// إلى كل سائرٍ إلى الله تعالى والدار الآخرة //

أروى آل قشلان

|تواصي بالحق والصبر|
// إلى كل سائرٍ إلى الله تعالى والدار الآخرة //

السائرُ إلى الله تعالى والدار الآخرة - بل كل سارٍ إلى مقصد - لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين:​
قوة علمية وقوة عملية ​
فبالقوة العلمية يبصرُ منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها ،​
ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل​
فقوته العلمية كنور عظيم بيده، يمشي به في ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله،​
من الوهاد والمتالف ويعثُر به من الأحجار والشوك وغيره،​
ويبصر بذلك النور أيضا أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها، فلا يضل عنها ​
فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق، ومعاطبها ​
وبالقوة العملية يسير حقيقةً، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير هو عمل المسافر.​
وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها، فقد حصل له شطر السعادة والفلاح​
وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة ​
فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهانت عليه مشقة السفر ​
وكلما سكنتْ نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل، وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحا وهمة. ​
فهو يقول يا نفس أبشري فقد قرب المنزل ودنا التلاقي فلا تنقطعي في الطريق دون الوصل فيحال بينكِ وبين منازل الأحبة ​
فإن صبرتِ وواصلتِ المسرى، وصلتِ حميدةً مسرورةً جذلة وتلقتكِ الأحبة بأنواع التحف والكرامات، ​
وليس بينكِ وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة وعمركِ درجة من درجِ تلك الساعة ،​
فالله الله لا تنقطعي في المفازة، فهو - والله -الهلاك والعطب لو كنتِ تعلمين.​
فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها وما لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء​
فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها ​
وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب ولا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت، ​
وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها ​
وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها ​
ولا يوحشه انفراده في طريق سفره ولا يغتر بكثرة المنقطعين ​
فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم، فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم،​
وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام ​
وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم،​
فيا قرة عينه إذ ذاك ويا فرحته إذ يقول: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين،​
ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها ،​
فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا قرب من الدار ،وتلطفت تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والأدران،
فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم، فتبدلت وحشته أنسًا ، وكثافته لطافة، ودرنه طهارة .
​
......

​
> من "طريق الهجرتين"
لابن القيم - رحمه الله -
​
"قاعدة في القوتان العلمية والعملية وفائدتهما"​
طبعة دار الفضيلة ​
تحقيق: عايد بن مسفر العقيلي <​
 
التعديل الأخير:
جزاك الله خيرا أختي أوبــة ، موضوع قيم ..
بورك فيك ، ونفع بك ...
​
 
عودة
أعلى