من السجدة الثانيةولا يجلس للاستراحة«مكبرًا ناهضًا على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه إن سهل» أي: وإن لم يسهل عليه فإنه يعتمد على الأرض، ويبدأ بالنهوض من السجود بالجبهة والأنف، ثم باليدين فيضعهما على الركبتين، ثم ينهض على صدور القدمين. قوله: «ويصلي»الركعة«الثانية كذلك» أي كالأولى يعني في القيام والركوع والسجود والجلوس وما يقال فيها. قوله: «ما عدا التحريمة» أي: تكبيرة الإحرام؛ لأن التحريمة تفتح بها الصلاة، وقد استفتحت، بل لو كبر ناويًا التحريمة بطلت صلاته، وما عدا «الاستفتاح» فلا يسن في الركعة الثانية، وما عدا «التعوذ» فإنه يشرع في الأولى ولا يشرع في الثانية؛ لأن قراءة الصلاة واحدة،فإن الصلاة عبادة واحدة من أولها إلى آخرها، فإذا تعوذت لأول مرة كفى، والأمر في هذا سهل؛ يعني لو قيل: إنه يخير لتكافؤ الأدلة لكان له وجه، فنقول: إن استعذت بالله من الشيطان الرجيم فحسن، وإن لم تستعذ اكتفاء بالأول أجزأ أيضًا([3]).
فإذا لم يتعوذ في الأولى فيتعوذ في الثانية، مثل أن يدرك الإمام راكعًا فإنه سوف يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر للركوع ويركع، وتكون القراءة في الركعة الثانية، وحينئذ يتعوذ. قوله: «وتجديد النية» فلا يأتي بنية جديدة بخلاف الركعة الأولى، فلو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الأولى؛ لأن لازم تجديد النية في الركعة الثانية قطع النية في الركعة الأولى.
_________________________________
([1]) أي يكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/57).
([2]) ما صححه الشيخ لا يكره على الصحيح من المذهب، وقيل: يستحب في الفرض والنفل، انظر: كشاف القناع (1/354)، الإنصاف (2/71).
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في كشاف القناع (1/356)، وما ذكره الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/74).
_________________________________ قوله: «ثم»بعد أن يصلي الثانية بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها«يجلس مفترشًا» وهذا الجلوس للتشهد إما الأول وإما الأخير، وفي هذا الجلوس تكون «يداه على فخذيه» ولا يقدمهما حتى تكونا على الركبة([1]). قوله: «يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى»الخنصر: الإصبع الأصغر، والبنصر: الذي يليه، والوسطى: هي التي تلي البنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى: وتبقى السبابة مفتوحة لا يضمها. قوله: «ويشير بسبابتها» وسُمِّيَت سبابة؛ لأن الإنسان يشير بها عند السب، وتسمى أيضًا سباحة؛ لأنه يسبح بها الله - عز وجل - لأنه يشير بها عند تسبيح الله؛ فإذا قلت التحيات لله، تشير. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، تشير. السلام علينا وعلى عباد الله،تشير. أشهد أن لا اله إلا الله، تشير، هذه أربع مرات في التشهد الأول([2])، اللهم صل، خمس؛ لأن اللهم أصلها الله. اللهم بارك، ستٌّ. أعوذ بالله من عذاب جهنم، سبعٌ. وكذلك يشير بها عند الدعاء، فكلما دعوت حَرِّك إشارة إلى علو المدعو سُبْحَانَهُ وتعالى. قوله: «ويبسط اليسرى» يعنى أصابعها على الفخد الأيسر. قوله: «ويقول:التحيات لله...» يقول بلسانه متدبرًا ذلك بقلبه، والتحيات: جمع تحية وهي التعظيم، «والصلوات» أي الخمس أو الرحمة أو العبادات كلها أو الأدعية، «والطيبات» أي: الأعمال الصالحة، وقوله: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله» المراد بالسلام: اسم الله عز وجل، و«ورحمة» معطوفة على «السلام» يعني ورحمة الله عليك «وبركاته»جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت، والبركة هي: النماء والزيادة في كل شيء من الخير، و«السلام علينا» أي على جميع الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة «وعلى عباد الله الصالحين» جمع صالح، و هو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده. قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله»([3]) أي أخبر بأني قاطع بالوحدانية، «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» المرسل إلى كافة الناس. قوله: «هذا» -من قوله: «التحيات» إلى قوله: «وأن محمدًا عبده ورسوله» هو «التشهد الأول». قوله: «اللهم»معناها: يا الله «صل على محمد» الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.
لكن الصحيح في الصلاة من الله أن الصلاة أخص من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون عل جواز الدعاء بالرحمة لكل مؤمن، واختلفوا: هل يصلي على غير الأنبياء. قوله: «وبارك» أي: أنزل عليه البركة. قوله: «إنك حميد مجيد»«حميد» فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يحمد الله - عز وجل - على ماله من صفات الكمال، وجزيل الإنعام، وأما «المجيد» فهي فعيل بمعنى فاعل أي: ذو المجد، والمجد هو العظمة وكمال السلطان. قوله: «ويستعيذ» أي: يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، والعياذ: هو الالتجاء أو الاعتصام من مكروه. قوله: «من عذاب جهنم» أي العذاب الحاصل منها أو فيها؛ أي يستعيذ بالله من فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم أو من عقوبة جهنم إذا فعل الأسباب التي توجب ذلك. قوله: «ومن عذاب القبر» أي: من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة. قوله: «وفتنة المحيا والممات» أي: اختبار المرء في دينه في حياته وفي مماته، وفتنة الحياة تدور على شيئين: شبهات وشهوات، وفتنة الممات قيل: سؤال الملكين، وقيل: ما يكون عند الموت في آخر الحياة. قوله: «وفتنة المسيح الدجال»سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض بسرعة سيره فيها، أو لأنه كان ممسوح العين، وفتنته: أن الله تعالى جعل معه جنة ونارًا بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، من أطاعه أدخله هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب. قوله:«ويدعو بما ورد»فينبغي أن يبدأ الإنسان بما ورد؛ ومما ورد في هذا [اللهم أعِنِّي على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك] ثم يتخير من الدعاء ما شاء، ولا يدعو بشيء من أمور الدنيا، مثل أن يقول: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، أو اللهم ارزقني زوجة جميلة أو ما أشبه ذلك؛ حتى قال الأصحاب: لو دعا بشيء مما يتعلق بأمور الدنيا بطلت صلاته، والصحيح أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلق بأمور الدنيا([4]).
_________________________________
([1]) قال ابن قاسم النجدي في حاشيته على الروض المربع (2/63): «اليمنى على الفخذ اليمنى، باسطًا ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، واليسرى على الفخذ اليسرى، ممدودة، وأطراف الأصابع على الركب».
([2]) قال أبو بطين محشِّيًا على قوله في الروض المربع (1/117): (ويشير بسبابتهامن غير تحريك في تشهده ودعائه في الصلاة وغيرها عند ذكر الله تعالى): «قوله: (عند ذكر الله) انظر هل المراد عند ذكر لفظة الله وعند كل لفظ دل على الله حتى اللهم والضمائر، فليراجع، ثم رأيت ابن نصر الله أفصح عن المسألة في شرحه على الفروع: أي عند لفظ الله، وتبعه الشيخ م ص في شرحه، ومقتضى ذلك أن يشير بها في تشهده أربع مرات؛ لأن فيه ذكر الله أربع مرات».
([3]) قال أبو بطين (1/118): «ويشترط موالاته وذكر العاطف بين الشهادتين، ولفظ أشهد، ورعاية حروفه وتشديداته والإعراب؛ لئلا يخل بالمعنى وإسماع نفسه» اهـ شرح كفاية.
([4]) المذهب أن صلاته تبطل إذا دعا بذلك، كما في كشاف القناع (1/361)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/82).
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ في ثُلَاثِيَّةٍ، أَوْ رُبَاعِيَّةٍ، نَهَضَ مُكَبِّرًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَصَلَّى مَا بَقِيَ كَالثَّانِيَةِ بِالحَمْدِ فَقَطْ، وَالمَرْأَةُ مِثْلَهُ. لَكِنْ تَضُمُّ نَفْسَهَا وَتَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا.
_________________________________ قوله:«ثم يسلم»أي: بعد التشهد والدعاء «عن يمينه» فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ولا يزيد: وبركاته، وعن يساره فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وإنما يسلم على الجماعة إذا كان معه جماعة، وإذا لم يكن معه جماعة فالسلام على الملائكة الذين عن يمينه وشماله، وإذا سلم الإنسان مع الجماعة، فلا يجب على الجماعة أن يردوا عليه. قوله: «وإن كان في ثلاثية»مثل المغرب«أو رباعية» مثل الظهر والعصر والعشاء «نهض مكبرًا» ويكون التكبير في حال النهوض «بعد التشهد الأول» وقد سبق بيانه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرفع يديه؛ لأنه لم يقل ويرفع يديه، وهذا هو المشهور من المذهب([1])، ولكن الصحيح أنه يرفع يديه([2]). قوله: «وصلى ما بقي كـ»الركعة «الثانية بالحمد فقط» أي: فليس فيه تكبيرة إحرام ولا استفتاح ولا تعوذ ولا تجديد نية، ويقتصر فيهما على الحمد، ويسر فيهما بالقراءة.
فإذا أتى بما بقي: إما ركعة إن كانت الصلاة ثلاثية، وإما ركعتين إن كانت رباعية«يجلس في تشهده الأخير متوركًا»بأن يُخْرج الرِّجْل اليسرى من الجانب الأيمن ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرجل اليمنى منصوبة. قوله: «والمرأة مثله» أي: مثل الرجل «لكن تضم نفسها» فالمرأة لا تجافي، بل تضم نفسها، فإذا سجدت تجعل بطنها على الفخذين، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعت تضم يديها، والقول الراجح أن المرأة تصنع كما يصنع الرجل في كل شيء، فترفع يديها وتجافي، وتمد الظهر في حال الركوع وترفع بطنها عن الفخذين،والفخذين عن الساقين في حال السجود([3]). قوله:«وتسدل رجليها في جانب يمينها» الرَّجُلُ يُسَنُّ له الافتراش أو التورُّك، أما هي فتسدل الرجلين بجانب اليمين في الجلوس بين السجدتين وفي التشهُّدَيْن.
([2]) وهو رواية، اختارها المجد والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق وابن عبدوس، انظر: كشاف القناع (1/363).
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في كشاف القناع (1/364)، وقال في الإنصاف (2/90): «والمرأة كالرجل في ذلك؛ إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود، وكذا في بقية الصلاة بلا نزاع».
وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الْتِفَاتُهُ، وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَإِقْعَاؤُهُ، وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا، وَعَبَثُهُ، وَتَخَصُّرُهُ وَتَرَوُّحُهُ، وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعِهِ، وَتَشْبِيكُهَا، وَأَنْ يَكُونَ حَاقِنًا، أَوْ بحَضْرَةِ طَعَامٍ يَشْتَهِيهِ، وَتَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، لَا جَمْعُ سُوَرٍ فِي فَرْضٍ كَنَفْلٍ، وَلَهُ رَدُّ المَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَدُّ الْآيِ، وَالْفَتْحُ عَلَى إِمَامِهِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَقَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، وَقَمْلٍ، فَإِنْ أَطَالَ الْفِعْلَ عُرْفًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا تَفْرِيقٍ بَطَلَتْ، وَلَوْ سَهْوًا.
_________________________________ قوله:«ويكره في الصلاة التفاته» ولكن إذا كان لحاجة فلا بأس، ويُكْرَه أيضًا «رفع بصره إلى السماء» وهو يصلي، سواء في حال القراءة أو في حال ركوعه، أو في حال الرفع من الركوع، أو في أي حال من الأحوال، ويكره«تغميض عينيه وإقعاؤه» أي في الجلوس، وله عند أصحابنا صور: أن يجعل قدميه ظهورهما نحو الأرض، ثم يجلس على عقبيه، أو ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، أو ينصب فخذيه وساقيه ويجلس على عقبيه، لا سيما إن اعتمد بيديه على الأرض، وهذا هو المعروف من الإقعاء في اللغة العربية. قوله: «وافترش ذراعيه ساجدًا» أي: يُكْرَه أن يفترش ذراعيه حال السجود، ولو افترشهما جالسًا فهو أشد كراهة، إلا أن الفقهاء قالوا: إذا طال السجود وشق عليه فله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه.
وكذا يكره «عبثه» أي: عبث المصلي «وتخصره» أي وضع يده على خاصرته وهي: المستدق من البطن الذي فوق الورك أي وسط الإنسان، ويُكره أيضًا «تروحه» أي: أن يروح على نفسه بالمروحة([1])، وأما التروُّح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رجل أحيانًا وعلى رجل أخرى أحيانًا فهذا لا بأس به، لا سيما إذا طال وقوف الإنسان، ولكن بدون أن يُقَدِّم إحدى الرِّجْلَيْنِ على الثانية. قوله: «وفرقعة أصابعه» أي ويُكْرَه أيضًا فرقعة أصابعه، ويكره أيضًا «تشبيكهما» وهو إدخال بعضها في بعض في حال الصلاة، وأما بعد الصلاة فلا يكره شيء من ذلك، لا الفرقعة ولا التشبيك. قوله: «وأن يكون حاقنًا» أي: يكره أن يصلي وهو حاقن؛ وهو المحتاج إلى التبول([2])، «أو بحضرة طعام يشتهيه» أي بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وينبغي أن يزاد شرط: وهو أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعًا؛ فإن لم يحضر الطعام، ولكنه جائع فلا يؤخر الصلاة، ولو كان الطعام حاضرًا ولكنه شبعان لا يهتم به فلْيُصَلّ، ولا كراهة في حقه، وكذلك لو حضر الطعام، لكنه ممنوع منه شرعًا كصائم أو حسًّا كطعام حارٍّ لا يستطيع أن يتناوله([3]). قوله: «وتكرار الفاتحة» أي: ويكره تكرار الفاتحة مرتين أو أكثر. قوله: «لا جمع سور في فرض كنفل» أي لا يكره أن يقرأ سورتين –أي ما عدا الفاتحة- فأكثر سواء كان في الفرض أو النفل. قوله: «وله»أي يباح للمصلي«رد المار» ويشمل الآدمي وغير الآدمي، ومن تبطل الصلاة بمروره ومن لا تبطل الصلاة بمروره، والمذهب أنه يُسَنُّ للمصلي الرد، فإن أبى فليدفعه بشدة، ويستثنى من ذلك المار إذا كان محتاجًا أو كان بمكة أو غلبه المار، وعلى القول الراجح يفرق بين الفرض والنَّفل، فإذا كانت الصلاة فريضة، ومر من يقطعها وجب رده؛ لأن الفريضة إذا شرع فيها حرم أن يقطعها، إلا لضرورة، وإلا لم يجب رده([4]). قوله: «بين يديه» أي: بمقدار ثلاثة أذرع من قدمي المصلي، وقيل ما بين رجليه وموضع سجوده، وهو أقرب الأقوال ([5]) .
وللمصلي أيضًا «عد الآي» والتسبيح وتكبيرات العيد بأصابعه، «والفتح على إمامه» إذا أُرْتِجَ عليه أو غلط، ولا يفتح على غير إمامه، فإن فعل لم تبطل، وله «لبس الثوب ولف العمامة» لو أنها انحلت،«وقتل حية وعقرب وقمل» القملة: حشرة صغيرة تتولد داخل الثياب، وتقرص الجلد وتمتص الدم، وتشغل الإنسان، فله أن يقتلها، ودمها ليس نجسًا؛ لأنه لا يسيل. قوله: «فإن أطال الفعل عرفًا»العرف: بمعنى العادة، وهو ما اعتاده الناس وألفوه. قوله: «من غير ضرورة» أي: من غير أن يكون مضطرًا إلى الإطالة، مثل أن يهاجمه سبع، فإن لم يعالجه ويدافعه أكله، أو حية إن لم يدافعها لدغته، أو عقرب كذلك، فهذا الفعل ضرورة. قوله: «ولا تفريق» بمعنى: أنه يكون متواليًا.
فشروط بطلان الصلاة بالحركة ثلاثة: الإطالة، وألا تكون لضرورة، وأن تكون متوالية، أي: بغير تفريق. قوله: «ولو سهوًا» أي: ولو كان الفعل سهوًا، فلو فرضنا أن شخصًا نسي أنه في صلاة فصار يتحرك ويكتب، ويعد الدراهم ويتسوك، ويفعل أفعالًا كثيرة، فإن الصلاة تبطل.
_________________________________
([1]) ولا يكره للحاجة كغم شديد من حر، ما لم يكثر من التروّح فيبطل الصلاة، وكذا كل فعل من غير جنس الصلاة إذا طال عرفًا أبطلها إجماعًا. انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/92).
([2]) وكذا كل ما يمنع كمال الصلاة؛ كاحتباس غائط أو ريح وحر وبرد وجوع وعطش مفرط؛ لأنه يمنع الخشوع، وسواء خاف فوت الجماعة أو لا، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/97).
([3]) ومن أتى بالصلاة على وجه مكروه استحب له أن يأتي بها على وجه غير مكروه ما دام وقتها باقيًا؛ لأن الإعادة مشروعة للخلل في الأولى، انظر: الإقناع بشرحه كشاف القناع (1/374).
([4]) المذهب أنه يسن رد مار بين يديه بدفعه بلا عنف، آدميًّا كان أو غيره، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، انظر: كشاف القناع (1/375)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/94).
([5]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في كشاف القناع (1/376).
وَيُبَاحُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا، وَإذَا نَابَهُ شَيْءٌ سَبَّحَ رَجُلٌ، وَصَفَّقَتِ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأخْرَىَ، وَيَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِهِ، وَفِي المَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ، وتُسَنُّ صَلَاتُهُ إلَى سُتْرَةٍ قَائِمَةٍكَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا فَإِلَى خَطّ، وتَبْطُلُ بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ فَقَطْ، ولَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ آيَةِ وَعِيدٍ، وَالسُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ.
_________________________________ قوله: «ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها» أي: أنه ليس بممنوع «وإذا نابه» أي عرض للمصلي «شيء»أي شيء يكون، سواء كان مما يتعلق بالصلاة، كما إذا أخطأ إمامه أو مما يتعلق بأمر خارج، كما لو قرع عليه شخص الباب وهو يصلي؛ فإنه يسبح الرجل فيقول: سبحان الله، ولا تبطل إن كثر، وتصفق المرأة «ببطن كفها على ظهر الأخرى» أي تضرب بطن كفها على ظهر الأخرى([1])، وتبطل الصلاة إن كثر. وقوله:«يبصق في الصلاة» أي: إذا احتاج للبصاق فيبصق «عن يساره»ولا يبصق عن يمينه ولا أمام وجهه، ولو كان «في المسجد» فيبصق «في ثوبه» فلا يبصق في المسجد. قوله:«وتسن صلاته»أي صلاة المصلي «إلى سترة» إلا أن المأموم تكون سترة إمامه سترة له، حضرًا أو سفرًا، ولو لم يخش مارًّا. قوله: «قائمة كمؤخرة الرحل» يعني منصوبة، ومؤخرة الرحل: خشبة توضع فوق الرحل إذا ركب الراكب استند عليها، وهي حوالي ثلثي ذراع أو ذراع إلا ربعًا وما أشبهها، ورحل البعير هو: ما يشد على ظهره. قوله:«فإن لم يجد شاخصًا» أي: شيئًا قائمًا يكون له شخص «فإلى خط» إن كانت الأرض مفروشة بالرمل أو بالحصباء، فيكون الخط له أثر، وقد يقال: يجزئ خط التلوين عن الخط الذي له أثر. قوله: «وتبطل»الصلاة النافلة والفريضة «بمرور كلب»أي: عبور الكلب من يمين المصلي إلى يساره، ومن يساره إلى يمينه، وأما صعود الكلب بين يدي المصلي فلا يبطلها، ولو فرضنا أن كلبًا أمامك فإن صلاتك لا تبطل، لكن لو مر بطلت.
ولا تبطل بمرور حمار ولا بعير ولا فرس ولا شاة ولا خنـزير، وهنا لم يقيسوا الخنـزير على الكلب، وفي باب النجاسة قاسوه.
بحيث يكون الكلب «أسود بهيم»، أي: خالص لا يخالط سواده لون آخر. قوله: «فقط»؛ أي: لا غير؛ فيخرج الكلب الأحمر والأبيض، وتخرج المرأة والحمار، وهذا هو المشهور من المذهب. وقوله: «يقطع» واضح أنه يبطل. قوله: «له» الضمير يعود على المصلي. قوله: «التعوذ» هو اللجوء إلى الله عز وجل. قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مر بآية وعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك. قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: فيسأل الرحمة، مثاله: مر ذكر الجنة، يقول: اللهم إني أسألك الجنة، وله أن يسأله من فضله، ولو مر ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك؛ فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يجعلنا منهم، أو ما أشبه ذلك. قوله: «ولو في فرض» لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصلاة فيها دعاء.
ولو قرأ القارئ:{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِىَ المَوْتَى} ونحوها، فله أن يقول: بلى.
_________________________________
([1]) أو ظهرها، أو ضرب ظهر كف على بطن الأخرى، بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا، وكذا أعمى خشيت وقوعه في محذور ونحو ذلك، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/111).
أَرْكَانُهَا: الْقِيَامُ وَالتَّحْرِيمَةُ وَالْفَاتِحَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الْكُلِّ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَجَلْسَتُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ.
_________________________________ قوله: «أركانها» وهي لا تسقط عمدًا ولا سهوًا: - «القيام» وحده ما لم يصر راكعًا، وإذا كان لا يتمكن من القيام إلا بالاعتماد جاز له أن يعتمد، وإن كان يتمكن بدون اعتماد لم يجز أن يعتمد، إلا إذا كان اعتمادًا خفيفًا فلا بأس به، وضابطه: إن كان بحيث لو أزيل ما استند إليه سقط فهذا غير خفيف، وإن كان لوأزيل لم يسقط فهو خفيف. «والتحريمة» أي: تكبيرة الإحرام، «والفاتحة» أي: في الفرض والنفل، ويتحملها الإمام عن المأموم، «والركوع» في كل ركعة، «والاعتدال عنه» والاعتدال لا يكون إلا بعد القيام التام؛ ويُسْتَثْنَى من هذا: الركوع الثاني وما بعده في صلاة الكسوف، فإنه سنة، كما يستثنى أيضًا العاجز، «والسجود على الأعضاء السبعة والاعتدال عنه والجلوس بين السجدتين»؛ ولا يتصور جلوس بين السجدتين إلا باعتدال من السجود، «والطمأنينة في الكل» أي: في كل ما سبق من الأركان الفعلية، والاطمئنان معناه: الاستقرار، ولهذا قالوا: إن الطمأنينة هي: السكون وإن قل، حتى وإن لم يتمكن من الذكر الواجب، وهذا هو المذهب. قوله: «والتشهد الأخير وجلسته» أي: من أركان الصلاة، وجلسته أيضًا ركن، وأضاف الجلسة إلى التشهد ليفهم منه أن التشهد لابد أن يكون في نفس الجلسة. قوله: «والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه» أي: في التشهُّد الأخير لا في التشهد الأول، وأما الصلاة على الآل فسنة، والقول الراجح أن الصلاة على النبي e سنة وليست بواجب ولا ركن،وأن الإنسان لو تعَمَّد تركها فصلاته صحيحة([1]). قوله: «والترتيب» أي: بين أركان الصلاة؛ قيام، ثم ركوع، ثم رفع منه، ثم سجود... قوله: «والتسليم» أي يقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، ومشهور المذهب: أن كلتا التسليمتين ركن في الفرض وفي النفل.
_________________________________
([1]) المذهب أنها ركن، كما في كشاف القناع (1/388)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/113).
_________________________________ قوله: «واجباتها» أي: واجبات الصلاة، وتسقط بالسهو، ويجبرها سجود السهو: «التكبير غير التحريمة» لأن التحريمة سبق أنها ركن؛ ويدخل بذلك التكبير للركوع وللسجود وللرفع منه... والتكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء سنة، وتكبيرات الجنازة أركان، وتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا سنة. قوله: «والتسميع» أي: قول الإمام والمنفرد: «سمعالله لمن حمده»، «والتحميد»للإمام والمأموم والمنفرد.
ومحل التكبير والتسميع والتحميد ما بين الركنين في الانتقال، فما كان للركوع فما بين القيام والركوع، وما كان للسجود فما بين القيام والسجود، ولو بدأ به قبله أو كمله بعده لم يجزئ؛ لأنه أتى بذكر في غير موضعه. قوله: «وتسبيحتا الركوع والسجود»وهما: سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى. قوله: «وسؤال المغفرة» أي: سؤال المصلي المغفرة بأن يقول: «رب اغفر لي» فلو قال: اللهم اغفر لي، فإنه لا يجزئه، ويكون «مرة مرة» أي: مرة في كل جلسة، «ويسن» أن يكرر سؤال المغفرة ثلاث مرات. قوله: «والتشهد الأول، وجلسته»بفتح الجيم، فلو تشهد وهو قائم أو ساجد فلا يجزئ. قوله: «وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة» فلا تبطل الصلاة بتركها. قوله: «فمن ترك شرطًا لغير عذر»بطلت صلاته، ولعذر لم تبطل «غير النية فإنها لا تسقط بحال»؛لأن النية محلها القلب ولا يمكن العجز عنها، ولو نسي فنوى العصر لصلاة الظهر لا تصح؛ لأنه ترك التعيين، فعين خلاف فرض الوقت فلا تصح؛ لأن النية لا تسقط بحال. قوله:«أو تعمد ترك ركن»كأن يتعمد ترك الركوع «أو واجب بطلت صلاته»، ولو أنه ندم وهو ساجد، ثم قام وأتى بالركوع فلا ينفعه، ولو ترك التشهد الأول متعمدًا حتى قام، ثم ندم ورجع فتبطل صلاته. قوله: «بخلاف الباقي» أي: بعد الشروط والأركان والواجبات، فإن الصلاة لا تبطل بتركه، ولو كان عمدًا؛ لأنها سنن مكملة للصلاة. قوله: «وما عدا ذلك سنن أقوال»أي: يسن قولها؛ كالاستفتاح والبسملة والتعوذ، وسنن «وأفعال»أي: يسن فعلها. قوله: «لا يشرع»تشمل الواجب والمستحب، فالواجب يقال له مشروع، والمستحب يقال له مشروع، فلا يجب ولا يسن «السجود لتركه» كرجل ترك رفع اليدين عند الركوع فلا يشرع أن يسجد؛ لأنه سنة؛ «وإن سجد فلا بأس».
ومن جملة المسنونات في الصلاة الخشوع؛ أي: حضور القلب، وسكون الأطراف، ولا شك أنه من كمال الصلاة، وأن الصلاة بدونه كالجسد بلا روح.
يُشْرَعُ لِزِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ، لَا فِي عَمْدٍ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ، فَمَتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا يَسْجُدُ لَهُ، وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ، وَإِنْ عَلِمَ فِيهَا جَلَسَ فِي الحَالِ فَتَشَهَّدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ وسَلّمَ، وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ ثِقَتَانِ فَأصَرَّ وَلَمْ يَجْزِمْ بِصَوَابِ نَفْسِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ تَبِعَهُ عَالِمًا لَا جَاهِلًا أوْ نَاسِيًا، وَلَا مَنْ فَارَقَهُ.
_________________________________ قوله: «يشرع»أي يجب تارة ويسن أخرى لشيء من ثلاثة: «لزيادة، ونقص، وشك» أي: بسبب زيادة أو نقص أو شك، ولكن في الجملة لا في كل صورة، ولا يشرع «في عمد». قوله: «في الفرض والنافلة» أي: يشرع إما وجوبًا أو استحبابًا في صلاة الفرض وفي صلاة النفل؛ سوى صلاة جنازة وسجود تلاوة وشكر([1]). قوله: «متى زاد فعلًا من جنس الصلاة» احتراز، مما لو زاد قولًا أو فعلًا من غير جنس الصلاة. قوله: «قيامًا» أي: في محل القعود،«أو قعودًا» أي: في محل القيام، «أو ركوعًا» أي: في غير محله،«أو سجودًا» أي: في غير محله، أما لو زاد فعلًا غير هذه الأفعال الأربعة، كرفع اليدين – مثلًا - في غير مواضع الرفع، فإنه لا تبطل الصلاة بعمده، ولا يجب السجود لسهوه. قوله: «وسهوًا يسجد له» أي: ومتى زاد قيامًا أو قعودًا أو ركوعًا أو سجودًا سهوًا يسجد له. قوله: «وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها»أي من الصلاة «سجد» كرجل سلم من الصلاة ثم ذكر أنه صلى خمسًا، فإنه يسجد للسهو وجوبًا. قوله: «إن علم فيها» أي في الركعة التي زادها «جلس في الحال» أي: في حال علمه، ولا يتأخر حتى لو ذكر في أثناء الركوع أن هذه الركعة خامسة يجلس. قوله: «فتشهد إن لم يكن تشهد» أي: أنه إذا علم الزيادة فجلس فإنه يقرأ التشهد، إلا أن يكون قد تشهد قبل أن يقوم للزيادة. قوله: «وسجد وسلم» لتكمل صلاته، والقول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن السجود للزيادة يكون بعد السلام([2]). قوله: «وإن سبح به» أي قال «سبحان الله» تنبيهًا «ثقتان»أو أكثر ولو امرأتان، فإن جزم بصواب نفسه فيأخذ به ولا يرجع إلى قولهما، وإن جزم بصوابهما، أو غلب على ظنه صوابهما، أو غلب على ظنه خطؤهما، أو تساوى عنده الأمران فإنه يأخذ بقولهما على المذهب؛ فإن «أصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته»ولو سبح به رجل واحد فقط أو مجهولان فلا يلزمه الرجوع. قوله: «وصلاة من تبعه عالمًا لا جاهلًا أو ناسيًا ولا من فارقه»تبطل صلاة الإمام إذا سبح به ثقتان، ولم يجزم بصواب نفسه ولم يرجع إلى قولهما، لكن بالنسبة للمأمومين الآخرين، فإن كان عندهم علم كما عند المنبهين وجب عليهم أن يفارقوا الإمام، فإن لم يفارقوه وتابعوه نظرنا، فإن كان ذلك نسيانًا فلا شيء عليهم، وعليهم سجود السهو إذا كان فاتهم شيء من الصلاة، وإن كان جهلًا بأنها زائدة أو جهلًا بالحكم، فإذا تبعه المأموم جاهلًا فإن صلاته صحيحة من أجل العذر.
وفهمنا من قوله: «ولا من فارقه» أنه لا يجلس فينتظر الإمام؛ لأنه يرى أن صلاة الإمام باطلة، ولا يمكن متابعته في صلاة باطلة.
_________________________________
([1]) فلا سجود للسهو فيها وفاقًا، فأما صلاة الجنازة فلأنها لا سجود في صلبها، ففي جبرها أولى، وأما سجود التلاوة والشكر فإنه لو شرع كان الجبر زائدًا على الأصل، وأما سجود السهو فلأنه يفضي إلى التسلسل، وحكاه إسحاق وغيره إجماعًا، وسواء كان السهو قبل السلام أو بعده، ولو سها بعد سجود السهو وقبل السلام لم يشرع له السجود، وكذا حديث النفس ولو طال، لعدم إمكان التحرز منه، فعفي عنه، ولما ثبت: «إن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدَّثَت به أنفسها»، وسوى نظر إلى شيء فلا يشرع له السجود؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يشرع سجود السهو في صلاة خوف، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/139).
([2]) ما ذكره المصنف هو ما نص عليه في كشاف القناع (1/395)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/154).
وَعَمَلٌ مُسْتَكْثَرٌ عَادَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا، عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، ولَا يُشْرَعُ لِيَسِيرِهِ سُجُودٌ، وَلَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ سَهْوًا، وَلَا نَفْلٌ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْدًا، وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَقِراءَةٍ فِي سُجُودٍ، وَتَشَهُّدٍ فِي قِيَامٍ، وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ سُجُودٌ، بَلْ يُشْرَعُ.
_________________________________ قوله:«وعمل مستكثر عادة»أي: محكوم بكثرته في عادة الناس، فلا يتقيد بثلاث حركات. قوله: «من غير جنس الصلاة» أي لغير ضرورة؛ لأنه إذا كان لضرورة فإنه لا يبطل الصلاة ولو كثر، واحترز مما لو كان من جنس الصلاة، فإن الكثير والقليل من جنس الصلاة إن تعمده بطلت، وإن لم يتعمده سجد لسهوه. قوله: «يبطلها عمده وسهوه» فلو غفل الإنسان غفلة كاملة في الصلاة، وتحرك حركات كثيرة فتبطل الصلاة. قوله: «ولا يشرع ليسيره سجود» أي يسير عمل من غير جنسها. قوله: «لا تبطل» أي الصلاة فرضًا ونفلًا «بيسير أكل أو شرب سهوًا» لكن لو كان كثيرًا تبطل به الصلاة، ولو كان ساهيًا([1]). قوله: «ولا نفل بيسير شرب عمدًا» أي: ولا يبطل النفل؛ كالراتبة والوتر وصلاة الليل بيسير شرب عمدًا. قوله: «إن أتى»أي: المصلي«بقول مشروع» سواء كان مشروعًا على سبيل الوجوب؛ كالتسبيح وقراءة الفاتحة، أو على سبيل الاستحباب كقراءة السورة. قوله: «في غير موضعه» أي إن أتى في غير موضع القول المشروع بالقول المشروع «كقراءة في سجود» أي مع الإتيان بسبحان ربي الأعلى، وكذلك القراءة في الركوع وهما غير مشروعين، بل منهي عنهما، ولكن الصلاة لا تبطل.
وكذا لو أتى بـ«تشهد في قيام وقراءة سورة في الأخيرتين» أي الركعتين الأخيرتين فلا تشرع فيهما القراءة بغير الفاتحة على المشهور من المذهب. قوله: «لم تبطل» حتى وإن قرأ في الركوع وإن قرأ في السجود؛ لأنه قول مشروع في الجملة في الصلاة، لكنه في غير هذا الموضع.
_________________________________
([1]) ويبطل الفرض بيسير الأكل والشرب عمدًا، قال أبو بطين في حاشيته (1/134): «تتمة: لا تبطل الصلاة بترك لقمة في فمه لم يمضغها ولم يبتلعها حتى فرغ من الصلاة، ويكره ذلك؛ فإن لاكها أي ولم يبتلعها فهو كالعمل إن كثر أبطل، وإلا فلا، ذكره في الكافي والرعاية» اهـ.
وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا أَتَمَّهَا وَسَجَدَ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا بَطَلَتْ كَكَلَامِهِ فِي صُلْبِهَا، وَلِمَصْلَحَتِهَا إِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ تَبْطُلْ. وَقَهْقَهَةٌ كَكَلَامٍ، وَإِنْ نَفَخَ أَوِ انْتَحَبَ مِنْ غَيرِ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبانَ حَرْفَانِ بَطَلَتْ.
_________________________________ قوله: «وإن سلم قبل إتمامها عمدًا بطلت» أي: إذا سلم قبل إتمامها بقصد الخروج من الصلاة عمدًا بطلت «وإن كان سهوًا ثم ذكر قريبًا أتمها وسجد»ولو ذكر وهو قائم فلا بد أن يقعد ثم يقوم؛ لأن نفس النهوض ركن مقصود، فلزم الإتيان به مع النية.
ويشترط أيضًا ألا يفعل ما ينافي الصلاةفإن تحدث أو أكل أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يبني على صلاته لفوات الشرط. قوله: «فإن طال الفصل» أي عرفًا كثلاث دقائق أو أربع أو خمس وما أشبهها«أو تكلم لغير مصلحتها» أي: بعد أن سلم تكلم بكلام لغير مصلحة الصلاة، فإنها تبطل، ولو كان الكلام يسيرًا، ولو كان الزمن قصيرًا. قوله: «ككلامه في صلبها» أي: كما أنها تبطل الصلاة إذا تكلم في صلب الصلاة. قوله: «ولمصلحتها إن كان يسيرًا لم تبطل»والمذهب تبطل الصلاة بالكلام ولو يسيرًا لمصلحتها إذا سلم ناسيًا؛ لأنه فعل شيئًا ينافي الصلاة فلا تصح معه. قوله: «وقهقهة ككلام» القهقهة: الضحك المصحوب بالصوت، أي إذا قهقه إنسان وهو يصلي بطلت صلاته. قوله:«إن نفخ» -أي: فبان حرفان- بطلت صلاته؛ لأنه تكلم مثل: أن يقول «أف» يرفع صوته بها، فهذا تبطل صلاته به؛ لأنه بان منه حرفان، وكذا لو «انتحب» أي رفع الصوت بالبكاء «من غير خشية الله تعالى» -بأن بان حرفان من انتحابه- بطلت صلاته.
وكذا تبطل لو «تنحنح من غير حاجة فبان حرفان»والحاجة للتنحنح، إما أن تكون قاصرة كأن أحس في حلقه انسدادًا فلا بأس أن يتنحنح من أجل إزالة هذا الانسداد، أو متعدية كأن يستأذن عليه شخص وأراد أن ينبهه على أنه يصلي فلا تبطل الصلاة بذلك، فإن كان التنحنح لغير حاجة فإنها تبطل الصلاة بشرط أن يبين حرفان.
ولو عطس فبان حرفان لا تبطل صلاته، وكذلك لو تثاءب فبان حرفان.
وعلى ذلك فالزيادة في الصلاة زيادة قول، وزيادة فعل، وزيادة القول؛ إما أن تكون من جنس الصلاة، أو من غير جنسها، وكذلك الفعل؛ فزيادة القول من غير جنس الصلاة تبطل به إن كانت عمدًا، وكذلك إن كانت سهوًا أو جهلًا على المذهب، وإن كان القول من جنس الصلاة فإن كان مما يخرج به من الصلاة، وهو السلام، فإن كان عمدًا بطلت، وإن كان سهوًا أتمها وسجد للسهو بعد السلام، وإن كان مما لا يخرج به من الصلاة، كما لو زاد تسبيحًا في غير محله، فهذا يشرع له السجود، ولا يجب.
أما زيادة الأفعال؛ فإن كانت من غير جنس الصلاة فقد سبق بيانه، وإن كانت من جنس الصلاة، فإن كانت تُغَيِّر هيئة الصلاة، وهي الركوع، والسجود، والقيام والقعود، فإن كان متعمدًا بطلت، وإلا لم تبطل، وسجد للسهو.
وإن كانت لا تُغَيِّر هيئة الصلاة، كما لو رفع يديه إلى حذو منكبيه فيغير موضع الرفع، فإن الصلاة لا تبطل به؛ لأن ذلك لا يغَيِّر هيئة الصلاة.
وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، وَقَبْلَهُ يَعُودُ وجُوبًا فَيَأْتِي بِهِ، وَبِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ.
_________________________________ قوله: «ومن ترك ركنًا» فإن كان تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، سواء تركها عمدًا أو سهوًا([1])، وإن كان غير التحريمة «فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها»أي صارت لغوًا، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى فلا يرجع؛ لأنه شرع في ركن مقصود من الركعة التي تليها، والقول الصحيح أنها لا تبطل الركعة التي ترك منها إلا إذا وصل إلى محله في الركعة الثانية([2]). قوله: «وقبله يعود وجوبًا فيأتي به وبما بعده» أي: إذا ذكر الركن المتروك قبل شروعه في قراءة الركعة التي تلي المتروك منها، فإنه يعود إلى الركن المتروك، فيأتي به وبما بعده. قوله: «وإن علم» بالركن المتروك «بعد السلام»أي بعد أن سلم «فكترك ركعة كاملة»أي: فكأنه سلم عن نقص ركعة، فيأتي بركعة كاملة، ثم يتشهد ويسجد للسهو ويسلم، والقول الصحيح أنه لا يأتي بركعة كاملة؛ وإنما يأتي بما ترك فقط وبما بعده([3]).
_________________________________
([1]) وكذا النية على القول بركنيتها، وغيرهما من الأركان يجب تداركه، ولا يغني عنه سجود السهو، لتوقف وجود الماهية عليه، وإنما يشرع السجود للسهو. انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/161).
([2]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في كشاف القناع (1/403)، وما صححه الشيخ وجه، كما في الإنصاف (2/139).
([3]) المذهب أنه كترك ركعة كاملة، كما في كشاف القناع (1/403)، وما صححه الشيخ قاله ابن تميم وابن حمدان قالا: «ويحتمل أن يأتي بالركن وبما بعده»، قال في الإنصاف (2/142): «وهو أحسن إن شاء الله تعالى».
وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا كُرِهَ رُجُوعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ حَرُمَ الرُّجُوعُ، وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِلْكُلِّ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَِد الرَّكَعَاتِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَكَتَرْكِهِ، وَلَا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وَلَا سُجُودَ عَلَى مَأمُومٍ إلّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ لمَا يبْطُلُ عَمْدُه وَاجِبٌ، وَتبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودِ أَفَضَلِيَّتِه قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ نَسِيَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ إِنْ قَرُبَ زَمَنُهُ، وَمنْ سَهَا مِرَارًا كَفَاهُ سَجْدَتَانِ.
_________________________________
إذا أنقص واجبًا ناسيًا كالتشهد الأول ونهض، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أن يذكره قبل أن ينهض، أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، أي: لمّا تهيَّأَ للقيام ذَكَر أن هذا محل التشهد الأول، ففي هذه الحال يجلس ويتشهد، وليس عليه شيء. الحال الثانية: أن يذكره بعد الوصول إلى الركن الذي يليه؛ مثل: أن يذكر بعد أن يسْتَتِمَّ قائمًا، لكن قبل أن يشرع في القراءة، فهنا يكره له أن يرجع، فإن لم يصل إلى الركن فإنه يرجع، ولو كان إلى القيام أقرب. الحال الثالثة: أن يذكره بعد الشروع في قراءة الركعة الأخرى فيحرم الرجوع. قوله: «وعليه السجود للكل» أي: في كل الأحوال الثلاثة: إذا نهض ولم يستتم قائمًا، وإذا استتم قائمًا ولم يقرأ، وإذا شرع في القراءة فعليه السجود.
فإذا ذكر قبل أن ينهض، أي: تأهب للقيام، ولكن قبل أن ينهض وتفارق فخذاه ساقيه، فإنه يستقر ولا يجب عليه السجود في هذه الحال.
وما ذُكِرَ في التشهُّدِ الأول يجري على من ترك واجبًا آخر، مثل: التسبيح في الركوع والسجود. قوله: «ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل» أي: شك: هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فيجعلها ثلاثًا؛ لأن الناقص هو المتيقّن، ولا فرق بين أن يكون لديه ترجيح أو لا، هذا هو المذهب([1])، لكن الذي نقول به أنه إذا شك في عدد الركعات، فإن غلب على ظنه أحد الاحتمالين عمل به وبنى عليه وسجد سجدتين بعد السلام، وإن لم يترجح عنده أحد الاحتمالين أخذ بالأقل وبنى عليه وسجد([2]). قوله: «وإن شك في ترك ركن فَكَتَرْكِهِ» أي لو شك: هل فعل الركن أو تركه؟ كان حكمه حكم من تركه؛ فلو قام إلى الركعة الثانية، فشك: هل سجد مرتين أو مرة واحدة؟ فإن شرع في القراءة فلا يرجع، وقبل الشروع يرجع، وعلى القول الراجح يرجع مطلقًا ما لم يصل إلى موضعه من الركعة التالية([3])، فيرجع ويجلس ثم يسجد ثم يقوم؛ لأن الشك في ترك الركن كالترك. قوله: «ولا يسجد لشكه في ترك واجب» أي: لو شك في ترك الواجب بعد أن فارق محله. قوله: «أو زيادة» أي: لو شك هل زاد في صلاته أو لم يزد؟ فلا سجود عليه.
فإن تيَقَّنَ وهو في التشهد الأخير أنه صلى خمسًا، فهنا يجب عليه السجود للسهو، وكذلك إذا شك في الزيادة حين فعلها؛ أي: شك وهو في الرابعة، هل هذه خامسة أو رابعة؟ فيجب عليه أن يسجد للسهو؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها، بخلاف ما إذا شك في الخامسة وهو في التشهد الأخير، فإن الركعة انتهت على أنها الرابعة بلا تردد، وإنما طرأ عليه الشك بعد مفارقة محلها، فليس عليه سجود. قوله: «ولا سجود على مأموم إلا تبعًا لإمامه» أي: أن المأموم لا يلزمه سجود السهو إلا تبعًا لإمامه فيجب عليه، سواء سها أو لم يسه، فإذا سجد الإمام وجب على المأموم أن يتابعه. قوله: «وسجود السهو لما يبطل عمده واجب» مثلًا: لو تركت قول: «رباغفر لي» بين السجدتين وجب عليك سجود السهو؛ لأنك لو تعمدت الترك لبطلت صلاتك، والصحيح أنه إذا تركه نسيانًا يسن له السجود؛ لأنه قول مشروع فيجبره بسجود السهو، ولا يكون سجود السهو واجبًا؛ لأن الأصل الذي وجب له السجود ليس بواجب، فلا يكون الفرع واجبًا؛ فإذا ترك الإنسان سهوًا سنة من عادته أن يأتي بها فسجود السهو لها سنة، أما لو ترك السنة عمدًا فهنا لا يشرع له السجود لعدم وجود السبب وهو السهو([4]) .
ولو أتى بقول مشروع في غير موضعه كأن يقرأ وهو جالس ناسيًا، لا يجب عليه السجود؛ لأنه لو تعمد أن يقرأ وهو جالس لم تبطل صلاته. قوله: «وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط».
كون السجود قبل السلام أو بعده على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الوجوب، ولو سجد قبل السلام فيما موضعه بعد السلام فلا إثم عليه، ولو فعل العكس فلا إثم عليه، والأفضل: أن يسجد قبل السلام، إلا إذا سلم قبل إتمام الصلاة، فالأفضل: أن يسجد بعد السلام.
والصلاة تبطل إذا ترك السجود الذي محله قبل السلام؛ لأنه واجب في الصلاة؛ لأنه قبل الخروج منها، ولا تبطل إذا ترك السجود الذي محله بعد السلام؛ لأنه واجب لها؛ لأنه بعد الخروج منها، والذي تبطل به الصلاة إذا تعمد تركه هو ما كان واجبًا في الصلاة، لا ما كان واجبًا لها، ولهذا لو ترك التشهد الأول عمدًا بطلت صلاته.
وخرج بقوله: «فقط» ما أفضليته بعد السلام، فلا تبطل الصلاة بتركه. قوله: «وإن نسيه»أي: السجود الذي قبل السلام«وسلم، سجد إن قرب زمنه»([5]) فإن بعُد سقط وصلاته صحيحة. قوله: «ومن سها مرارًا كفاه سجدتان»؛ لأن السجدتين تجبران كل ما فات.
([2]) ذكر في الإنصاف (2/146) الرواية الثانية عن الإمام، أنه متى شك في عدد الركعات بنى على غالب ظنه، قال: «واختاره الشيخ تقي الدين».
([3]) سبق قريبًا أن هذا اختيار الشيخ.
([4]) المذهب أنه واجب، كما في كشاف القناع (1/408-409)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/153).
([5]) عرفًا ولو انحرف عن القبلة وتكلم لما تقدم، ولما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: «سجد بعد السلام والكلام»، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/175).
_________________________________ «صلاة التطوع» أي: الصلاة التي تكون تطوعًا؛ أي: نافلة. قوله: «آكدها كسوف ثم استسقاء»فهو يليه في الآكدية«ثم تراويح ثم وتر»فَقَدَّمَ التراويح على الوتر، ما أراه إن الوتر مقدم عليها وعلى الاستسقاء؛ لأن الوتر أمرَ به ودَاوَم عليه النبي e، حتى قال بعض أهل العلم: إن الوتر واجب([1]). قوله: «يفعل بين صلاة العشاء والفجر»أي الوتر وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديمًا، فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء. قوله: «وأقله ركعة»يعني: أقل الوتر ركعة، وقوله: «مثنى مثنى»أي: يصليها اثنتين اثنتين. قوله: «وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين» أي: أدنى الكمال في الوتر أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يأتي بواحدة ويسلم.
_________________________________
([1]) هي كما رتبها المصنف على المذهب، كما في كشاف القناع (1/414)، وتقديم الوتر قول ذكره في الإنصاف (2/166).
وَيَقْنُتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ. وَيُكْرَهُ قُنُوتُهُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ، إِلّا أَنْ تَنْزِلَ بِالمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ غَيْرَ الطّاعُونِ، فَيَقْنُتُ الْإِمَامُ فِي الْفَرَائِضِ
_________________________________ قوله: «ويقنت فيها» أي: في الثالثة «بعد الركوع» ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشرع القنوت قبل الركوع، ولكن المشهور من المذهب: أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعد القراءة؛ فإذا انتهى من قراءاته قنت ثم ركع. قوله: «اللهم اهدني فيمن هديت»،الهداية هنا يراد بها: هداية الإرشاد وهداية التوفيق، فهداية الإرشاد: التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق: التي ضدها الغي، «وعافني فيمن عافيت» والمعافاة: المراد بها المعافاة في الدين والدنيا، فتشمل الأمرين أن يعافيك من أسقام الدين، وهي أمراض القلوب، ويعافيك من أمراض الأبدان، وهي اعتلال صحة البدن، «وتَوَلّنِي فيمن توليت» أي اجعلني قريبًا منك، كما يقال ولي فلان فلانًا، واعتن بي فكن لي وليًّا، وناصرًا ومعينًا لي في أموري، فيشمل الأمرين، «وبارك لي فيما أعطيت» أي: أنزل البركة لي فيما أعطيتني من المال، والعلم، والجاه، والولد، ومن كل ما أعطيتني، «وقِنِي شر ما قضيت» والمراد: قضاؤه الذي هو مقضيه؛ لأن قضاء الله هو فعله، وإن كان شرًّا لكنه في الحقيقة خير؛ لأنه لا يراد إلا لحكمة عظيمة، «إنك تقضي ولا يُقْضَى عليك» فالله - سبحانه وتعالى - يقضي بما أراد، ولا أحد يقضي على الله ويحكم عليه، «إنه لا يذل من واليت» أي: ولاية خاصة، «ولا يعز من عاديت» أي: لا يَغلب من عاديته بل هو ذليل؛ لأن من والاه الله فهو منصور، «تباركت ربنا» معنى التبارك في الله - عز وجل -: أنه - سبحانه وتعالى - منزل البركة، وأن بذكره تحصل البركة، وباسمه تحصل البركة، «تعاليت» من التعالي وهو العلو، «أعوذ برضاك من سخطك» هذا من باب التوسل برضا الله أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استنجدت من الشيء بضده، فجعلت الرضا وسيلة تتخلص به من السخط، «وبعفوك من عقوبتك»وفي الحديث: «وبمعافاتك من عقوبتك»،والمعافاة هي: أن يعافيك الله من كل بلية في الدين أو في الدنيا، «وبك منك»لايمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله؛ إذ لا أحد يعيذك من الله إلا الله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، «لا نحصي ثناء عليك»أي: لا ندركه، ولا نبلغه، ولا نصل إليه، والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال. قوله: «اللهم صلّ على محمد»أي: يختم الدعاء بالصلاة على النبي r؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة، «وعلى آل محمد»واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه. قوله: «ويمسح وجهه بيديه»إذا فرغ من دعائه هنا وخارج الصلاة، والأقرب أنه ليس بسنة؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة([1]). قوله: «ويكره قنوته»أي المصلي «في غير الوتر»كالفرائض والرواتب والنوافل الأخرى؛ «إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة» هي: الشديدة من شدائد الدهر، أما إن نزلت بالكفار نازلة فذلك مما يُشكر الله عليه، وليس مما يُدعى برفعه. قوله: «غير الطاعون» الطاعون: وباء معروف فتَّاك مُعْدٍ، إذا نزل بأرض فإنه لا يجوز الذهاب إليها، ولا يجوز الخروج منها فرارًا منه، ولا يدعى برفعه، وعُلّل ذلك: بأنه شهادة. قوله: «فيقنت الإمام في الفرائض» أي استحبابًا، ويقنت بدعاء مناسب للنازلة في جميع الفرائض إلا الجمعة.
_________________________________
([1]) ذكر المسح في كشاف القناع (1/420)، وذكر في الإنصاف (2/173) رواية أنه يكره.
وَالتَّرَاوِيحُ عِشْرُونَ رَكْعَةً، تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ الْوِتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي رَمَضَانَ، وِيُوتِرُ الُمتَهَجِّدُ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَبِعَ إِمَامَهُ شَفَعَهُ بِرَكْعَةٍ، وَيُكْرَهُ التّنَفّلُ بَيْنَهَا، لَا التَّعْقِيبُ فِي جَمَاعَةٍ.
_________________________________ قوله: «والتراويح عشرون» والتراويح سنة مؤكدة؛ لأنها من قيام رمضان، وإذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوتر تكون ثلاثًا وعشرين، فهذا قيام رمضان، والصحيح في هذه المسألة أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا وواحدة وترًا([1]). قوله: «تفعل في جماعة» أي: تُصَلى في جماعة، فإن صلاها الإنسان منفردًا في بيته لم يدرك السنة. قوله: «مع الوتر» أي: أنهم يوترون معها «بعد» صلاة «العشاء» وسنتها؛ فلو صلّوا التراويح بين المغرب والعشاء لم يدركوا السنة. قوله: «ويوتر المتهجد بعده» أي: بعد تهجده؛ فلا يوتر مع الإمام. قوله: «فإن تبع إمامه شفعه بركعة» وهذا هو الطريق الآخر للمتهجد، فيتابع إمامه في الوتر، ويشفعه بركعة؛ لتكون آخر صلاته بالليل وترًا. قوله: «ويُكْرَه التنفل بينها» أي بين التراويح، ولا يكره«التعقيب في جماعة» بعد التراويح مع الوتر، ومعنى التعقيب: أن يصلي بعدها وبعد الوِتْرِ في جماعة، وظاهر كلامه: ولو في المسجد.
_________________________________
([1]) المذهب أنها عشرون، كما في كشاف القناع (1/425)، وقال في الإنصاف (2/180) بعد ذكر الأقوال في عددها: «وقال الشيخ تقي الدين: كل ذلك أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة حسن، كما نص عليه أحمد؛ لعدم التوقيت فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره».
_________________________________ قوله: «ثم السنن» أي: بعد التراويح، السنن الراتبة وهي الدائمة المستمرة([1]). قوله: «وركعتان قبل الفجر وهما آكدها» أي: آكد هذه الرواتب. قوله: «ومن فاته شيء منها»أي من الرواتب«سنّ له قضاؤه».
وصلاة التطوع نوعان: نوع مطلق، ونوع مقيد؛ فالمقيد أفضل في الوقت الذي قيد به أو في الحال الذي قيد بها؛ كتحيَّة المسجد وسنة الوضوء، وهذا أفضل من صلاة الليل.
أما المطلق: ففي الليل أفضل منه في النهار، ويُسَنُّ الإكثار منه كل وقت. قوله: «وأفضلها» أي: صلاة الليل «ثلث الليل بعد نصفه» أي: أنك تقسم الليل أنصافًا، ثم تقوم في الثلث من النصف الثاني، وفي آخر الليل تنام، و يبتدئ النصف من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. قوله: «وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى» يعني: اثنتين اثنتين، فلا يصلي أربعًا جميعًا، وإنما يصلي اثنتين اثنتين. قوله: «وإن تطوع»؛ أي: المصلي في النهار لا في الليل. قوله: «كالظهر»؛أي: بتشهّدَيْنِ؛ تشهد أول وتشهد ثانٍ. قوله: «وأجرصلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم» أي: تصح صلاة القاعد؛ لكنها على النصف من أجر صلاة القائم، والمراد هنا في النّفلِ، فإن كان قاعدًا لعذر وكان من عادته أن يصلي قائمًا فإن له الأجر كاملًا.
_________________________________
([1]) ويُكْرَه تركها، وتسقط عدالة من داوم عليها ويأثم، فترد شهادته عند أحمد والشافعي، ويدل على قلة دينه، ويجوز لزوجة وعبد وأجير وولد فعلها مع الفريضة، ولا يجوز منعهم، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/211).
وَتُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ، وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ، يُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالمُسْتَمِعِ دُونَ السَّامِعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ القَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ.
_________________________________ «صلاة الضحى» سنة غير راتبة يعني: يفعلها أحيانًا وأحيانًا لا يفعلها، «وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان» ركعات بأربع تسليمات،«ووقتها من خروج وقت النهي»وهو من طلوع الشمس، إلى أن ترتفع قيد رمح، أي: بعين الرائي، وبالدقائق المعروفة حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة؛ لأنه أحوط. وقوله: «إلى قبيل»تصغير قبل «وقت الزوال»أي: قبل زوال الشمس بزمن قليل حوالي عشر دقائق؛ لأن ما قبيل الزوال وقت نهي ينهى عن الصلاة فيه. قوله: «وسجود التلاوة صلاة» أي: أن حكمه حكم الصلاة فتعتبر له الطهارة من الحدث، والطهارة من النجاسة في البدن والثوب والمكان واستقبال القبلة وستر العورة، وكل ما يشترط لصلاة النافلة. قوله: «يسن للقارئ» فسجود التلاوة ليس بواجب، ويسن أيضًا «والمستمع»وهو الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع «دون السامع» وهو الذي يسمع الشيء دون أن ينصت إليه. قوله: «وإن لم يسجد القارئ لم يسجد» المستمع.
وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ، وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ، وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمَ وَلَا يَتَشَهَّدُ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ وَسُجُودُهُ فِيهَا، وَيَلْزَمُ المَأْمُومُ مُتَابَعَتَهُ فِي غَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ، وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاةُ غَيرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ.
_________________________________ قوله: «وهو» أي: سجود التلاوة «أربع عشر سجدة» أي: آيات السجود التي في القرآن أربع عشرة سجدة فقط،لا تزيد ولا تنقص([1])، «في الحج منها اثنتان». قوله: «ويكبر إذا سجد وإذا رفع»يكبر إذا سجد؛ لأنها صلاة وتحريمها التكبير. قوله: «ويجلس»أي: وجوبًا، لكنه جلوس لا ذكر فيه إلا شيئًا واحدًا، وهو أن «يسلم» مرة عن يمينه «ولا يتشهد». قوله: «ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها»؛لأنه إن سجد شوش على من خلفه. قوله: «ويلزم المأموم متابعته» أي: يلزم المأموم إذا سجد إمامه أن يتابعه«في غيرها» أي: في غير صلاة السر وهي صلاة الجهر، وعلم من كلامه - رحمه الله - أنه لا يلزمه متابعة الإمام في صلاة السر؛ بل هو مُخَير في المتابعة. قوله: «ويستحب» في غير الصلاة «سجود الشكر» والشكر في الأصل هو: الاعتراف بالنعم باللسان، والإقرار بها بالقلب، والقيام بطاعة المنعم بالجوارح. قوله: «عند تجدد النعم» أي: عند النعمة الجديدة، احترازًا من النعمة المستمرة؛ كسلامة السمع وسلامة البصر وسلامة النطق. قوله: «واندفاع النِّقَم» التي وجد سببها فسلم منها؛ كإنسان سقط في بئر فخرج سالمًا، وسجود الشكر؛ كسجود التلاوة أي أن يكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس ويسلم. قوله: «وتبطل به» أي: بسجود الشكر» صلاة غير جاهل وناس» أي: من سجد سجدة الشكر عالمًا بالحكم ذاكرًا له فإن صلاته تبطل.
_________________________________
([1]) وكلها مجمع عليها ما عدا ثانية الحج والمفصل، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/237).
وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ: مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ طُلُوعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَمِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا، وَإِذَا شَرَعَتْ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ، وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيهَا، وَفِي الْأوْقَاتِ الثّلَاثَةِ فِعْلُ رَكْعَتَي طَوَافٍ وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ، وَيَحْرُمُ تَطَوّعٌ بِغَيْرِهَا فِي شَيءٍ مِنَ الْأوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ.
_________________________________ قوله: «وأوقات النهي خمسة» بالبسط وثلاثة بالاختصار:«من طلوع الفجر الثاني»احترازًا من الفجر الأول، إلى أن تطلع الشمس أي: يتبين قرصها؛ فلا تصح صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر،«ومن طلوعها حتى ترتفع قِيد رمح، وعند قيامها»أي: منتهى ارتفاع الشمس في الأفق «حتى تزول»، «ومن صلاة العصر([1]) إلى غروبها»أي إلى شروعها في الغروب، «وإذا شرعت فيه حتى يتم» أي: في الغروب حتى يتم. قوله: «ويجوز قضاء الفرائض فيها»أي: في هذه الأوقات. قوله: «وفي الأوقات الثلاثة» يعني بها: القصيرة التي ذكرت في حديث عقبة بن عامر: وهي: «من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» فيجوز فيها «فعل ركعتي طواف»، ومفهومه أن الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فعل ركعتي الطواف، ولكن هذا ليس مرادًا، فالمفهوم هنا مفهوم أولوية لا مفهوم مخالفة؛ لأنه إذا جازت صلاة ركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة القصيرة، وهي أغلظ تحريمًا من الأوقات الطويلة، ففي الأوقات الطويلة من باب أولى. قوله: «وإعادة جماعة» أي: أنه يجوز في هذه الأوقات الثلاثة، وغيرها من باب أولى إعادة جماعة أقِيمَتْ وهو بالمسجد، ويجوز أيضًا على المذهب: سنة الظهر التي بعدها إذا جُمِعت مع العصر.
ومن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين خفيفتين ولو كان عند قيام الشمس، وصلاة الجنازة تُفْعَل في أوقات النهي الطويلة؛ كما لو صلينا العصر وحضرت جنازة فإننا نصلي عليها. قوله: «ويحرم تطوع بغيرها» أي: بغير المتقدمات «حتى ما له سبب» أي: لا يجوز التطوع في هذه الأوقات حتى الذي له سبب، والقول الصحيح في هذه المسألة أن ما له سبب يجوز فعله في أوقات النهي كلها الطويلة والقصيرة([2]).
_________________________________
([1]) والاعتبار بالفراغ منها لا بالشروع فيها؛ قال ابن قاسم النجدي (2/247): «فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وإن صلى غيره، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، وكذا لو أحرم بها ثم قلبها نفلًا أو قطعها لعذر لم يمنع من التطوع حتى يصليها، ومن صلاها فليس له التنفل ولو صلى وحده، لحديث أبي سعيد وغيره».
([2]) المذهب أنه لا يجوز، كما في كشاف القناع (1/452)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/208).
تَلْزَمُ الرِّجَالَ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ، وَتُسْتَحَبُّ صَلَاةُ أَهْلِ الثَّغْرِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِم فِي المَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الجَمَاعَةُ إِلَّا بِحُضُورِهِ، ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ المَسْجِدِالعَتِيقِ، وَأَبْعَدُ أَوْلَى مِنْ أَقْرَبَ.
_________________________________ وقوله: «تلزم الرجال للصلوات الخمس»فيخرج النساء والعبيد. قوله: «ولا شرط»؛أي: ليست صلاة الجماعة شرطًا في صحة الصلاة. قوله: «وله فعلها في بيته» أي: يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدع المسجد، والقول الصحيح أنه يجب أن تكون في المسجد، وأنها لو أقيمت في غير المسجد لم يحصل بإقامتها سقوط الإثم، بل هم آثمون، وإن كان القول الراجح أنها تصح([1]). قوله: «تستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد» أهل الثغر: هم الذين يقيمون على حدود البلاد الإسلامية يحمونها من الكفار، فالأفضل لهم أن يصلوا في مسجد واحد. قوله: «والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره»أي إذا كان هناك مسجد قائم يصلي فيه الناس، لكن فيه رجل إن حضر وصار إمامًا أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فالأفضل لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارته؛ لأنه لو لم يحضر لتعطل المسجد. قوله: «ثم ما كان أكثر جماعة»أي: لو قدر أن هناك مسجدين أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة. قوله: «ثم المسجد العتيق»المسجد العتيق أولى من الجديد؛ لأن الطاعة فيه أقدم فكان أولى. قوله: «وأبعد أولى من أقرب» أي: إذا كان حولك مسجدان أحدهما أبعد من الثاني، فالأفضل الأبعد.
_________________________________
([1]) المذهب أنه له فعلها في بيته، كما في كشاف القناع (1/456)، وما صححه الشيخ قول ذكره في الإنصاف (2/213-214).