يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا شُرُوطٌ لَيْسَ مِنْهَا إِذْنُ الْإِمَامِ. أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ صَلَاةِ الظّهْرِ، فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإِلّا فَجُمُعَةً. الثَّانِي: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا بِقرْيَةٍ مُسْتَوْطِنِينَ، وَتَصِحُّ فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا اسْتَأنَفُوا ظُهْرًا، وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا إِذا كَانَ نَوَى الظّهْرَ.
_________________________________ قوله: «ليس منها إذن الإمام»وهو صاحب أعلى سلطة في البلد. قوله: «أحدها الوقت» فلا تصح قبله ولا بعده([1])«وأوله أول وقت صلاة العيد» وسيأتي، ورجح الموفق في المغني أنها لا تصح قبل السادسة ولا في أول النهار، كما ذهب إليه كثير من الأصحاب، ومنهم الخرقي([2])، وهذا القول هو الراجح أنها لا تصح في أول النهار إنما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنها تصح في السادسة، أن تكون بعد الزوال وفاقًا لأكثر العلماء،«وآخره آخر وقت صلاة الظهر» وقد سبق. قوله: «فإن خرج وقتها»أي الجمعة«قبل»أن يدركوا «التحريمة»أي تكبيرة الإحرام في الوقت «صلوا ظهرًا»،وإن أحرموا بها في الوقت «فجمعة»، والصحيح أن الإدراك لا يكون إلا بركعة([3]). قوله: «الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها» وتقدم بيانهم، وأقرب الأقوال إلى الصواب أنها تنعقد بثلاثة وتجب عليهم([4]). قوله: «الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين» أي: متخذيها وطنًا، سواء كانت وطنهم الأول أو وطنهم الثاني؛ فإن كانوا في خيام كالبادية، فإنه لا جمعة عليهم.
والقرية في اللغة العربية تشمل المدينة والمصر، سواء كانت صغيرة أو كبيرة. قوله: «وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء» أي: أن أهل القرية لو أقاموا الجمعة خارج البلد في مكان قريب، فإنها تصح، فلا يُشْترط أن تكون في نفس البلد، بشرط أن يكون الموضع قريبًا، أما ما كان بعيدًا لا تصح فيه الجمعة. قوله: «فإن نقصوا»عن العدد«قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا»أي: بطلت صلاتهم، ووجب عليهم أن يستأنفوا ظهرًا؛ كما إذا دخلوا في الجمعة على أنهم أربعون ثم أحدث أحدهم وخرج فيستأنفون ظهرًا؛ لأنه يشترط أن يكون العدد المطلوب من أول الصلاة إلى آخرها.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان الوقت متسعًا لإعادتها جمعة.
والقول الراجح أنهم إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، فإذا كان النقص في الركعة الثانية فما بعد أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى، استأنفوا ظهرًا، وهذا اختيار الموفق([5]). قوله: «ومن أدرك مع الإمام»أي إمام الجمعة «منها ركعة» تامة بسجدتيها([6])«أتمها جمعة»، أما إذا «أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا» أي: بأن جاء بعد رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية، فهنا لم يدرك شيئًا، فيتمها ظهرًا. قوله: «إذا كان نوى الظهر» أي: يشترط أن ينوي الظهر ودخول وقت الظهر؛ لأن فيه احتمالًا أن تُصَلّى الجمعة قبل الزوال، فإذا صُلِّيَتْ قبل الزوال وأدرك منها أقل من ركعة فإنه لا يتمها جمعة، بل يتمها نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر.
فإن لم ينو الظهر بأن دخل مع الإمام بنية الجمعة؛ لأنه يظن أن هذه هي الركعة الأولى، وذلك بأن جاء والإمام قد قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الثانية، فظن أنها الركعة الأولى، ثم تبين أنها الركعة الأخيرة، فعلى كلام المؤلف يتمها نفلًا؛ لأنه لم ينو الظهر، والصحيح أنه إذا دخل معه بنية الجمعة، فتبين أنه لا يدرك ركعة فلْيَنْوِهَا ظهرًا بعد سلام الإمام ([7]).
_________________________________
([1]) ولذا لم يقل: (دخول الوقت) لئلا يوهم صحتها بعد الدخول، سواء كانت في الوقت أو بعده. ابن قائد على المنتهى (1/351).
([2]) انظر: المغني لابن قدامة (2/104).
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في كشاف القناع (2/26).
([4]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/312)، وما اختاره الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/378).
([5]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/313)، وما رجحه المصنف هو احتمال ذكره في الإنصاف (2/380)، وقال: «واختاره المصنف».
([6]) قال الشيخ منصور البهوتي في حاشية الإقناع (1/297-298): «وتظهر فائدته فيما إذا زحم عن السجود؛ قاله في المبدع، لكن جزم المصنف وصاحب المنتهى وغيرهما فيما يأتي فيما إذا زحم ونحوه بعد أن أحرم مع الإمام حتى فاتته الأولى وركوع الثانية وسجد جهلًا لنفسه أنه تصح له ركعة ويتمها جمعة مع أنه لم يدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها».
([7]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/314)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/380).
_________________________________ قوله: «ويشترط تقدم خطبتين» والخطبة بالضم: خطبة الوعظ، وما أشبه ذلك، فإن لم يتقدمها خطبتان،لم تصح، وإذا لم يتقدمها شيء من الخطبة، أو تقدمها خطبة واحدة فلا تصح، ولو تأخرت الخطبتان بعد الصلاة فلا تصح([1]). قوله: «من شروط صحتهما»؛أي الخطبتين «حمد الله» بأن يحمد الله بلفظ: الحمد لله في كل خطبة، وسواء كان الحمد في أول الخطبة، أو في آخرها، والأفضل أن يكون في الأول، ومن شروط صحتهما كذلك «الصلاة على رسوله محمد r» في كل خطبة، ويتعين لفظ الصلاة، كما يشترط «قراءة آية»كاملة في كل خطبة، ولكن يشترط في الآية أن تستقل بمعنى، فلو قرأ {مُدْهَامَّتَانِ}فلا تجزئ، ويشترط لصحتهما أيضًا «الوصية بتقوى الله عز وجل في كل خطبة» بأن يوصي الخطيب المستمعين بتقوى الله، سواء قال: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو قال: يا أيها الناس اتقوا الله؛ فإن أتى بمعنى التقوى دون لفظها، بأن قال: يا أيها الناس افعلوا أوامر الله، واتركوا نواهي الله فيصح، كما يشترط في الخطبتين«حضور العدد المشترط»، والصحيح أن تقدير العدد بأربعين ليس بصواب كما مر بنا؛ فإذا قلنا يُشترط حضور ثلاثة لإقامتها صار لابد من حضور الثلاثة هنا أيضًا([2]). قوله: «ولا يشترط لهما الطهارة» أي: لو خطب وهو محدث فالخطبة صحيحة؛ لأنها ذكر، وليست صلاة، ولا يشترط أيضًا «أن يتولاهما»أي الخطبتين «من يتولى الصلاة» فلو خطب رجل وصلى آخر فهما صحيحتان، والصلاة صحيحة.
_________________________________
([1]) في بحث ابن قندس أن الجمعة في الأصل أربع قامت الخطبتان مقام ركعتين منها؛ لأنها ظهر مقصورة، ولهذا يصلي من فاتته أربعًا. من حاشية أبي بطين (1/196).
_________________________________ قوله: «ومن سننهما أن يخطب على منبر»أي على شيء مرتفع «أو موضع عال» ولو كومة من التراب، من أجل أن يبرز أمام الناس، كما يُسَنّ أن «يسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم» أي: إذا صعد المنبر يتجه إلى المأمومين، ويسلم عليهم، «ثم يجلس إلى فراغ الأذان ويجلس بين الخطبتين»؛لأنه لو لم يجلس لم يتبين التمييز بينهما؛ إذ قد يظن الظان أنه سكت لعذر منعه من الكلام، كما يسن أن «يخطب قائمًا ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا». قوله: «ويقصد تلقاء وجهه» أي: يستقبل تلقاء وجهه، فلا يتجه لليمين أو لليسار، بل يكون أمام الناس، والظاهر ألا يلتفت الخطيب يمينًا ويسارًا، بل يقصد تلقاء وجهه ومن أراده التفت إليه. قوله: «يقصر الخطبة» أي: يجعلها قصيرة، وينبغي أيضًا في الخطبة أن «ويدعو للمسلمين» الرعية والرعاة؛ لأن في ذلك الوقت ساعة تُرْجَى الإجابة، والدعاء للمسلمين لا شك أنه خير.
وَالجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ جَهْرًا فِي الْأولَى بِالجُمُعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالمُنَافِقِينَ، وَتَحْرُمُ إِقَامَتُهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ فِي الْبَلَدِ إِلَّا لِحَاجَةٍ، فَإِنْ فَعَلُوا فَالصَّحِيحَةُ مَا بَاشرَهَا الْإِمَامُ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي إِذْنٍ أَوْ عَدَمِهِ، فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا، وَأَقَلّ السُّنَّةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتٌّ.
_________________________________ قوله: «والجمعة ركعتان» إجماعًا «يسن أن يقرأ جهرًا»؛فلو قرأ سرًّا لصحت الصلاة، لكن الأفضل الجهر، ويقرأ «في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين». قوله: «وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة»كما إذا ضاق المسجد عن أهله ولم يمكن توسيعه، أو إذا تباعدت أقطار البلد وصار الناس يشق عليهم الحضور. قوله: «فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام» أي: أعلى سلطة في الدولة أي ما صلى فيها، سواء كان هو الإمام، أو كان مأمومًا ولو تأخرت. قوله: «أو أذن فيها» أي: إن لم يباشرها، وهذه المسألة ليست مبنية على ما سبق في قول المؤلف:«لا يشترط لها إذن الإمام»؛ لأن إذن الإمام هناك لا يشترط في إقامة الجمعة الواحدة، أما في التعدد فلابد من إذن الإمام. قوله: «فإن استويا»أي الجمعتان «في إذن أو عدمه» بأن يكون الإمام قد أذن فيهما جميعًا، أو لم يأذن فيهما جميعًا «فالثانية باطلة». قوله: «وإن وقعتا معًا» بطلتا معًا، وكذا إن«جهلت الأولى بطلتا» أي: صلوا ولا يُدرى أيهم الذي تقدم بتكبيرة الإحرام. قوله: «وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست ولا سنة لها قبلها» أي: راتبة فيصلي ما شاء بغير قصد عدد.
_________________________________ قوله: «ويسن أن يغتسل لها في يومها» أي من طلوع الفجر، والصحيح أن الاغتسال واجب ([1]). قوله: «ويتنظف» أي: ويسن أن يتنظف «ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكر إليها» أي: إلى الجمعة «ماشيًا» ولكن لو كان منـزله بعيدًا، أو كان ضعيفًا أو مريضًا واحتاج إلى الركوب فكونه يرفق بنفسه أولى من أن يشق عليها. قوله: «ويدنو من الإمام» مستقبل القبلة «ويقرأ سورة الكهف في يومها ويكثر الدعاء»رجاء ساعة الإجابة «ويكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتخطى رقاب الناس»؛ لأنه مكروه «إلا أن يكون إمامًا» فإن كان إمامًا فلا بأس أن يتخطى، ولا بأس أن يتخطى «إلى فرجة» أي: مكان متسع في الصفوف المقدمة. قوله: «وحرم أن يقيم غيره»من المكان الذي جلس فيه «فيجلس مكانه إلا» شخصًا «قدم صاحبًا له في موضع يحفظه له» مثل: أن يقول لشخص ما: يا فلان أنا عندي شغل، ولا ينتهي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول، فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم وكيل له ونائب عنه([2]). قوله: «وحرم»أي صار حرامًا «رفع مصلى» أي ما يصلي عليه مثل السجادة«مفروش»أي بمكان، وصورة المسألة: رجل وضع سجادته في الصف، وخرج من المسجد، فجاء الناس لا يجوز أن ترفع هذا المصلى. وقوله: «ما لم تحضر الصلاة»أي: فإن حضرت الصلاة بإقامتها فلنا رفعه.
فإذا حجز الإنسان المكان، ثم «قام من موضعه لعارض لحقه»كاحتياجه للوضوء «ثم عاد إليه قريبًا فهو أحق به»فإن تأخر طويلًا فلغيره أن يجلس فيه. قوله: «ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس» أي: بمكانه «حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما» فإن جلس قام فأتى بهما ما لم يطل الفصل. قوله: «ولا يجوز والإمام يخطب إلا له»أي للإمام «أو لمن يكلمهلمصلحة» والمصلحة قيد للمسألتين جميعًا، فلا يجوز للإمام أو لمن يكلمه أن يتكلم كلامًا بلا مصلحة تتعلق بالصلاة أو بغيرها مما يحسن الكلام فيه؛ كاختلال صوت مكبر الصوت وهو يتكلم؛ وإذا كان لحاجة فيجوز من باب أولى، فمن الحاجة أن يخفى على المستمع معنى جملة في الخطبة فيسأل. قوله: «ويجوز»الكلام «قبل الخطبة وبعدها» ولو بعد حضور الخطيب، ولو بعد الأذان ما دام لم يشرع في الخطبة، ويجوز كذلك بعد انتهاء الخطبة، وسواء كان ذلك بعد انتهاء الخطبة الأولى أو بعد انتهاء الخطبة الثانية.
_________________________________
([1]) المذهب أنه سنة، كما في شرح منتهى الإرادات (1/320)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/407) قال: «وعنه: يجب على من تلزمه الجمعة، اختاره أبو بكر، وهو من المفردات، لكن لا يشترط لصحة الصلاة اتفاقًا، وأوجبه الشيخ تقي الدين على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، وهو من المفردات أيضًا».
([2]) قال في الروض المربع بحاشية أبي بطين (1/204): «وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه، قال في الشرح: لأن النائب يقوم باختياره، لكن إن جلس في مكان الإمام أو طريق المارة أو استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، قاله أبو المعالي، وكره إيثاره غيره بمكانه الفاضل لا قبوله، وليس لغير المؤثر سبقه».
وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، وَوَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى، وَآخِرُهُ الزَّوَالُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلّا بَعْدَهُ صَلَّوْا مِنَ الْغَدِ، وَتُسَنُّ فِي صَحْرَاءَ، وَتَقَدِيمُ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَعَكْسُهُ الْفِطْرُ، وَأَكْلُهُ قَبْلَهَا وَعَكْسُهُ فِي الْأَضْحَى إِنْ ضَحَّى، وَتُكْرَهُ فِي الجَامِعِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُسَنُّ تَبْكِيرُ مَأمُومٍ إِلَيْهَا مَاشِيًا بَعْدَ الصُّبْحِ، وَتَأَخُّرُ إِمَامٍ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلّا المُعْتَكِفَ فَفِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَمِنْ شَرْطِهَا اسْتِيطَانٌ، وَعَدَدُ الجُمُعَةِ، لَا إِذْنَ إِمَامٍ.
_________________________________
العيدان هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وصلاة العيد «فرض كفاية» إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، و«إذا تركها أهل بلد»وعلم الإمام أنهم تركوها ودعاهم إلى فعلها، ولكنهم أصروا على الترك«قاتلهم الإمام» حتى يُصَلوا([1])، والمقاتلة غير القتل، فهي أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله. قوله: «ووقتها كصلاة الضحى» ومعلوم أن صلاة الضحى تكون من ارتفاع الشمس قيد رمح،«وآخره الزوال» أي: زوال الشمس. قوله: «فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده»أي بعد الزوال «صلوا من الغد» قضاء في وقت صلاة العيد. قوله: «وتسن»إقامتها «في صحراء» خارج البلد، وينبغي أن تكون قريبة لئلا يشق على الناس، كما يسن «تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر» أي: تأخير صلاة الفطر. قوله: «وأكله»أي الإنسان «قبلها»أي قبل أن يخرج لصلاة عيد الفطر، «وعكسه في الأضحى إن ضحى» أي: يترك الأكل في الأضحى إن ضحى؛ فالأفضل في عيد الأضحى أن يتأخر حتى يضحي؛ فإن لم يكن لديه أضحية فإنه لا يشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة. قوله: «وتكره في الجامع»أي جامع البلد «بلا عذر» إلا بمكة؛ فإن صلوا في الجامع لعذر كمطر وريح شديدة وخوف فلا كراهة. قوله: «ويسن تبكير مأموم إليها»أي إلى صلاة العيد من بعد طلوع الشمس، إذا كان المسجد قريبًا، كما لو كانت البلدة صغيرة والصحراء قريبة([2])؛ ويأتيها«ماشيًا بعد الصبح» أي: بعد صلاة الصبح، فلا يخرج بعد الفجر، كما يسن «تأخر إمام إلى وقت الصلاة»، ويسن أن يخرج الإمام والمأموم «على أحسن هيئة» في لباسه وفي هيئته، كأن: يحف الشارب، ويقلم الأظفار، ويلبس أحسن ثيابه. قوله: «إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه» أي: يستحب أن يخرج المعتكف في ثياب اعتكافه، ولو كانت غير نظيفة؛ لأن هذه الثياب أثر عبادة. قوله: «ومن شرطها استيطان» أي: من شرط صلاة العيد([3]) أن تقام في جماعة مستوطنين، فخرج بذلك المسافرون والمقيمون؛ فلو فرضنا أن جماعة تبلغ مائتين في بلد غير إسلامي، وكانوا قد أقاموا للدراسة لا للاستيطان، وصادفهم العيد فإنهم لا يقيمون صلاة العيد؛ لأنهم ليسوا مستوطنين. قوله: «وعدد الجمعة» أي: ومن شرطها أيضًا عدد الجمعة، والقول الراجح في عدد الجمعة ثلاثة فهذا يبنى على ذاك ([4]). قوله: «لا إذن إمام» أي: لا يشترط إذن الإمام لصلاة العيد.
_________________________________
([1]) قال ابن قاسم النجدي في حاشيته على الروض المربع (2/ 494): كالأذان، فيقاتلون على تركها، وذلك مع استكمال شروطها فيهم، وقال عثمان: من الأصحاب من عبر هنا وفي باب الأذان بالاتفاق، وبعضهم بالترك، والظاهر أنه من قبيل الاحتباك، وهو أن يحذف من الجملتين ما يدل على الأخرى، فالتقدير: إذا حصل اتفاق وترك، قاتلهم الإمام، أما الاتفاق وحده، فهو عزم على الترك، لا ترك حقيقة، وكذا الترك بلا اتفاق، يكون جهلًا أو كسلًا أو تهاونًا، فلا يقاتلون عليه ابتداء، بل يؤمرون أولًا، فإن امتثلوا وإلا قوتلوا لاجتماع الأمرين إذًا، أعني الترك والاتفاق اهـ. وكره أن ينصرف من حضر مصلى العيد ويتركها، كتفويتها من غير عذر، ويحرم على القول بوجوبها عينًا وإن لم يتم العدد إلا به وجب.
([2]) قال أحمد: يكبر جهرًا إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى. من حاشية أبي بطين (1/207).
([3]) قال منصور: لعل المراد من شرط الصلاة التي يسقط بها فرض الكفاية؛ بدليل أن المنفرد تصح صلاته بعد صلاة الإمام وبعد الوقت، وقال ابن نصر الله: المراد شرط وجوب صلاة العيد لا شرط صحتها. من حاشية أبي بطين (1/207).
([4]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/326)، وسبق اختيار الشيخ في العدد المشترط للجمعة.
وَيُسَنُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ وَالِاسْتِفْتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ سِتًّا، وَفِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسًا، يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْرًا فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِـ(سَبِّح) وَبـ(الْغَاشِيَةِ) فِي الثَّانِيَةِ.
_________________________________ قوله: «ويسن»للمصلي إذا خرج من طريق «أن يرجع من طريق آخر». قوله: «ويصليها ركعتين قبل الخطبة» فلو قدم الخطبة لم يعتد بها، وكيفيتها أن «يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستًّا»،أي: يكبر تكبيرة الإحرام ثم يستفتح، ثم ست تكبيرات «الله أكبر»، ثم يستعيذ ويقرأ، فالاستفتاح إذًا مقدم على التكبير الزائد، ويكبر «في الثانية قبل القراءة خمسًا» ليست منها تكبيرة القيام، «يرفع يديه مع كل تكبيرة([1]) ويقول:» بين كل تكبيرة وأخرى«الله أكبر كبيرًا …». قوله: «ثم يقرأ جهرًا»،أي: الفاتحة وما بعدها من السور.
_________________________________
([1]) قال ابن قاسم النجدي (2/ 506): (2) نص عليه، وهو مذهب جمهور العلماء؛ أبي حنيفة والشافعي والأوزاعي وداود وابن المنذر وغيرهم، ورواية عن مالك، وروي عن عمر، وقياسًا على الصلاة قاله الشافعي وغيره، وروى الأثرم عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، في الجنازة وفي العيد، ولم يعرف له مخالف من الصحابة.
فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيِ الجُمُعَةِ، يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ. يَحُثّهُمْ فِي الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأَضْحَى فِي الْأُضْحِيَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا. وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهَا.
_________________________________ قوله: «فإذا سلم خطب»الإمام أو غيره كالجمعة «خطبتين كخطبتي الجمعة» وخطبتا العيد لا يجب الحضور إليهما، بل للإنسان أن ينصرف، ولكن إذا بقي يجب عليه أن لا يكلم أحدًا، وهذا ما يشير إليه قول المؤلف:«كخطبتي الجمعة». قوله: «يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع»قائمًا نسقًا «يحثهم» أي: يحث الخطيب الناس«على الصدقة» أي: صدقة الفطر «ويبين لهم ما يخرجون»ويبين لهم الحكم، فيبين لهم النوعية من أنها تخرج من الطعام، ويبين لهم الكمية: صاع بالصاع النبوي. قوله: «ويرغبهم» أي: يحثهم على الأضحية، ويبين لهم فضلها وأجرها وثوابها «ويبين لهم حكمها» أي: أنها سنة مؤكدة على المذهب، وكذلك يبين لهم ما يضحي به وهو ثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم؛ فإن ضحى بظبي أو بفرس لم يجزئه، ويبين لهم أيضًا مقدار السن مما يضحَّى به. قوله: «والتكبيرات الزوائد» الزوائد أي: عن الواجبة في الصلاة، «والذكر بينها»وقد سبق.
_________________________________ قوله: «والخطبتان»أي خطبتي العيد «سنة»ومن نظر في السنة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي e لم يخطب إلا خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهن([1]). قوله: «ويكره التنفل»أي بالصلاة «قبل الصلاة وبعدها في موضعها»،أما في بيته فلا كراهة، والصواب أن الصلاة غير مكروهة في مصلى العيد لا قبل الصلاة ولا بعدها([2]). قوله: «ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها»أي: يكبر في الأولى ستّا بعد تكبيرة الإحرام والثانية خمسًا كما يصلي الإمام. قوله: «ويسنّ» لجميع الناس رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا، في البيوت والأسواق والمساجد وفي كل وقت صباحًا ومساءً، عند الصلاة أو قبلها أو بعدها؛ فيسن لهم «التكبير المطلق»وهو الذي لا يتقيد بشيء، وذلك «في ليلتي العيدين»والتكبير في عيد «فطر آكد» من التكبير في عيد الأضحى، والتكبير في ليلتي العيدين من غروب الشمس إلى أن ينتهي الإمام من خطبته على مذهب الحنابلة، ويُسَن التكبير المطلق كذلك «في كل عشر ذي الحجة» وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة، إلى آخر اليوم التاسع، وسُمِّيت عشرًا، وهي تسع من باب التغليب.
أما التكبير «المقيد»وهو الذي يتقيد بأدبار الصلاة؛ فهو «عقب كل فريضة في جماعة» فلو صلاها منفردًا فلا يسن له التكبير المقيد، ولو صلى نافلة لم يشرع له التكبير المقيد، وكذا النساء في بيوتهن ليس لهن تكبير مقيد؛ لأنهن غالبًا لا يصلين جماعة.
وابتداء التكبير «من صلاة الفجر يوم عرفة -وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر- إلىعصر آخر أيام التشريق»فيكبر في ثلاث وعشرين صلاة.
وعلى ذلك فالتكبير المطلق في عيد الفطر وفي عيد الأضحى في عشر ذي الحجة إلى أن ينتهي الإمام من خطبته، ويجتمع المقيد والمطلق من فجر يوم عرفة إلى صلاة العيد يوم النحر، والمقيد: من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق([3]). قوله: «وإن نسيه»أي نسي التكبير المقيد بعد الصلاة «قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد» أو يطول الفصل. قوله: «ولا يسن»التكبير المقيد «عقب صلاة عيد»فلو صلى العيد فلا يكبر؛ لأنه إذا سلم الإمام من صلاة العيد قام إلى الخطبة وتفرغ الناس للاستماع والإنصات، ولا يكبرون. قوله: «وصفته»أي التكبير «شفعًا : الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر،الله أكبر، ولله الحمد» أي: الله أكبر مرتين، والثانية مرتين، وتختم الأولى بالإخلاص، والثانية بالحمد.
_________________________________
([1]) المذهب أنهما خطبتان، كما في شرح منتهى الإرادات (1/327)
([2]) المذهب الكراهة، كما في شرح منتهى الإرادات (1/327)، وقال في الإنصاف (2/432): «وقيل: يصلي تحية المسجد، واختاره أبو الفرج، وجزم به في الغنية، قال في الفروع: وهو أظهر، ورجحه في النكت، ونصه: لا يصليها، وقال: تجوز التحية قبل صلاة العيد لا بعدها، وهو احتمال لابن الجوزي، قال في تجريد العناية: الأظهر عندي: يأتي بتحية المسجد قبلها».
([3]) قال في حاشية أبي بطين (1/211) عن التكبير: «ولا تأتي به المرأة إذا صلت في جماعة ولا تجهر به مطلقًا».
_________________________________ الكسوف والخسوف بمعنى واحد، يقال: كسفت الشمس وخسفت، وكسف القمر وخسف، وقال بعضهم: الكسوف للشمس والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف، أما إذا انفردت لكل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد.
والكسوف: انحجاب ضوء أحد النيرين؛ أي: الشمس أو القمر بسبب غير معتاد. قوله: «تسن جماعة وفرادى» أي ليست فرض عين ولا فرض كفاية، ولو تركها الناس لم يأثموا، والقول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب([1]).
والجماعة ليست شرطًا لها، بل يسن للناس في البيوت أن يصلوها. وقوله: «إذا كسف أحد النيرين» ووقتها من ابتدائه إلى التجلي؛ فيصلي «ركعتين يقرأ في الأولى جهرًا» سواء في الليل أو في النهار «بعد الفاتحة سورة طويلة» من غير تعيين «ثم يركع طويلًا»من غير تقدير، المهم أن يكون طويلًا، «ثم يرفع» رأسه من الركوع «ويُسَمِّع» أي: يقول: سمع الله لمن حمده، «ويحمد» أي: يقول: ربنا ولك الحمد بعد أن يعتدل كسائر الصلوات، «ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع» فيطيل، وهو دون الأول،«ثم يرفع» أي: يسمع ويحمد ولا يطيل، «ثم يسجد سجدتين طويلتين» أي: بقدر الركوع ولا يطيل الجلوس بينهما، «ثم يصلي الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل» أي: من القراءة والركوع والقيام بعده والسجود، «ثم يتشهد ويسلم» أي: كغيرها من الصلوات.
وظاهر كلامه: أنه لا يشرع لها خطبة؛ لأنه لم يذكرها([2])، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والصحيح أنها يسن لها خطبة واحدة. قوله: «فإن تجلى الكسوف» أي: كسوف الشمس أو القمر «أتمَّهَا خفيفة» حتى لو كانت خفة الركعة الثانية بالنسبة للأولى بعيدة جدًّا، وإذا لم يعلم بالكسوف إلا بعد زواله فلا يقضي. قوله: «وإن غابت الشمس كاسفة» فإنه لا يصلي، والصحيح في المسألة أنه يصلي بعد العصر؛ أي: لو كسفت الشمس بعد العصر فإننا نصلي([3]).
وإذا كسفت في آخر النهار، فلا يصلي الكسوف، بناء على أنها سنة، وأن ذوات الأسباب لا تفعل في وقت النهي، وهذا هو المذهب. قوله: «أو طلعت والقمر خاسف» بأن يكون القمر في الغرب نصف الشهر، والشمس في الشرق، فربما يكسف بعدما تطلع الشمس، وهذا شيء وقع؛ فإذا وقع لا يصلي؛ لأنه ذهب سلطانه؛ فإن سلطان القمر الليل، كما لو غابت الشمس وهي كاسفة، والصحيح أنها تُصَلَّى إذا لم يمنع ضوء القمر إلا الكسوف، أما إن كان النهار قد انتشر ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس، فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به، سواء كان كاسفًا أو مبدرًا([4]). قوله: «أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل» إذا وجدت آية تخويف؛ كالصواعق، والرياح الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والحمم، وغير ذلك، فإنه لا يصلي صلاة الكسوف إلا الزلزلة، فإنه إذا زلزلت الأرض فإنهم يصلون صلاة الكسوف حتى تتوقف.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لو وجدت صواعق عظيمة متتابعة فإن الناس لا شك سيخافون، وفي هذا الحال يفزعون إلى ربهم عز وجل بالصلاة، وهو اختيار له قوة عظيمة([5]). قوله: «وإن أتى» المصلي«في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز»؛ لأنه ورد، وما بعد الركوع الأول سنة وليس ركنًا، وبناء على ذلك لو صلاها كما تصلى صلاة النافلة في كل ركعة ركوع فلا بأس.
ولا تدرك الركعة بالركوع الثاني، وإنما تدرك بالركوع الأول، فلو دخل مسبوق مع الإمام بعد أن رفع رأسه من الركوع الأول فإن هذه الركعة تعتبر قد فاتته فيقضيها.
_________________________________
([1]) المذهب الاستحباب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/331).
([2]) وكذا في شرح منتهى الإرادات (1/331-332).
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/332)، قال في الإنصاف (2/446): «وإن تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم يصل بلا خلاف أعلمه».
([4]) قال في الإنصاف (2/446): «إذا طلع الفجر، والقمر خاسف لم يمنع من الصلاة إذا قلنا: إنها تفعل في وقت نهي، اختاره المجد».
([5]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/333)، قال في الإنصاف (2/449) بعدما ذكر المذهب: «وعنه: يصلى لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين أن هذا قول محققي أصحابنا وغيرهم، كما دلت عليه السنن والآثار».
إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، وَقَحَطَ المَطَرُ، صَلَّوْهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَأَحْكَامُهَا كَعِيدٍ، وَإِذَا أَرَادَ الْإمَامُ الخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمعَاصِي، والخُرُوجِ مِنَ المَظَالِم وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ، وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ وَيَتَنَظَّفُ وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا، وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ، والصِّبْيَانُ المُمَيَّزُونَ، وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ لَا بِيَوَمٍ لَمْ يُمْنَعُوا.
_________________________________ الاستسقاء: هو استسقاء الرب عز وجل لا استسقاء المخلوق، وسبب صلاة الاستسقاء «إذا أجدبت الأرض» أي: خلت من النبات«وقحط المطر» أي: امتنع، ولم ينـزل؛ فإنهم يُصَلّونَهَا «جماعة وفرادى» والأفضل أن تكون جماعة. قوله: «وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد»فَتُسَنُّ في الصحراء([1])، ويكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستًّا، وفي الثانية خمسًا، ويقرأ بسبح والغاشية، ولكنها تخالف العيد في أنها سنة، والعيد فرض كفاية. قوله: «وإذا أراد الإمام الخروج لها» أي لصلاة الاستسقاء «وعظ الناس» الموعظة هي: التذكير المقرون بترغيب أو تخويف؛ فيرغبهم في فعل الواجبات، ويحذرهم من انتهاك الحرمات. قوله: «وأمرهم بالتوبة من المعاصي» التوبة: الرجوع إلى الله - عز وجل - من معصيته إلى طاعته، ويأمرهم كذلك بـ«الخروج من المظالم وترك التشاحن» فيما بينهم وهي: الشحناء والعداوة، والبغضاء، ويأمرهم «بالصيام والصدقة» المستحبة، «ويعدهم يومًا يخرجون فيه» أي: يقول: سنخرج في اليوم الفلاني، ويحسن أيضًا أن يعين الزمن من هذا اليوم؛ ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم. قوله: «ويتنظف» بإزالة ما ينبغي إزالته شرعًا؛ كالأظفار والعانة والإبط، وما ينبغي إزالته طبعًا؛ كالعرق والروائح الكريهة «ولا يتطيب». قوله: «ويخرج متواضعًا»أي بقوله وهيئته وقلبه «متخشعًا» بسكون الأطراف، وأن يكون على وقار وهيبة، «متذللًا»من الذل وهو الهوان، بمعنى: أن يضع من نفسه، وهو قريب من التواضع لكنه أشد، «متضرعًا» التضرع يعني الاستكانة، أو شدة الإنابة إلى الله عز وجل. قوله: «ومعه أهل الدين والصلاح» من باب عطف المترادفين؛ لأن كل صاحب دين فهو صاحب صلاح، ومعه أيضًا «الشيوخ» أي: الكبار الذين أمضوا أعمارهم في الدين والصلاح؛ لأنهم أقرب إلى الإجابة، ومعه «الصبيان المميزون»؛ لأنه لا ذنوب لهم. قوله: «وإن خرج أهل الذمة» طالبين الاستسقاء بأنفسهم «منفردين عن المسلمين لا بيوم»أي منفردين بالمكان لا باليوم«لم يمنعوا».
_________________________________
([1]) أي: فتسن صلاة الاستسقاء قبل الخطبة في الصحراء القريبة عرفًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في الصحراء، بلا نزاع، ولأبي داود عن عائشة: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر فوُضِعَ له في المصلّى، ولأن الناس يكثرون، فكان المصلى أرفق بهم، ولأنه أبلغ في الافتقار والتواضع. من حاشية ابن قاسم النجدي (2/541).
فَيْصَلِّي بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُوَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّe، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا... إِلَى آخِرِهِ. وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللهَ، وَسَأَلُوهُ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُنَادَى لهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَإِخْرَاجُ رَحْلِهِ وَثِيَابِهِ لِيُصِيبَهُمَا المَطَرُ، وَإِذَا زَادَتِ الْمِيَاهُ وَخِيفَ مِنْهَا سُنَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا لَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} الآيَة.
_________________________________ قوله: «فيصلي بهم»أي الإمام «ثم يخطب واحدة» بعد الصلاة كالعيد، ولكن العيد يَخْطب له خطبتين. قوله: «يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار» أي طلب المغفرة «وقراءة الآيات التي فيها الأمر به»؛ أي: مثل قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: ١٠] «ويرفع» الإمام -وكذلك المستمعون يرفعون أيديهم-«يديه فيدعو بدعاء النبي r». قوله:«ومنه: اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا»اللهم اسقنا: بهمزة الوصل من سقا يسقي، وبهمزة القطع من أسقى يسقي، وكلاهما صحيح، والغيث: المطر، ومغيثًا؛أي: مزيلًا للشدة. قوله: «إلى آخره» يعني آخر الدعاء، وهو «هنيئًا مريئًا غدقًا مجللًا عامًّا سحًّا طبقًا دائمًا، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين». قوله: «وإن سقوا»أي سقى الله الناس بأن أنزل عليهم المطر «قبل خروجهم شكروا الله» ولا حاجة للخروج. قوله: «وسألوه المزيد من فضله» أي: سألوا الله أن يزيدهم من فضله. قوله: «وينادى»لصلاة الاستسقاء إذا حان وقتها:«الصلاة جامعة»الصلاة جامعة، وهذا خلاف السنة فيكون بدعة، وإلحاق ذلك بصلاة الكسوف غير صحيح أيضًا؛ لأن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهُّبٍ بغتة، والناس يتأَهَّبُون لها -لصلاة الاستسقاء-([1])، والمذهب: أنه ينادى للكسوف والعيد والاستسقاء. قوله: «وليس من شرطها»أي من شرط إقامتها «إذن الإمام» بذلك، بل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض خرج الناس وصلوا، ولو صلى كل بلد وحده لم يخرجوا عن السنة. قوله: «ويسن أن يقف» قائمًا «في أول المطر» أي أول ما ينـزل المطر، ويُسَنّ كذلك «إخراج رحله» أي متاعه من بيته أو خيمته «وثيابه ليصيبهما المطر». قوله: «وإذا زادت المياه»أي الأمطار «وخيف منها سن أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا»، ومثل ذلك لو زادت مياه الأنهار على وجه يُخشى منه، فإنه يُسَنُّ أن يقول هذا الذكر: اللهم حوالينا ولا علينا. قوله: «اللهم على الظراب» هي الأماكن المرتفعة من الأرض، لكن ليس ارتفاعًا شاهقًا «والآكام»الجبال الصغيرة،«وبطون الأودية»؛أي: داخل الأودية، أي: الشعاب، «ومنابت الشجر» هذا عام يعم كل أرض تكون منبتًا للشجر. قوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق([2]).
_________________________________
([1]) المذهب أنه ينادى لها، كما في شرح منتهى الإرادات (1/132)، وقال في الإنصاف (2/459) بعد ذكر المذهب: «وقيل: لا ينادى لها».
([2]) تتمة: إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده... إلخ، ولا يتبع بصره البرق لأنه منهي عنه، وإذا رأى سحبًا أو هبت ريح سأل الله من خيره وتعوَّذ من شره، ولا سأل سائل ولا تعوذ متعوذ بمثل المعوذتين، ولا يسب الريح إذا عصفت، ويقول إذا انْقَضَّ كوكب: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإذا سمع نهيق حمار أو نبح كلب استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديكة سأل الله من فضله، وورد في الأثر أن قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق، وقال ابن حامد في أصوله: هو من آيات الله تعالى، قال: ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن والوباء وإن غلبت خضرته كان الرخاء والسرور هذيان، والله أعلم. من حاشية أبي بطين (1/219-220).
_________________________________ قوله: «تسن عيادة المريض» ولم يقل زيارة؛ لأن الزيارة للصحيح، والعيادة للمريض([1])، ويسن كذلك «تذكيره التوبة» من المعاصي والمظالم «والوصية». قوله: «وإذا نزل به» الملك لقبض روحه؛ أي ملك الموت([2])«سُن تعاهد بلِّ حلقه بماء أو شراب» كالعصير، ولكن ليس بالماء الكثير، وذلك من أجل أن يسهل عليه النطق بالشهادة، وكذلك «يندي شفتيه بقطنة»؛ لأن الشفة يابسة، والحلق يابس يحتاج إلى تندية، ويُسَنُّ«تلقينه: لا إله إلا الله مرة» أي: تعليمه إياها، كما يلقن التلميذ؛ فإن كان المريض قويًّا يتحمل، أو كان كافرًا فإنه يؤمر؛ فيقال: قل: لا إله إلا الله، وإن كان مسلمًا ضعيفًا فإنه لا يؤمر، وإنما يذكر الله عنده حتى يسمع فيتذكر. قوله: «ولم يزد على ثلاث» أي: لم يلقنه أكثر من ثلاث«إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق»،نظرًا لوجود الفاصل،«ويقرأ عنده»أي يقرأ القارئ عند المحتضر{يس} جهرًا؛ ولكن إذا كان يخشى على المريض من الانزعاج فلا يرفع صوته بها، وكذا يسن أن «يوجهه إلى القبلة» أي: من حضر الميت يجعل وجهه نحو القبلة. قوله: «فإذا مات» أي: إذا تحققنا موته«سن تغميضه وشد لحييه» أي: ربطهما، واللحيان: هما العظمان اللذان هما منبت الأسنان، فليشدهما بحبل أو بخيط، ويسن كذلك «تليين مفاصله» أي: أن يحاول تليينها، والمراد مفاصل اليدين والرجلين، وذلك بأن يرد الذراع إلى العضد، ثم العضد إلى الجنب، ثم يردهما، وكذلك مفاصل الرجلين: بأن يرد الساق إلى الفخذ، ثم الفخذ إلى البطن، ثم يردهما قبل أن يبرد. قوله: «وخلع ثيابه» برفق «وستره بثوب» يكون شاملًا للبدن كله «ووضع حديدة»أو نحوها من الأشياء الثقيلة([3])«على بطنه،ووضعه على سرير غسله» أي: أن يبادر في رفعه عن الأرض؛ لئلا تأتيه الهوام؛ ويضعه بحيث يكون «متوجِّهًا» إلى القبلة «منحدرًا نحو رجليه» أي: يكون رأسه أعلى من رجليه. وقوله: «وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة» فإن مات فجأة فإنه لا يسن الإسراع بتجهيزه لاحتمال أن تكون غشية لا موتًا، وهذا الذي ذكره العلماء قبل أن يتقدم الطب، أما الآن فإنه يمكن أن يحكم عليه أنه مات بسرعة؛ لأن لديهم وسائل قوية تدل على موت المريض. قوله: «وإنفاذ وصيته» أي: وإسراع إنفاذ وصيته، أما إنفاذ وصيته فهو واجب، لكن إسراع الإنفاذ مستحَب. قوله: «ويجب الإسراع في قضاء دينه» أي دين الميت، سواء كان هذا الدين لله كالزكاة والكفارة والنذر، أو للآدمي كالقرض وثمن المبيع والأجرة؛ فيجب الإسراع بها بحسب الإمكان، فتأخيرها حرام.
وليعلم أن التداوي مباح على المذهب،ولكن ترك التداوي أفضل ([4]).
_________________________________
([1]) قال في حاشية أبي بطين (1/221): «قال الشيخ: الذي يقتضيه وجوب عيادة المريض؛ فيقال: هو واجب على الكفاية»، وقال في الإنصاف (2/462): «نص الإمام أحمد أن المبتدع لا يعاد، وقال في النوادر: تحْرم عيادته، وعنه لا يعاد الداعية فقط، واعتبر الشيخ تقي الدين المصلحة في ذلك».
([2]) وأيس من حياته، وظهر عليه علامات الموت، وخروج الروح، والروح هنا في النفس الناطقة المستعدة للبيان وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد. من حاشية ابن قاسم النجدي (3/ 16).
([3]) كمرآة وسيف وسكين ونحوها، كقطع طين على بطنه، فوق ثوبه المسجَّى به، وهو مستلق على ظهره، وقال ابن عقيل وغيره: هذا لا يتصور إلا وهو على ظهره، فيجعل تحت رأسه شيء عال، ليحصل مستقبلًا بوجهه القبلة، وقدموا الحديد؛ لأنه أبلغ في دفع النفخ. من حاشية ابن قاسم النجدي (3/ 22).
([4]) يكره ترك الميت ليلًا يبيت وحده، قاله الآجرِّي. من حاشية أبي بطين (1/223).
غُسْلُ الَميِّتِ وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاُة عَليْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِهِ وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَباتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ، وَأنْثَى وَصِيَّتُهَا، ثُمَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْ نِسَائِهَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ، وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ سُرِّيَّتِهِ، وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ غَسْلُ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ فَقَطْ، وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوْ عَكْسُهُ، يُمِّمَتْ كَخُنْثَى مُشْكِلٍ، وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْسِلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا أَوْ يَدْفِنَهُ، بَلْ يُوَارَى لِعَدَمٍ.
_________________________________ «غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية»فإن احتاج ذلك إلى مال فيؤخذ أولًا من تركة الميت، ثم على من تلزمه نفقته، فإن لم يمكن فعلى عموم المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
ولو تنازع الناس فيمن يغسل الميت فإن «أولى الناس بغسله وصيه» أي: الذي أوصى أن يغسله، وعلم منه أنه يجوز للميت أن يوصي ألا يغسله إلا فلان. قوله: «ثم أبوه ثم جده»أي من قبل الأب «ثم الأقرب فالأقرب من عصابته» أي الأبناء وإن نزلوا، فالإخوة وإن نزلوا، فالأعمام وإن نزلوا، ثم الولاء. هنا قدَّمُوا ولاية الأصول على الفروع، وفي باب الميراث قدموا الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح قدموا الأصول على الفروع. قوله: «ثم ذوو أرحامه» أي: أصحاب الرحم وهم: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة. قوله: «وأنثى وصيتها» أي الأولى بغسل الأنثى، كما قلنا فيما سبق بالنسبة للرجل. قوله: «ثم القربى فالقربى من نسائها» وعلى هذا، فالأولى بتغسيل المرأة إذا ماتت: وصيتها، ثم أمها وإن علت، ثم ابنتها وإن نزلت، ثم أختها من أب أو أم أو الشقيقة، ثم عماتها فخالاتها إلى آخره. قوله: «ولكل من الزوجين غسل صاحبه» أي تغسيله([1])«وكذا سيد مع سُرِّيَّتِهِ» أي أمته، ولو لم تكن سُريته، فلو قدر أنها مملوكة، لكن لم يتسرها أي: لم يجامعها، ثم مات فلها أن تغسله، وله أن يغسلها. قوله: «ولرجل وامرأة غسل من له سبع سنين فقط» أي: من ذكر أو أنثى. قوله: «وإن مات رجل»له سبع سنين فأكثر «بين نسوة»ليس فيهن زوجة له أو أمة؛ فإنهن لا يغسلنه، «أو عكسه» أي: ماتت امرأة بين رجال فإنهم لا يغسلونها؛ إلا أن يكون أحد الرجال سيدًا أو زوجًا([2]). قوله: «يمِّمت كخنثى مشكل» أفادنا المؤلف بقوله «يُمِّمَت» أنه متى تعذر غسل الميت كالصورتين السابقتين أو لعدم الماء أو لكونه محترقًا، فإنه يُيَمَّم، وييمم بأن يضرب رجل أو امرأة التراب بيديه ويمسح بهما وجه الميت وكفيه. قوله: «ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا أو يدفنه، بل يوارى»أي يُغَطّى بالتراب، سواء حفرنا له حفرة ورمسناه بها رمسًا، أو ألقيناه على ظهر الأرض وردمنا عليه ترابًا؛ لكن الأول أحسن، وكذا يمكن أن يوارى بقعر بئر أو نحوها. وقوله: «لعدم» أي: لعدم من يواريه، فإن وجد من يقوم بهذا من أقاربه وُكِلَ الأمر إليهم.
_________________________________
([1]) فإن طلق الرجل زوجته فماتت في العدة، وكان الطلاق بائنًا فهي كالأجنبية؛ لأنها محرمة عليه، وإن كانت رجعية، وقلنا: إن الرجعية مباحة له فله غسلها، وإلا فلا. انظر: الكافي (1/248)، ط. المكتب الإسلامي.
([2]) لكن إذا ماتت المرأة مع رجال فيهم صبي لا شهوة له علموه الغسل وباشر، نص عليه، وكذلك الرجل يموت مع النسوة فيهن صغيرة تطيق الغسل. من حاشية أبي بطين (1/225).
وَإِذَا أَخَذَ فِي غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَجَرَّدَهُ، وَسَتَرَهُ عَنِ الْعُيُونِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مُعِينٍ فِي غُسْلِهِ حُضُورُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ صَبَّ المَاءِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجِّيهِ، وَلَا يَحِلّ مَسُّ عَوْرَةِ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ.
_________________________________ كيفية تغسيل الميت: قوله: «وإذا أخذ في غسله» أي في تغسيله«ستر عورته» وجوبًا، وهي بالنسبة للرجل والمرأة ما بين السرَّة والركبة. قوله: «وجرده» أي: جرده من ثيابه فيستر عورته أولًا، ويلف عليها لفافة، ثم يجرده من ثيابه.
ويستحب «ستره عن العيون» أي: ينبغي أن يغسله في مكان لا يراه الناس، إما في حجرة أو في خيمة، وما أشبه ذلك. قوله: «ويُكره لغير معين في غسله حضوره»أي: يكره أن يحضره شخص إلا من اجتمع إليه لمعونته، ولو كان أباه أو ابنه؛ لأنه لا حاجة إليه. قوله: «ثم» بعد أن يجرده ويستر عورته «يرفع رأسه إلى قرب جلوسه» أي: رفعًا بينًا «ويعصر بطنه برفق» لأجل أن يخرج منه ما كان متهيّئًا للخروج«ويكثر صب الماءحينئذ» أي: حين يعصر البطن لأجل إزالة ما يخرج من بطنه حينئذ، «ثم يلف على يده خرقة» إذا كان هناك قفازًا، كما هو متوفر الآن، فإنه يلبس قفازين«فينجيه» فيغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته، ولكنه لم يستنج منه فينجيه بها. قوله: «ولايحل مس عورة من له سبع سنين» أي: يجب أن يضع هذه الخرقة إذا كان الميت له سبع سنين فأكثر، فأما إذا كان دون ذلك فله أن ينجيه مباشرة؛ لأن ما دون سبع سنين عند الفقهاء ليس لعورته حكم، بل عورته مثل يده، ولهذا يجوز النظر إليها، ولا يحرم مسها.
وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَمَسَّ سَائِرَهُ إِلَّا بِخِرْقَةٍ، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ نَدْبًا، وَلَا يُدْخِلُ المَاءَ فيِ فِيهِ، وَلَا فيِ أَنْفِهِ، وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفيِ مِنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَلَا يُدْخِلُهُمَا المَاءَ. ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ وَيُسَمِّي، وَيَغْسِلُ بِرَغْوَةِ السِّدْرِ رَأسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَطْ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأيْمَنَ، ثُمَّ الْأيْسَرَ،ثُمَّ كُلّهُ ثَلَاثًا، يُمِرُّ فيِ كُلّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُنَقِّ بِثَلَاثٍ زِيدَ حَتَّى يُنَقَّى، وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ.
_________________________________ قوله: «ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة» هذه غير الخرقة الأولى، فالأولى واجبة إذا كان له سبع سنين فأكثر؛ وهذه خرقة ثانية جديدة غير الأولى يضعها على يده؛ لأجل أن يكون ذلك أنقى للميت. قوله: «ثم يوضئه ندبًا» كوضوئه للصلاة، «ولا يدخل الماء في فيه»بدلًا عن المضمضة «ولا في أنفه» بدلًا عن الاستنشاق. قوله: «ويدخل إصبعيه» أي: ملفوفًا عليهما خرقة، وهي الخرقة التي كان يمس بشرته بها، فيدخل إصبعيه «مبلولتين بالماء بين شفتيه»في فمه «فيمسح أسنانه»، ويكون ذلك برفق، وكذلك يدخلهما «في منخريهفينظفهما» برفق أيضًا وهذا يقوم مقام المضمضة والاستنشاق. قوله: «ولا يدخلهما الماء»؛ لأنه لو أدخل فمه الماء نزل إلى بطنه فيحرك ما كان ساكنًا. قوله: «ثم ينوي غسله» ثم للترتيب «ويسمي» أي: يقول بسم الله، ولابد أن يعد الغاسل سدرًا يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة؛ فإنه«يغسل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط»وأما التفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد. قوله: «ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم كله ثلاثًا، يمر في كل مرة يده على بطنه» من أجل أن يخرج ما كان متهيئًا للخروج، وعلى هذا فإنه يعصر بطنه أربع مرات، المرة الأولى التي قبل الاستنجاء عندما يرفع رأسه إلى قرب الجلوس، وثلاث مرات عند غسله. قوله: «فإن لم ينق» الغاسلُ الميتَ «بثلاث زيد حتى ينقى ولو جاوز السبع» أي: زاد عليها، وتعداها.
وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأخِيرَةِ كَافُورًا، وَالمَاءُ الحَارُّ وَالْأُشْنَانُ وَالخِلَالُ يُسْتَعْمَلُ إِذَا احْتِيجَ إِلِيْهِ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، وَلَا يُسَرِّحُ شَعَرَهُ، ثُمَّ يُنَشِّفُ بِثَوْبٍ، وَيُضَفِّرُ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيَسْدِلُ وَرَاءَهَا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ سَبْعٍ حُشِيَ بِقُطْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِطِينٍ حُرٍّ، ثُمَّ يُغْسَلُ الْمحَلُّ وَيُوَضَّأُ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ تَكْفِينِهِ لَمْ يُعِدِ الْغُسْلَ.
_________________________________ «ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا» والكافور: طيب معروف أبيض يشبه الشب يُدَقّ، ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة([1]).
والأفضل أن نغسل الميت بماء بارد، وإذا احتجنا إلى «الماء الحار»فإننا نستعمله،ولكن ليس الحار الشديد الحرارة الذي يؤثر على الجلد برخاوة بالغة، وكذا لو احتجنا «الأشنان»،وسبق بيانه في باب إزالة النجاسة، ومثله الصابون، ولكن ليس مع ليفة، وكذا لو احتجنا «الخلال» لتنظيف أسنانه فإنه «يستعمل». قوله: «ثم ينشف بثوب»أي: بعد أن يغسل يستحب أن ينشف؛ لأنه إذا بقي رطبًا عند التكفين أثّر ذلك في الكفن. قوله: «ويضفر شعرها ثلاثة قرون» أي: يجعل شعر المرأة ضفائر ثلاثًا«ويسدل وراءها». قوله: «وإن خرج منه»أي من الميت«شيء» من بول أو غائط أو دم أو نحوه «بعد سبع حشي بقطن» أي سد بالقطن من أجل أن يتوقف. قوله: «فإن لم يستمسك فبطين حر» أي: ليس مخلوطًا بالرمل؛ أي: بطين قوي؛ لأنه يسد الخارج. قوله: «ثم يغسل المحل» أي: الذي أصابه ما خرج، ثم «يوضأ». قوله: «وإن خرج» شيء «بعد تكفينه لم يعد الغسل»؛ لأن في ذلك مشقة.
_________________________________
([1]) بأن يضعه في الماء، بحيث لا يتغير الماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا» متفق عليه، وهو قول العلماء كافة، وحكي عن أبي حنيفة خلاف في استحبابه، والحديث حجة عليه، وفي حديث أم سليم: «فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلي ماء فيه شيء من كافور، وشيء من سدر، ثم أفرغيه عليها، وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها». من حاشية ابن قاسم النجدي (3/ 45).
وَمُحْرِمٌ مَيِّتٌ كَحَيٍّ يُغْسَلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُقَرَّبُ طِيبًا، وَلَا يُلْبَسُ ذَكَرٌ مَخِيطًا، وَلَا يُغَطّى رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُ أنْثَى، وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٌ ظُلْمًا، إِلّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا، وَيُدْفَنُ فيِ ثِيَابِهِ بَعْدَ نَزْعِ السِّلَاحِ وَالجُلُودِ عَنْهُ، وَإِنْ سُلِبَهَا كُفِّنَ بِغَيْرِهَا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ بِهِ أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفًا غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَالسِّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّي عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ، وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا.
_________________________________ قوله: «ومحرم ميت كحي» أي: في أحكامه؛ فإنه «يغسل بماءٍ وسدر» ولا يقرّب طيبًا للخبر، «ولا يلبس ذكرٌ مخيطًا» كقميص أو سراويل أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي، «ولا يغطى رأسه» بل يبقى مكشوفًا، «ولا» يغطى «وجهأنثى» لو ماتت محرمة، ومحل اجتناب هذه الأشياء قبل التحلل الأول؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يحرم عليه إلا النساء فقط، وعلى هذا يُصْنَع به كما يصنع بالمتحلل تحللًا أولًا. قوله: «ولا يغسل»أي يكره غسل «شهيد» المعركة الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكذا «مقتول ظلمًا»؛ لأن المقتول ظلمًا شهيد، «إلا أن يكون جنبًا» أي الشهيد والمقتول ظلمًا، «ويدفن» الشهيد «في ثيابه» التي قتل فيها «بعد نزع السلاح والجلود عنه» إذا كان معه جلود مثل: سير ربط به إزاره أو رداءه أو معه سلاح قد حمله. قوله: «وإن سُلبها»أي الثياب بأن يأخذها منه العدو «كفن بغيرها» وجوبًا؛ لأنه لابد من التكفين للميت([1]). قوله: «ولا يصلى عليه» أي: لا يصلي عليه أحد من الناس لا الإمام ولا غير الإمام. قوله: «وإن سقط» المقاتل «من دابته» غُسِّلَ وصُلِّي عليه؛ بشرط أن يكون بغير فعل العدو، فإن سقط عن دابته بفعل العدو، فالعدو قتله ويكون شهيدًا لا يغسل كما سبق.
وكذا يغسل ويكفن ويصلى عليه إن «وجد ميتًا ولا أثر به» من جراحة ولا خنق ولا ضرب، أما لو وجد به أثر فإنه يحكم بالظاهر، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا يكون شهيدًا.
وكذا إن «حُمل»من أرض المعركة «فأكل» ثم مات فإنه يغسل ويكفن ويُصَلّى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثرًا بجراحة؛ ومثل الأكل والشرب والنوم والبول والتكلم.
وكذا لو «طال بقاؤه عُرفًا» أي: ليس مقدرًا بزمان شرعًا؛ بل إذا طال بقاؤه، وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. قوله: «والسِّقط» أي الحمل إذا سقط من بطن أمه «إذا بلغ أربعة أشهر» من بدء الحمل؛ أي إذا تم له أربعة أشهر، وليس المعنى إذا دخل الشهر الرابع«غسل وصليَ عليه» أي: وكفن ودفن. قوله: «ومن تعذر غسله» لعدم الماء أو لتمزق أو احتراق جسد الميت«يمم» وكيفية التيميم: أن يضرب الحي يديه على الأرض ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه. قوله: «وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنًا» أي: على غاسل الميت ستر ما رآه من الميت إن لم يكن حسنًا من الناحية الجسدية أو المعنوية؛ كإظلام وجهه؛ فإن كان وجهه مسفرًا أو كان متبسمًا فهذا لا يستره.
_________________________________
([1]) الشهيد غير شهيد المعركة بضعة عشر: المطعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، وذات الجنب، والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله أو دمه أو أهله أو دينه أو مظلمته، وفريس سبع، ومن خر من دابته، ومن أغربها: موت الغريب، وأغرب منه: العاشق إذا عف وكتم، زاد في الإقناع: صاحب اللقوة، والسل، والصابر في الطاعون، والمتردي من رءوس الجبال، ومن مات في سبيل الله، ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط، وأمناء الله في أرضه. انظر: الإقناع مع شرحه كشاف القناع (2/101).
_________________________________ قوله: «يجب تكفينه» الكفن: ما يُكَفّن به الميت من ثياب أو غيرها، وحكمه فرض كفاية. قوله: «في ماله» أي: في مال الميت «مقدمًا على دين»والدين: هو كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع أو أجرة بيت أو دكان أو قرض أو صداق أو عوض خلع. قوله: «وغيره» أي: كالوصية والإرث. قوله: «إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته» أي: لو ماتت امرأة، ولم نجد وراءها شيئًا تكفن منه، وزوجها موسر، فإنه لا يلزمه أن يكفنها، والراجح أنه يلزمه إذا كان موسرًا([1]). قوله: «ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض» الاستحباب هنا ليس منصبًّا على أصل التكفين؛ لأن أصل التكفين فرض كفاية، لكنه منصب على كون الكفن ثلاث لفائف، وكونها بيضًا. قوله: «تجمر» أي: تبخّر «ثم تبسط بعضها فوق بعض» أي: تمد الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم الثالثة «ويجعل الحنوط فيما بينها»الحنوط: أخلاط من الطيب تُصْنَع للأموات، «ثم يوضع عليها» أي على اللفائف «مستلقيًا،ويجعل منه»أي من الحنوط ما بين الأكفان الثلاثة، ويجعل من الحنوط أيضًا «في قطن بين أليتيه»حتى إذا خرج شيء من دُبُرِهِ يبعد الحنوط رائحته الكريهة. قوله: «ويشد فوقها»أي فوق الحنوط الذي يوضع في القطن«خرقة مشقوقة الطرف كالتبان»والتبان هو: السروال القصير الذي ليس له أكمام؛ وذلك بحيث «تجمع» الخرقة المشقوقة «أليتيه ومثانته». قوله: «ويجعل الباقي»من الحنوط «على منافذ وجهه» وهي العينان والمنخران والشفتان، وعلى «مواضع سجوده، وإن طيب»الميت «كله فحسن». قوله: «ثم يرد طرف اللفافة العليا» وهي التي تلي الميت «على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه ثم الثانية والثالثة كذلك»أي ثم نرد طرفها من الجانب الأيسر على اللفافة التي جاءت من قبل اليمين نفعل بالأولى هكذا، ثم نفعل بالثانية، كذلك ثم بالثالثة كذلك.
وإنما قال المؤلف هذا؛ لئلا يظن الظان أننا نرد طرف اللفائف الثلاث مرة واحدة، بمعنى أن نجمع الثلاث ونردها على الجانب الأيمن، ثم نرد الثلاث على الجانب الأيسر، فأولًا أكمل رد اللفافة الأولى، فترد الطرف الذي يلي يمين الميت، ثم الطرف الذي يلي يساره، ثم الثانية، ثم الثالثة على نفس الطريقة.
وإذا كان الكفن طويلًا «يجعل أكثر الفاضل على رأسه» أي: يرده على الرأس، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضًا أثبت للكفن. قوله: «ثم يعقدها» أي: يعقد اللفائف، «وتحل في القبر» ولو فرض أنه نُسي أن تحل، ثم ذكروا عن قرب، فإن الميت ينبش من أجل أن تحل هذه العقد. قوله: «وإن كُفِّنَ في قميص ومئزر ولفافة جاز» والقميص: هو الذي نلبسه، أي: الدرع ذو أكمام، والمئزر: ما يؤتزر به ويكون في أسفل البدن، واللفافة: عامة؛ أي: إذا كفن في هذه فلا بأس. قوله: «وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين»الإزار: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن، والخمار: ما يُغَطّى به الرأس، والقميص: الدرع ذو الأكمام واللفافتان: يعمان جميع الجسد. قوله: «والواجب» في الكفن «ثوب»واحد «يستر جميعه» أي جميع الميت، وهذا يدل على أنه لابد أن يكون هذا الثوب صفيقًا بحيث لا تُرَى من ورائه البشرة، فإن رُئِيَت من ورائه البشرة فإنه لا يكفي.
_________________________________
([1]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/353)، وقال في الإنصاف (2/510): «وقيل: يلزمه، وحكي رواية»؛ فكأن الشيخ توسط بين القولين بإلزامه الموسر فقط.
السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الَإِمَامُ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَعِنْدَ وَسَطِهَا، وَيُكَبِّرَ أَرْبَعًا، يَقْرَأُ فيِ الْأُولَى بَعْدَ التَّعَوُّذِ الْفَاتِحَةَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيِ الثَّانِيَةِ كَالتَّشَهُّدِ، وَيَدَعُو فيِ الثَّالِثَة، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالَماءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الَجنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَفْسِحْ لَهُ فيِ قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.
_________________________________
الصلاة على الميت فرض كفاية، وتسقط بمكلف، أي: لو صلى عليه مكلف واحد ذكرٌ أو أنثى فإن الفرض يسقط.
وكيفيتها: «أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسطها»([1])،والصحيح أنه يقف عند رأس الرجل لا عند صدره([2]). قوله: «ويكبر أربعًا»وكلها أركان؛ لأنها بمنزلة الركعات؛ فكل تكبيرة عن ركعة، و«يقرأ في» التكبيرة «الأولى بعد التعوذ الفاتحة» وعلم من كلامه: أنه لا استفتاح فيها، والفاتحة في صلاة الجنازة ركن. قوله: «ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في»التكبيرة «الثانية كالتشهد»،وإن اقتصر على قول: «اللهم صلّ على محمد» كفى، كما يكفي ذلك في التشهد. قوله: «ويدعو في»التكبيرة «الثالثة» بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخص الميت بالدعاء. قوله: «لحينا وميتنا» أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك. قوله: «إنك تعلم منقلبنا ومثوانا» أي: دعوناك بهذا الدعاء؛ لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا، أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا أي: ما نصير إليه. قوله: «اللهم اغفر له وارحمه»أي: بحصول المطلوب؛ وهذا الدعاء الخاص، وبدأ بالدعاء العام؛ لأنه أشمل، أما الخاص فهو خاص بالميت، «وعافه واعف عنه» أي: عافه مما قد يصيبه من السوء؛ كعذاب القبر مثلًا، وتجاوز عنه ما فرط فيه من الواجب في حال حياته، «وأكْرِمْ نُزُلَهُ»وهو الإكرام الذي يقدم للضيف، «وأوسع مدخله» أي القبر،«واغسله بالماء والثلج والبرد»والمراد بالغسل هنا: غسل آثار الذنوب، «ونقه من الذنوب والخطايا» أي الصغائر والكبائر «كما يُنَقّى الثّوْبُ الأبيض من الدنس» أي: نَقّه نقاء كاملًا، كما يُنَقّى الثوب الأبيض من الدنس،«وأبدله دارًا خيرًا من داره»الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، وهناك دار ثالثة وهي دار الآخرة، وأبدله كذلك «زوجًا خيرًا من زوجه([3])، وأدخله الجنة، وأَعِذْهُ من عذاب القبر»، وإدخال الجنة لا يغني عن سؤالِ أَنْ يُعِيذَهُ الله من عذاب القبر وعذاب النار؛ فإن الإنسان قد يدخل الجنة بعد أن يعذب في القبر. وقوله: «اللهم اغفر له» إن كان الميت مفردًا مذكرًا، وإن كان اثنين تقول: اللهم اغفر لهما، وإن كانوا جماعة تقول: اللهم اغفر لهم، وإن كن جماعة إناث: اللهم اغفر لهن، وإن كانوا من الذكور والإناث، فيغلب جانب الذكورية، فتقول اللهم اغفر لهم. قوله: «وأفسح له في قبره» أي: وسِّعْ له؛ لأن الفسحة السعة، «ونوِّرْ له فيه» أي: اجعل له فيه نورًا.
_________________________________
([1]) والخنثى بين ذلك؛ أي بين الصدر والوسط، لاستواء الاحتمالين فيه، والسنة وضع رأسه مما يلي يمين الإمام، كما هو المعروف. انظر: الروض المربع وحاشية ابن قاسم النجدي (3/80).
([2]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/359)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/516).
([3]) ينبغي ألا يقال لمن لا زوجة له، كما يفهم من كلام ابن نصر الله، قال في الإقناع: ولا يقول أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها في ظاهر كلامهم. انظر: الإقناع مع شرحه كشاف القناع (2/115)، حاشية أبي بطين (1/234).