وَيَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِإِلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ عُذْرِهِ، وَمَنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيمَ فَرْضٌ سُنَّ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَّا المَغْرِبَ، وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ جَمَاعَةٍ، فِي غَيرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ.
_________________________________ قوله: «ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب» الإمام الراتب؛ أي: المولى من قبل المسئولين، أو مولى من قبل أهل الحي جيران المسجد؛ فإنه أحق الناس بإمامته. قوله: «إلا بإذنه» أي: إذا وكله توكيلًا خاصًّا كأن يقول: يا فلان صل بالناس، أو توكيلًا عامًّا كأن يقول للجماعة: إذا تأخرت عن موعد الإقامة المعتاد كذا وكذا فصلوا. قوله: «أو عذره» كأن يعلم أن الإمام الراتب أصابه مرض.
ولو أن أهل المسجد قدموا شخصًا يصلي بهم بدون إذن الإمام ولا عذره وصلى بهم، فإن الصلاة لا تصح، على ما في المنتهى. قوله: «ومن صلى» سواء في جماعة أو في غير جماعة، ثم حضر مسجدًا أو مصلى وأُقِيمَتِ الصلاة «سن أن يعيدها([1]) إلا المغرب» أي: فلا تسن إعادتها، والقول الصحيح في هذه المسألة أنه يعيد المغرب أيضًا ([2]). قوله: «ولا تكره إعادة جماعة» صورتها: أن يصلي الإمام الراتب في الجماعة، ثم تأتي جماعة أخرى فتصلي في نفس المسجد؛ فلا تُكْرَه. قوله: «في غير مسجدي مكة والمدينة» أي: في غير المسجد الحرام ومسجد النبي r فتكره إعادة الجماعة فيهما.
_________________________________
([1]) أي الفرض ثانيًا مع الجماعة الثانية، سواء كان وقت نهي أو لا، حيث كان الشروع في الإقامة وهو في المسجد على ما تقدم -ولا يجب، وقيل يجب مع إمام الحي؛ لظاهر الخبر، والأولى فرضه، والمعادة نفل لقوله: «فإنها لكما نافلة»- وغيره، قال شيخ الإسلام، على الصحيح، انظر: حاشية ابن قاسم النجدي (2/270).
([2]) المذهب أنه لا يعيدها، كما في كشاف القناع (1/458)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/218) .
وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الَمكْتُوبَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ أَتَمَّهَا إِلَّا أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الجَمَاعَةِ فَيَقْطَعُهَا، وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ لَحِقَ الجَمَاعَةَ، وَإِنْ لَحِقَهُ رَاكِعًا دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ وَأَجْزَأَتْهُ التَّحْرِيمَةُ، وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى مَأمُومٍ، وَتُسْتَحَبُّ فِي إِسْرَارِ إِمَامِهِ وَسُكُوتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ لَا لِطَرَشٍ. وَيَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ إِمَامُهُ.
_________________________________ قوله: «وإذا أقيمت الصلاة» والمراد بالإقامة ابتداء الإقامة التي هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة. وقوله: «فلا صلاة إلاالمكتوبة» لا فرق بين أن تُقَامَ الصلاة وأنت في المسجد أو في بيتك، فلو سمعت الإقامة وأنت في بيتك، وقلت: سأصلي سنة الفجر؛ لأن الفجر تطول فيها القراءة وبيتي قريب من المسجد، ويمكنني أن أدرك الركعة الأولى، فإن ذلك لا يجوز. قوله: «فإن كان في نافلة» أي: حين أقيمت الصلاة أتمها، ولكن يتمها خفيفة. قوله: «إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها» وتفوت الجماعة بالتسليم قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام. قوله: «ومن كبر قبل سلام إمامه لحق بالجماعة»أي: إذا كبر المأموم قبل سلام إمامه التسليمة الأولى، فإنه يدرك الجماعة إدراكًا تامًّا، «وإن لحقه»أي: لحق المأموم الإمام «راكعًا» دخل معه في الركعة، ويكون قد أدرك الركعة. قوله: «وأجزأته التحريمة» أي: تكبيرة الإحرام أجزأته عن تكبيرة الركوع، فيكبر مرة واحدة وهو قائم، ثم يركع بدون تكبير. قوله: «ولا قراءة على مأموم» أي: لا يجب على المأموم أن يقرأ مع الإمام لا في صلاة السر، ولا في صلاة الجهر، والقول الراجح في هذه المسألة أن المأموم يجب عليه قراءة الفاتحة([1]). قوله: «وتستحب في إسرار إمامه وسكوته» أي: يستحب لمأموم قراءة الفاتحة وغيرها في إسرار إمامه وهذا في الصلاة السرية، وسكوته وهذا في الصلاة الجهرية.
والسكتات هي: قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وبينها وبين قراءة السورة في الركعة الأولى والثانية، وقبل الركوع قليلًا في الركعة الأولى والثانية، فإذا سكت الإمام في هذه المواضع فإنه يقرأ استحبابًا لا وجوبًا، وإذا سكت لعارض، مثل: أن يصاب بسعال أو عطاس، يقرأ؛ لأن الإمام لا يقرأ. قوله: «وإذا لم يسمعه» أي: ويستحب أن يقرأ إذا لم يسمع الإمام لبعد «لا لطرش» أي صمم، أي: لا إن كان لا يسمع لصمم. قوله: «ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه» أي: أن المأموم يقرأ الاستفتاح، ويقرأ التعوذ فيما يجهر فيه الإمام ما لم يسمع قراءة الإمام، فإذا سمع قراءة إمامه فإنه يسكت لا يستفتح ولا يستعيذ.
_________________________________
([1]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/263)، وما ذكره الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/228).
_________________________________ قوله: «ومن»أي: مأموم«ركع، أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع» أي: يرجع من ركوعه إن كان راكعًا أو سجوده إن كان ساجدًا«ليأتي به بعده»([1])،والمذهب أن هذا العمل محرَّم، لكن لا تبطل الصلاة إن عاد، والقول الصحيح في المسألة أنه إذا ركع أو سجد قبل إمامه عامدًا بطلت صلاته، سواء رجع فأتى به بعد الإمام أو لا؛ لأنه فعل محظورًا في الصلاة ([2]). قوله: «فإن لم يفعل عمدًا بطلت» أي: لو ركع أو سجد قبل الإمام، ولم يرجع حتى لحقه الإمام فإن صلاته تبطل، وإن لم يفعل سهوًا أو جهلًا فصلاته صحيحة. قوله: «وإن ركع ورفع قبل إمامه»أي: قبل ركوع إمامه«عالمًا عمدًا بطلت» صلاته؛ لأنه سبق الإمام بركن الركوع، وإن ركع ورفع قبل إمامه «جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة» التي حصل فيها هذا السبق «فقط» فيلزمه قضاؤها بعد سلام الإمام. قوله: «وإن ركع ورفع قبل ركوعه»أي ركوع إمامه«ثم سجد قبل رفعه بطلت»صلاته«إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضاء». سبق المأموم إمامه:
خلاصة الكلام في سبق المأموم إمامه أنه في جميع أقسامه حرام، أما من حيث بطلان الصلاة به فهو أقسام: أن يكبِّرَ للإحرام قبل إمامه أو معه فلا تنعقد صلاة المأموم حينئذ، فيلزمه أن يكبر بعد تكبيرة إمامه، أو أن يكون السبق إلى ركن فيلزمه أن يرجع ليأتي بذلك بعد إمامه، فإن لم يفعل عالما ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، أو أن يكون السبق بركن الركوع، فإن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط، أو أن يكون السبق بركن غير الركوع فيلزمه أن يرجع ليأتي بذلك بعد إمامه، فإن لم يفعل عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، أو أن يكون السبق بركنين، فإن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته فقط. تخلف المأموم عن إمامه:
إن تخلف لعذر من نوم أو غفلة أو زحام أو نحوه، فإنه يأتي بما تخلف به ويتابع الإمام، ولا حرج عليه، حتى وإن كان ركنًا كاملًا أو ركنين، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به ويبقى مع الإمام، وتصح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه؛ الركعة التي تخلف فيها والركعة التي وصل إليها الإمام، وهو في مكانه.
فإن كان التخلف لغير عذر، فإذا كان تخلفًا في الركن بأن يتأخر عن المتابعة لكن يدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: أن يركع الإمام وقد بقي عليك آية أو آيتان من السورة وبقيت قائمًا تُكْمِلُ ما بقي عليك، لكنه ركع وأدرك الإمام في الركوع فالركعة هنا صحيحة، لكن الفعل مخالف للسنة.
وإن كان التخلف بالركن بأن يسبقه الإمام بركن، كأن يركع ويرفع قبل أن يركع المأموم، فكالسبق. موافقة المأموم إمامه:
فإن كانت الموافقة في الأقوال فلا تضر؛ إلا في تكبيرة الإحرام، فإن الصلاة لا تنعقد إذا وافق، وإلا في السلام فإنه يكره الموافقة.
وإن كانت الموافقة في الأفعال فمكروهة، كما لو قال الإمام: «الله أكبر» للركوع وشرع في الهوى، فهوى المأموم والإمام سواء، فهذا مكروه. متابعة المأموم إمامه:
وهي السنة، ومعناها أن يشرع الإنسان في أفعال الصلاة فور شروع إمامه، لكن بدون موافقة.
_________________________________
([1]) أي بما سبق به الإمام، وذلك بشرط ألا يدركه إمامه في الركعة؛ فإن لحقه إمامه فيها بطلت كما يأتي، قال في حاشية المنتهى: «فإن لم يتمكن من العود قبل إتيان الإمام به فظاهر كلامه أنه يتابعه ويعتد بما فعله، فلا يعيده، كمن لم يرجع سهوًا»، انظر: حاشية أبي بطين (1/161).
([2]) المذهب هو ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/264)، وما ذكره المصنف رواية، كما في الإنصاف (2/234).
وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ التَّخْفِيفُ مَعَ الْإِتْمَامِ، وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ،وَيُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ مَا لَمَ يَشُّقُ عَلَى مَأْمُومٍ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ المَرْأَةُ إِلَى المَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا، وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا.
_________________________________ قوله: «يسن للإمام التخفيف» أي: أن يخفف للناس «مع الإتمام» وهو موافقة السنة، وليس المراد بالإتمام أن يقتصر على أدنى الواجب، بل موافقة السنة هو الإتمام، إلا أن يؤثر المأموم التطويل([1]).
ويسن أيضًا «تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية» إلا أن العلماء استثنوا مسألتين: إذا كان الفرق يسيرًا، مثل «سبح»، و«الغاشية» في يوم الجمعة وفي يوم العيد، فإن «الغاشية» أطول، لكن الطول يسير. المسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف؛ فالإمام في الركعة الثانية يكون وقوفه أطول من وقوفه في الركعة الأولى، لكن هكذا جاءت به السنة من أجل مراعاة الطائفة الثانية. قوله: «ويستحب»للإمام«انتظار داخل»معه في الصلاة؛ بشرط ألا «يشق على مأموم»، فإن شق على المأموم الذي معه كره له لذلك. قوله: «وإذا استأذنت المرأة»أي طلبت المرأة البالغة الإذن من ولي أمرها وهو زوجها إن كان لها زوج، وإلا فأبوها، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها؛ فإن استأذنت «إلى المسجد»لحضور صلاة الجماعة «كره منعها». وقوله: «بيتها خير لها» أي من المسجد.
_________________________________
([1]) قال في المبدع (2/54): «ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة»، قال في حاشية أبي بطين (1/162): «في قول المبدع هنا نظر ظاهر، والصواب قول الشيخ تقي الدين أنه ليس له أن يزيد على الوارد، وأنه ينبغي أن يقول غالبًا ما كان صلى الله عليه وسلم يفعل غالبًا، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد وينقص أحيانًا».
الْأَوْلَى بِالإِمَامَةِ: الْأَقْرَأُ العَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْأَسَنُّ، ثُمَّ الْأَشْرَفُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، ثُمَّ الْأَتْقَى، ثُمَّ مَنْ قَرَعَ، وَسَاكِنُ الْبَيْتِ، وَإِمَامُ المسْجِدِ أَحَقُّ، إِلَّا مِنْ ذِي سُلْطَانٍ، وَحُرٌّ، وَحَاضِرٌ، وَمُقِيمٌ، وَبَصِيرٌ، وَمَخْتُونٌ، وَمَنْ لَهُ ثِيَابٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ.
_________________________________ قوله: «الأولى بالإمامة الأقرأ»أي الأجود قراءة، وهو الذي تكون قراءته تامة بأن يُخْرِج الحروف من مخارجها، ويأتي بها على أكمل وجه. وقوله: «العالم فقه صلاته» بحيث لو طرأ عليه عارض في صلاته من سهو أو غيره تمكن من تطبيقه على الأحكام الشرعية.
فإذا اجتمع قارئان متساويان في القراءة لكن أحدهما أفقه، فإنه يقدم «الأفقه ثم الأسن» أي: الأكبر سنًّا، «ثم الأشرف» نسبًا، فالقرشي مُقَدَّم على غيره من قبائل العرب، والهاشمي مقدم على القرشي الذي ليس من بني هاشم«ثم الأقدم هجرة»([1]) الأقدم هجرة بعد الأشرف، فيكون في المرتبة الخامسة، والصحيح إسقاط هذه المرتبة يعني الأشْرَفِية، وأنه لا تأثير لها في باب إمامة الصلاة([2]). قوله: «ثم الأتقى» أي: الأشد تقوى لله عز وجل «ثم من قرع» أي: إذا استوى في هذه المراتب كلها رجلان، فإننا في هذه الحال نستعمل القرعة. قوله: «وساكن البيت»أحق من الضيف«وإمام المسجد أحق» أحق من غيره، حتى وإن وجد من هو أقرأ. قوله: «إلا من ذي سلطان» أي: أن ذا سلطان مقدم على إمام المسجد، والسلطان هو الإمام الأعظم. قوله: «حر وحاضر، ومقيم» الحر أولى من العبد الرقيق الذي يباع ويُشْتَرَى، والذي يسكن الحاضرة أولى من البدوي. قوله: «وبصير» أولى من الأعمى،«ومختون» أولى من الأقلف، «ومن له ثياب» سترها أكمل أولى ممن عليه ثياب يستر بها قدر الواجب.
_________________________________
([1]) قال ابن قائد في حاشية المنتهى (1/297): «أن يهاجر إلينا اثنان من دار الحرب مسلمين فأسبقهما هجرة إلينا أولى».
([2]) المذهب أنها تعتبر، كما في شرح منتهى الإرادات (1/270)، قال في الإنصاف (2/246): «ولم يقدم الشيخ تقي الدين بالنسب، ذَكَره عن أحمد».
وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ كَكَافِرٍ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا صَبِيٍّ لِبَالِغٍ، وَلَا أَخْرَسَ،وَلَا عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ إِلَّا إِمَامَ الحَيِّ المَرْجُوَّ زَوَالَ عِلَّتِهِ، وَيُصَلّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا نَدْبًا، فَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا وُجُوبًا، وَتَصِحُّ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ بِمِثْلِهِ.
_________________________________ قوله: «ولا تصح خلف فاسق» سواء من جهة الأفعال أو الاعتقاد، ولو كان إمامًا لا تمكن مقاومته؛ كمن له سلطان على المذهب، لكنهم يستثنون من هذا: الجمعة والعيد إذا تعذرتا خلف غيره، ولو لم يكن في البلد إلا مسجد إمامُهُ فاسق في غير الجمعة والعيد يصلي منفردًا على المذهب.
والقول الراجح صحة الصلاة خلف الفاسق، فالرجل إذا صلى خلف شخص حالق لحيته أو شارب الدخان أو آكل الربا أو زان أو سارق، فصلاته صحيحة([1]). قوله: «ككافر» أي: كما لا تصح خلف الكافر. «ولا امرأة» ولا «خنثى للرجال» والخنثى هو : الذي لا يُعْلَم أَذَكَرٌ هو أم أنثى، وتصح أن تكون المرأة إمامًا للمرأة والخنثى يصح أن يكون إمامًا للمرأة؛ لأنه إما مثلها أو أعلى منها. قوله: «ولا صبي لبالغ» أي: لا تصح إمامة من صبي لبالغ، أما إمامة الصبي للصبي فجائزة، «ولا أخرس» حتى بمثله، والراجح أن إمامة الأخرس تصح بمثله وبمن ليس بأخرس ([2]). قوله: «ولا عاجز عن ركوع أو سجود» أي: ولا تصح إمامة عاجز عن ركوع -كمريض بظهره- للقادر على الركوع، وأما العاجز عن الركوع فإنه يصح أن يكون مثله إمامًا له، وكذلك عاجز عن «قعود أو قيام»إلا لمثله. قوله: «إلا إمام الحي» أي: الإمام الراتب في المسجد، وهو مستثنى من الصورة الأخيرة وهو قوله: «أو قيام»، والحي هي الدور والحارات، فإذا كان لهذا المسجد إمام راتب عاجز عن القيام، فإنه يكون إمامًا لأهل الحي القادرين على القيام، لكن بشرط أن يكون «مرجو زوال علته» بأن يكون عجزه عن القيام طارئًا. قوله: «ويصلون» الضمير يعود على أهل الحي؛ فإنه يصلون «وراءه» أي: وراء إمام الحي «جلوسًا ندبًا» أي: أن هذا الحكم ندب وليس بواجب، فلو صلوا وراءه قيامًا فصلاتهم صحيحة، والقول الصحيح أن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا فصلاتهم باطلة([3]). قوله: «فإن ابتدأ» الإمام «بهم» أي بالجماعة «ثم اعتل»أي أصابته علة «فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا». وقوله: «وتصح خلف من به سلس البول بمثله»، والقول الصحيح أن صلاة من به سلس البول صحيحة بمثله وبصحيح سليم([4]).
وسلس البول، أي: استمراره وعدم انقطاعه ولا يستطيع منعه.
_________________________________
([1]) المذهب أنها لا تصح كما في شرح منتهى الإرادات (1/272)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/253).
([2]) المذهب أنها لا تصح، كما في شرح منتهى الإرادات (1/273)، وقال في الإنصاف (2/259): «دخل في قوله (ولا أخرس) عدم صحة إمامته بمثله وبغيره، أما إمامته بغيره فلا تصح قولًا واحدًا عند الجمهور، وقيل: تصح إمامة من طرأ عليه الخرس دون الأصلي... وأما إمامته بمثله فالصحيح من المذهب أن إمامته لا تصح... وقال القاضي في الأحكام السلطانية والمصنف في الكافي: يصح أن يؤم مثله».
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/274)، وما صححه الشيخ وجه، كما في الإنصاف (2/261).
([4]) المذهب أنها تصح بمثله فقط، كما في كشاف القناع (1/476)، وما صححه الشيخ قول، كما في الإنصاف (2/260).
_________________________________ قوله:«ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك …»أي أن الإمام المحدث إن جهل هو والمأمومون أنه محدث حتى انتهت الصلاة فصلاتهم صحيحة، وهو يعيد صلاته؛ فإن علم أنه محدث في أثناء الصلاة فإن صلاته وصلاة المأمومين تبطل، والمراد أنه تبين عدم انعقادها؛ فإن علم واحد من المأمومين والإمام والباقون لم يعلموا بطلت صلاتهم جميعًا أيضًا، والصحيح أن صلاة المأمومين صحيحة بكل حال، إلا من علم أن الإمام محدث([1]).
وإذا صلى الإمام بنجاسة وهو يجهلها هو والمأموم ولم يعلم بها حتى انتهت الصلاة، فإن صلاة المأمومين صحيحة، وأما الإمام فلا تصح صلاته، فيجب أن يغسل النجاسة التي في ثوبه أو على بدنه، ثم يعيد الصلاة، فإن علم في أثناء الصلاة، فيجب عليه أن يعيد الصلاة هو والمأمومون([2]). قوله: «ولا إمامة الأمي»الأمي: نسبة إلى الأم، والإنسان إذا خرج من أمه فهو لا يعلم شيئًا، وفي الاصطلاح: «من لا يحسن الفاتحة» يعني: لا يقرؤها لا حفظًا ولا تلاوة، ولو كان يقرأ كل القرآن إلا الفاتحة فهو أمِّيٌّ. قوله: «أو يدغم فيها»أي في الفاتحة«ما لا يدغم» فإذا أدغمت حرفًا بما لا يقاربه ولا يماثله فهو غلط؛ كمن يقول: «الحمد للرب العالمين» أدغم الهاء بالراء. قوله: «أو يبدل حرفًا» أي: يبدل حرفًا بحرف وهو الألثغ، مثل: أن يبدل الراء باللام، ويستثنى من هذه المسألة إبدال الضاد ظاء فإنه معْفُوٌّ عنه، وذلك لخفاء الفرق بينهما. قوله: «أو يلحن فيها»أي في الفاتحة «لحنًا يحيل المعنى» واللحن: تغيير الحركات، سواء كان تغييرًا صرفيًّا أو نحويًّا، فإن كان يغير المعنى فإن المغير أمي -كمن يقول: )أهدنا الصراط المستقيم( بفتح الهمزة فهذا يحيل المعنى؛ لأن «أهدنا» من الإهداء- وإن كان لا يغيره فليس بأمي –كمن يقول: «إياك نستعين» بفتح النون الثانية فهذا لا يحيل المعنى- وليس معنى ذلك جواز قراءة الفاتحة ملحونة، فإنه لا يجوز أن يلحن ولو كان لا يحيل المعنى، لكن المراد صحة الإمامة. قوله: «إلا بمثله» أي: إذا صلى أمي لا يعرف الفاتحة بأمي مثله فصلاته صحيحة؛ لمساواته له في النقص. قوله: «وإن قدر»الأمي «على إصلاحه»أي إصلاح اللحن الذي يحيل المعنى، ولم يصلحه «لم تصح صلاته» وإن لم يقدر فصلاته صحيحة، دون إمامته إلا بمثله.
_________________________________
([1]) المذهب ما ذكره المصنف، وما صححه الشيخ اختيار القاضي وغيره، انظر: الإنصاف (2/268).
([2]) قال في الروض المربع: «وإن علم معه واحد أعاد الكل»، قال أبو بطين (1/168): «واختار القاضي والشيخ –يعني الموفق- يعيد العالم، وكذا نقله أبو طالب، وإن علمه اثنان وأنكر هو أعاد الكل، واحتج بخبر ذي اليدين».
وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ وَالْفَأْفَاءِوَالتَّمْتَامِ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ، وَأَنْ يَؤُمَّ أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ.وَتَصِحُّ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا وَالجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دِينُهُمَا، وَمَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا، وَعَكْسُهُ، وَلَا مَنْ يُصَلِّي الظّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ أَوْ غَيْرِهَا.
_________________________________ قوله: «وتكره إمامة اللحان» أي كثير اللحن، والمراد في غير الفاتحة، فإن كان في الفاتحة وأحال المعنى صار أمِّيًّا لا تصح إمامته على المذهب، وكذلك حكم «الفأفاء» وهو الذي يكرر الفاء إذا نطق بها، وكذلك «التمتام» وهو من يكرر التاء، وكل من يكرر الحروف تكره إمامته من أجل زيادة الحرف، ولكن لو أم الناس فإمامته صحيحة. قوله: «ومن لا يفصح ببعض الحروف» أي: يخفيها بعض الشيء، وليس المراد أنه يسقطها؛ لأنه إذا أسقطها فإن صلاته لا تصح إذا كان في الفاتحة لنقصانها، أما إذا كان يذكرها، ولكن بدون إفصاح فإن إمامته مكروهة، أما من يقرأ بغير تجويد فلا تكره إمامته، بل ولا قراءته مطلقًا.
ويكره «أن يؤم أجنبية»أي ليست من محارمه «فأكثر»إذا كان «لا رجل معهن»، والصحيح أن ذلك لا يكره، وأنه إذا أمَّ امرأتين فأكثر فالخلوة قد زالت، ولا يكره ذلك إلا إذا خاف الفتنة، فإنه حرام ([1]).
وكذا يكره أن يؤم «قومًا أكثرهم يكرهه بحق» ولو كان الجميع يكرهه لكانت الكراهة من باب أولى، ولو كان الأقل يكرهه فإن ذلك لا يضر، ولو كرهه أكثرهم بغير حق، مثل: لو كرهوه؛ لأنه يحرص على اتباع السنة في الصلاة فإن إمامته فيهم لا تكره([2]). قوله: «وتصح إمامة ولد الزنا»ولد الزنا خلق من ماء سفاح لا نكاح، فلا ينسب لأحد إلا للزاني، ولا لزوج المرأة إن كانت ذات زوج؛ لأنه ليس له أب شرعي، ولكن له أب قدري.
وكذا تصح إمامة «من يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه». قوله: «لا مفترض بمتنفل» أي: لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل، والقول الراجح أن الفريضة تصح خلف النافلة([3]).
وكذا لا يصح ائتمام «من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما»، والقول الثاني أنه يصح أن يأتم من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن يصلي الظهر ولا بأس بهذا([4]).
_________________________________
([1]) المذهب أنه يكره، كما في شرح منتهى الإرادات (1/277).
([2]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذهب، فلا ينبغي أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف» انظر: الفروع (2/11).
([3]) المذهب أنها لا تصح، كما في شرح منتهى الإرادات(1/278)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/276).
([4]) المذهب القول الأول، كما في شرح منتهى الإرادات (1/278)، والقول الثاني رواية، كما في الإنصاف (2/277).
يَقِفُ الْمأمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيَصِحُّ مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ جَانِبَيْهِ، لَا قُدَّامَهُ، وَلَا عَنْ يَسَارِه فَقَطْ، وَلَا الْفَذّ خَلْفَهُ، أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرأةً.
_________________________________ قوله: «يقف المأمومون خلف الإمام»وأقل الجمع في باب الجماعة اثنان. قوله: «ويصح»أن يقفوا«معه»أي مع الإمام «عن يمينه أو جانبيه» أي: أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله، ولا يصح أن يقفوا «قدامه»، والقول الوسط أنه عند الضرورة لا بأس به، وإذا لم يكن هناك ضرورة فلا([1]). قوله: «ولا عن يساره» أي: لا تصح صلاة المأموم إن وقف عن يسار الإمام، لكن بشرط خلو يمينه، والقول الراجح صحة الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه([2]). قوله: «ولا الفذ خلفه» أي: إذا كان إمام ومأموم، فصلى المأموم خلف الإمام فإن صلاة المأموم لا تصح، والقول الوسط، أنه إذا كان الانفراد خلف الصف لِعُذْرٍ صحَّتْ الصلاة([3]).
والإمام فيه تفصيل: إن بقي على نية الإمامة لم تصح صلاته؛ لأنه نوى الإمامة وليس معه أحد، وإن انفرد فصلاته صحيحة.
ويكون الانفراد إذا رفع إمامه رأسه من الركوع ولم يدخل معه أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع أو انفتح مكان في الصف قبل أن يرفع الإمام من الركوع ودخل في الصف، فإنه في هذه الحال يزول عن الفردية. «إلا أن يكون»الفذ «امرأة» خلف رجل أو خلف الصف أيضًا، فإن صلاتها تصح، أما المرأة مع جماعة النساء فكرجل مع جماعة الرجال لا يصح أن تقف خلف إمامتها ولا خلف صف نساء.
_________________________________
([1]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/279)، والقول الثاني أنها تصح مطلقًا، كما في الإنصاف (2/280).
([2]) المذهب أنها لا تصح، كما في شرح منتهى الإرادات (1/280)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/282).
([3]) المذهب أنها لا تصح، كما في شرح منتهى الإرادات (1/280)، والقول الوسط الذي ذكره الشيخ هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى (20/559).
وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ تَقِفُ فِي صَفِّهِنَّ، وَيَلِيهِ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ النِّسَاءُ، كَجَنَائِزِهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ مَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ فَفَذّ.
_________________________________
إذا صلى النساء جماعة فإن «إمامة النساء تقف في صفهن» أما وقوف المرأة مع المرأة الواحدة فكوقوف الرجل مع الرجل الواحد إن وقفت عن يسارها أو أمامها أو خلفها، فإنها لا تصح صلاتها على المذهب. قوله: «ويليه»أي الإمام «الرجال ثم الصبيان ثم النساء»على هذا الترتيب؛ كما يرتبون«جنائزهم» فإذا اجتمع جنائز من الرجال والصبيان والنساء، فإنهم يقدمون الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
ولما كان الكافر يمكن أن يصلي إذا كان كفره بغير ترك الصلاة، فإن المصلي خلف الصف إذا «لم يقف معه إلا كافر»فإذا علم بكفره فالمذهب أن صلاته لا تصح؛ لأنه فذ، وإذا وقف مع كافر لا يعلم بكفره فإن صلاته صحيحة([1]).
وكذا إذا لم يقف معه إلا «امرأة» فهو فذ؛ فإن وقفت امرأة مع رجلين فإنه تصح صلاتهما وصلاتها، كما أن صفّا تامًّا من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من الرجال. قوله: «أو من علم حدثه أحدهما» كما إذا دخل رجلان المسجد فوجدا الصف الأول تامًّا فقاما خلف الصف، وأحدهما محدث يعلم حدث نفسه، والآخر على طهارة ولا يعلم أن صاحبه محدث، فالصلاة على كلام المؤلف غير صحيحة([2])، والصحيح في هذه المسألة أن الثاني الموقوف معه صلاته صحيحة؛ لأنه معذور بالجهل فإنه لا يدري أن صاحبه محدث، لكن لو علم أن صاحبه محدث فهو فذ؛ لأنه يعتقد أنه صلى مع شخص لا تصح صلاته.
فإن جهل هو وصاحبه حتى انقضت الصلاة، فصلاة الواقف مع المحدث صحيحة؛ لأنه لم يعلم واحد منهما بالحدث. قوله: «أو صبي»لم يبلغ«في فرض ففذ» خرج به ما لو وقف معه الصبي في نفل، فإن كانت الصلاة نافلة فالمصافة صحيحة، والقول الراجح أن من وقف معه صبي فليس فذًّا لا في الفريضة ولا في النفل([3]).
_________________________________
([1]) المذهب أن صلاته لا تصح إذا لم يقف معه إلا كافر، كما في شرح منتهى الإرادات (1/281)، قال في الإنصاف (2/286): «إذا لم يقف معه إلا كافر فإنه يكون فذّا بلا خلاف أعلمه».
([2]) قال في الروض المربع بحاشية ابن قاسم النجدي (2/ 343): (أو من علم حدثه) أو نجاسته (أحدهما) أي المصلي أو المصافف له.
([3]) المذهب أنه فذ، كما في شرح منتهى الإرادات (1/281)، وما رجحه الشيخ قول ذكره في الإنصاف (2/288).
وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً دَخَلَهَا، وَإِلَّا عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، فَإِنْ صَلَّى فَذّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ الْإِمَامِ صَحَّتْ.
_________________________________ قوله: «ومن وجد فرجة دخلها»والفرجة هي الخلل في الصف، أي: مكان ليس فيه أحد؛ وإن لم يجد فرجة فليقف «عن يمين الإمام([1])؛ فإن لم يمكنه» أن يتقدم إلى الإمام ويصلي إلى جانبه، مثل: أن يكون الإمام في مكان ضيق كطاق القبلة – أي: المحراب – فلا يمكن أن يصف فيه أكثر من واحد، فهنا لا يتمكن أن يقف عن يمين الإمام، والصحيح أنه يصلي خلف الصف وحده، وأن صلاته صحيحة([2]). قوله: «فله»أي لهذا الرجل«أن ينبه من يقوم معه»فيقول: يا فلان تأخر جزاك الله خيرًا لتصلي معي، ولكن يكره أن يجذبه بدون أن ينبه، ويتبعه من ينبهه وجوبًا، والصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأنه إذا نبهه أحرجه، والصحيح أن الآخر لا يلزمه أن يرجع معه([3]). قوله: «وإن ركع فذّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجودالإمام صحت» إن ركع فذّا ثم دخل في الصف قبل سجود الإمام صحت صلاته لزوال الفردية قبل تمام الركعة، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك لعذر، أو لغير عذر، والمذهب خلافه؛ فلو أن رجلًا وقف خلف الصف وكبر وركع بدون عذر، والصف لم يتم ثم جاء آخر، فدخل معه قبل أن يسجد الإمام فالمذهب في هذه المسألة أنه إن كان لغير عذر فرفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فَذّيته فصلاته غير صحيحة([4])، وإن زالت فذيته قبل الرفع من الركوع فصلاته صحيحة، هذا إذا كان لغير عذر، أما إذا كان لعذر، فهو كما قال المؤلف العبرة بسجود الإمام.
والعذر هو خوف فوت الركعة، فإذا خشي إن تقدم حتى ينتهي إلى الصف أن تفوته الركعة فله أن يكبر ويركع فذًّا ثم يدخل في الصف قبل أن يسجد الإمام، فإن سجد الإمام ولو قبل أن تزول فذيته ولو لعذر فصلاته غير صحيحة.
والصحيح أنه إذا كان لعذر فصلاته صحيحة مطلقًا، والعذر تمام الصف، فإذا كان الصف تامًّا فصلاته صحيحة بكل حال، حتى وإن بقي منفردًا إلى آخر الصلاة، وأما إذا كان لغير عذر فإن رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة([5]).
_________________________________
([1]) قال أبو بطين في حاشيته (1/174): «ولا بأس بقطع الصف عن يمينه أو خلفه، وكذا إن بعد الصف منه نصًّا وقربه منه أفضل، وكذا توسطه؛ فإن انقطع عن يساره فقال ابن حامد: إن كان بعد مقام ثلاثة رجال بطلت صلاتهم».
([2]) سبق أن هذا اختيار الشيخ.
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/281-282)، وقال في الإنصاف (2/288): «وإذا لم يقدر أن يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه بكلام أو نحنحة أو إشارة بلا خلاف أعلمه، ويتبعه».
([4]) انظر: شرح منتهى الإرادات (1/282).
([5]) سبق أن اختيار الشيخ صحة صلاة الفذ خلف الصف لعذر.
قوله: «يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد»([1])أي: في مسجد واحد، ولو كانت بينهما مسافات؛ «وإن لم يره ولا من وراءه» أي: لم ير الإمام، ولا من وراءه من المأمومين، وذلك «إذا سمع التكبير» إما منه أو ممن يبلغ عنه. قوله: «وكذا»يصح اقتداء المأموم بالإمام «خارجه»أي خارج المسجد«إن رأى الإمام أو المأمومين»ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة أو من شباك ونحوه، وكذا يُشْتَرط سماع التكبير.
ولا يشترط اتصال الصفوف على المذهب، إذا كان يرى الإمام أو من وراءه في بعضها وأمكن الاقتداء، ولو جاوز ثلاثمائة ذراع، والقول الثاني: لا تصح الصلاة إذا لم تتصل الصفوف، والمذهب هو الأول([2])، والصواب الثاني([3]). قوله: «وتصح»صلاة المأمومين «خلف إمام عالٍ عنهم» يعني: فوقهم، ولكن «يكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر»ويقيد بعض العلماء هذه المسألة بما إذا كان الإمام غير منفرد بمكانه، فإذا كان معه أحد فإنه لا يكره ولو زاد على الذراع؛ لأن الإمام لم ينفرد بمكانه وهذا لاشك أنه قول وجيه([4]).
ويكره كذلك «إمامته في الطاق» والمراد بالطاق طاق القبلة الذي يسمى «المحراب» وطاق القبلة يكون مقوسًا مفتوحًا في عرض الجدار، وأحيانًا يكون واسعًا، بحيث يقف الإمام فيه ويصلي ويسجد في نفس المحراب، فالمؤلف يرى أنه مكروه، ولكن إذا كان لحاجة مثل: أن تكون الجماعة كثيرة، واحتاج الإمام إلى أن يتقدم حتى يكون في الطاق فإنه لا بأس فيه.
أما إذا كان الإمام في باب الطاق، ولم يدخل فيه، ولم يتغيب عن الناس، وكان محل سجوده في الطاق، فلا بأس به.
ويكره للإمام كذلك «تطوعه موضع المكتوبة» أي: في المكان الذي صلى فيه المكتوبة؛ أما المأموم فإنه لا يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة، لكن ذكروا أن الأفضل أن يفصل بين الفرض وسنته بكلام أو انتقال من موضعه. قوله: «إلا من حاجة» والحاجة هي التي تكون من مكملات مراده، وليس في ضرورة إليها، مثل: أن يريد الإمام أن يتطوع؛ لكن وجد الصفوف كلها تامة ليس فيها مكان، فحينئذ يكون محتاجًا إلى أن يتطوع في موضع المكتوبة.
ويكره للإمام كذلك «إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة»بل يخفف ويجلس بقدر ما يقول: استغفر الله «ثلاث مرات»، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. قوله: «فإن كان ثم نساء» أي: في المسجد «لبث قليلًا»مستقبل القبلة «لينصرفن» قبل الرجال. قوله: «يكره وقوفهم بين السواري» أي: وقوف المأمومين وراء الأعمدة، وذلك «إذا قطعن الصفوف» عرفًا؛ فإن احتيج إلى ذلك بأن كانت الجماعة كثيرة والمسجد ضيقًا فلا بأس به من أجل الحاجة.
_________________________________
([1]) قال ابن قائد في حاشية المنتهى (1/315): «حاصله أن المقتدي إما أن يكون مع الإمام في المسجد، وإما أن يكون المأموم وحده خارجه؛ ففي الأولى يكفي لصحة الاقتداء أحد أمرين: الرؤية أو سماع التكبير، وفي الثانية: لابد من الرؤية».
([2]) انظر شرح منتهى الإرادات (1/282-283).
([3]) وجزم به الخرقي والكافي والمغني وغيرهم، كما في الإنصاف (2/293).
([4]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/283).
قوله: «يعذر بترك جمعة وجماعة مريض»([1])مرضًا يلحق المريض منه مشقة لو ذهب يصلي، ويعذر كذلك «مدافع أحد الأخبثين» البول والغائط، وكذا «من بحضرة طعام محتاج إليه» ويأكل حتى يشبع([2])، وكذا «خائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه»كأن يخاف سرقة ماله، أو يكون معه دابة يخشى لو ذهب للصلاة أن تَنْفَلِت، أو أضاع دابته فعلم مكانها وخاف أن تذهب عن المكان الذي هي فيه، أو كان يخشى من ضرر، أو يخشى من «موت قريبه»وهو غير حاضر، أي أن قريبه في سياق الموت، أو يخشى «على نفسه من ضرر»أو يخشى من «سلطان» مثل: أن يطلبه ويبحث عنه أمير وهو ظالم له، أو يخشى «ملازمة غريم»يطالبه بما له «ولا شيء معه»، أو يخشى «من فوات رفقة» بسفر مباح.
ويعذر بـ «غلبة نعاس أو أذى بمطر أو وحل»والأذية بالمطر أن يتأذى في بَل ثيابه أو ببرودة الجو، أو ما أشبه ذلك، وكذلك لو خاف التأذي بوحل، «أو بريح باردة شديدة في ليلة مظلمة»أما الريح الساخنة فليس فيها أذى ولا مشقة، وكذا لا مشقة أو أذى في الريح الخفيفة ولو كانت باردة، فإذا كانت الرياح باردة وشديـدة فهي عذر بلا شك.
_________________________________
([1]) قال في المنتهى: «وتلزم الجمعة من لم يتضرر بإتيانها راكبًا أو محمولًا وتبرَّع أحد به أو بقود أعمى، ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام هو محتاج إليه...» قال ابن قائد (1/319): «هذا كالتقييد لما تقدم من قوله: «يعذر... إلخ»، وحاصله أن المريض والخائف حدوث مرض يعذر في ترك الجماعة ولو أمكنه إتيانها راكبًا أو محمولًا بلا ضرر، وفي ترك الجمعة إن لم يمكنه ذلك».
([2]) قال ابن قائد (1/319): «ليس الحضور قيدًا بل حيث كان تائقًا».
تَلْزَمُ المَرِيضَ الصَّلَاةُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ عَجَزَ فَعَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ صَلّى مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ صَحَّ، وَيُوِمئُ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، وَيَخْفِضُهُ عَنِ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ قَدَرَ أَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَائِهَا انْتَقَلَ إِلَى الْآخَرِ. _________________________________ المراد بالأعذار هنا: المرض والسفر والخوف. قوله: «تلزم المريض» -وهو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه، أو في جميع بدنه - «الصلاة قائمًا» أي: واقفًا ولو كان مثل الراكع، أو كان معتمدًا على عصا أو جدار أو عمود أو إنسان، فمتى أمكنه أن يكون قائمًا وجب عليه على أي صفة كان. قوله: «فإن لم يستطع»، أي: إن لم يكن في طوعه القيام، وذلك بأن يعجز عنه فإنه يصلي قاعدًا، وظاهر اللفظ أنه لا يباح القعود إلا لِعجز، وأما المشقة فلا تبيح القعود، والصحيح: أن المشقة تبيح القعود([1]). وقوله: «فإن لم يستطع» ظاهره: أنه لا يبيح القعود إلا العجز، وأما المشقة فلا تُبِيح القعود، والمذهب أن المشقة تبيح القعود، فإذا شق عليه القيام صلى قاعدًا.
والضابط للمشقة: ما زال به الخشوع، والخشوع هو: حضور القلب والطمأنينة. وقوله: «فقاعدًا» أي: جالسًا متربعًا على أليَتَيْهِ ندبًا، يكف ساقيه إلى فخذيه ويسمى هذا الجلوس تربعًا. قوله: «فعلى جنبه» والأيمن أفضل. قوله: «فإن صلى مستلقيًا» أي: المريض «ورجلاه إلى القبلة صح» هذا الفعل، أي: مع قدرته على الجنب، لكنه خلاف السنة؛ والقول الثاني: أنه لا يصح مع القدرة على الجنب.
وإذا كان مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة يكون رأسه إلى عكس القبلة إلى الشرق إن كانت القبلة غربًا؛ لأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم، فهذا الرجل لو قام تكون القبلة أمامه، فلهذا يكون مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، والمذهب أنه إن صلى مستلقيًا ورأسه إلى القبلة لا تصح صلاته؛ لأنه لو قام لكان مستدبرًا للقبلة، وكذلك لو صلى مستلقيًا ورجلاه إلى يسار القبلة أو يمين القبلة لا تصح؛ لأنه لو قام لكانت القبلة عن يمينه أو عن يساره، فلابد إذن أن تكون رجلاه إلى القبلة. قوله: «ويومئ» المريض المصلي جالسًا في الركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض، وهذا فيما إذا عَجَزَ عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد؛ فإن كان مضطجعًا على الجنب فإنه يومئ بالركوع والسجود إيماء بالرأس إلى الصدر، فيومئ في حال الاضطجاع إلى صدره، قليلًا في الركوع، ويومئ أكثر في السجود. قوله: «فإن عجز أومأ بعينه» يعني: إذا صار لا يستطيع أن يومئ بالرأس فيومئ بالعين، فإذا أراد أن يركع أغمض عينيه يسيرًا، ثم إذا قال:«سمع اللهلمن حمد» فتح عينيه، فإذا سجد أغمضهما أكثر([2]). قوله: «فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر» إن قدر المريض في أثناء الصلاة على فعل كان عاجزًا عنه انتقل إليه.
_________________________________
([1]) وهو المذهب كما في شرح منتهى الإرادات (1/287).
([2]) قال في الروض المربع بحاشية أبي بطين (1/179-180): «وينوي الفعل عند إيمائه له، والقول كالفعل يستحضره بقلبه إن عجز عنه بلفظه، وكذا أسير خائف، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، ولا ينقص أجر المريض إذا صلى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائمًا».
قوله: «وإن قدر»المريض «على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وبسجود قاعدًا» وهذا يحتاج الإنسان إليه في الطائرة إذا كان السفر طويلًا وحان وقت الصلاة، وليس في الطائرة مكان مخصص للصلاة، فإنه يصلي في مكانه قائمًا بدون اعتماد إذا صارت الطائرة مستوية، وليس فيها اهتزاز، وإلا فيتمسك بالكرسي الذي أمامه لكن يومئ بالركوع قدر ما يمكن، والظاهر: أنه لا يستطيع السجود حسب الطائرات التي نعرف، فنقول: اجلس على الكرسي، ثم أومئ إيماءً بالسجود.
وإذا كان لا يستطيع السجود على الجبهة فقط؛ لأن فيها جروحًا لا يتمكن أن يمس بها الأرض، لكن يقدر باليدين وبالركبتين، لم يلزمه بغيرها.
ويباح «لمريض الصلاة مستلقيًا» على ظهره«مع القدرة على القيام» أي: هو قادر أن يقوم، لكن قال له «طبيب مسلم»لابد أن تصلي مستلقيًا ولا تقوم. قوله: «ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام» أي: الفريضة؛ لأن النافلة تصح قاعدًا مع القدرة على القيام في السفينة وغيرها؛ وذلك لأن السفينة ليست كالراحلة؛ لأن السفينة يمكن للإنسان أن يصلي فيها قائمًا ويركع ويسجد لاتساع المكان، فإذا كان يمكنه وجب عليه أن يصلي قائمًا، وإذا كان لا يمكنه إما لكون الرياح عاصفة والسفينة غير مستقرة، فإنه يصلي جالسًا، وإما لكون سقف السفينة قصيرًا فإنه يصلي جالسًا. قوله: «ويصح الفرض على الراحلة» يعني: البعير أو الحمار أو الفرس أو نحو ذلك «خشية التأذّي بالوحل»أو بالمطر أو غير ذلك لو صلى على الأرض، ويجب أن يستقبل القبلة في جميع الصلاة؛ لأن التأذي بالنزول لا يمنع استقبال القبلة، ويومئ بالركوع والسجود؛ هذا في البعير والحمار والفرس، أما الراحلة اليوم؛ كالسيارات، والسفن فيستطيع الإنسان أن يصلي فيها قائمًا راكعًا ساجدًا متجهًا إلى القبلة، فيجب عليه ذلك. قوله: «لا للمرض» يعني لا تصح الفريضة على الراحلة للمرض؛ لأن المريض يمكنه أن ينيخ الراحلة وينـزل على الأرض ويصلي، ولكن إذا علمنا أن هذا المريض لو نزل لم يستطع الركوب؛ لأنه ليس عنده من يُرْكِبه، وهذا قد يقع، فيصلي على الراحلة؛ لأن هذا أعظم من التأذي بالمطر وأخطر.
_________________________________ قوله: «من سافر»([1])من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير «سفرًا مباحًا»ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل الواجب والمستحب والمباح إباحة مطلقة، وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء إلى أنه يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وهذا القول قول قوي([2]).
فالسفر لفعل المحرم كسفر المرأة بلا محرم، والسفر وحده مكروه، والسفر للنزهة مباح، والسفر لفريضة الحج واجب، وللمرة الثانية في الحج مستحب. قوله: «أربعة برد» وهي 82 كيلو مترًا تقريبًا، والبرد جمع بريد، والبريد نصف يوم، والصحيح أنه لا حد للمسافة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف([3])، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في الزمن القصير سفر. قوله:«سن له قصر رباعية ركعتين» أما الثلاثية فلا تقصر، وأما الثنائية فلا تقصر أيضًا، ولا يمكن قصر بدون سفر، حتى لو كان الإنسان في أشد المرض أوالشغل أوالتعب فلا يكون سببًا للقصر بخلاف الجمع.
ولا يقصر إلا «إذا فارق»، والمفارقة المراد بها المفارقة البدنية؛ لا المفارقة البصرية، أي: أن يتجاوز البيوت ولو بمقدار ذراع، فإذا خرج من مسامته البيوت ولو بمقدار ذراع فإنه يعتبر مفارقًا. وقوله: «عامر قريته» ولم يقل: بيوت قريته؛ لأنه قد يكون هناك بيوت قديمة في أطراف البلد هجرت وتركت ولم تسكن، فهذه لا عبرة بها، بل العبرة بالعامر من القرية، فإن كان في القرية بيوت عامرة، ثم بيوت خربة، ثم بيوت عامرة، فالعبرة بمفارقة البيوت العامرة، وإن كان يتخللها بيوت غير عامرة.
وأضاف القرية إلى المسافر ليفيد أن المراد قريته التي يسكنها، فلو فرض أن هناك قريتين متجاورتين ولو لم يكن بينهما إلا ذراع أو أقل، فإن العبرة بمفارقة قريته هو. قوله: «أو خيام قومه» إذا كانوا يسكنون الخيام، وعلم من كلامه أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته، ولو كان عازمًا على السفر ولو كان مرتحلًا ولو كان راكبًا يمشي بين البيوت. ويجب الإتمام في مسائل: «إن أحرم حضرًا ثم سافر» يعني دخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام ثم سافر، كما لو كان في سفينة تجري في نهر يشق البلد، وكانت راسية فكبر للصلاة ثم مشت السفينة ففارقت البلد وهو في أثناء الصلاة،«أو في سفر ثم أقام»أي: أحرم للصلاة في سفر ثم أقام، عكس المسألة الأولى. «أو ذكر صلاة حضر في سفر»كرجل مسافر، وفي أثناء السفر ذكر أنه صلى الظهر في البلد بغير وضوء، فإنه يصلي أربعًا، «أو عكسها»يعني أو ذكر صلاة سفر في حضر. «أو ائتم»المسافر «بمقيم»فإنه يتم، أو ائتم «بمن يشك فيه»هل هو مسافر أو مقيم، وهذا إنما يكون في محل يكثر فيه المسافرون.
_________________________________
([1]) قال منصور البهوتي في حواشي الإقناع (1/285): «من ابتدأ سفرًا؛ هذه عبارة الفروع، وعبارة المقنع: من سافر، ويرد عليها من خرج في طلب ضالة أو آبق حتى جاوز ستة عشرة فرسخًا لم يجز له القصر لعدم نيته على المذهب، ويرد عليها أيضًا كون المعتبر نية المسافة لا حقيقتها؛ فلو نواها ثم رجع قبل استكمالها وقد قصر فلا إعادة على الصحيح، مع أنه لم يسافر ستة عشر فرسخًا».
([2]) المذهب خصوص السفر المباح، كما في شرح منتهى الإرادات (1/292)، وما قواه الشيخ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى (24/109).
([3]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/292)، وقال في الإنصاف (2/318): «وقال المصنف والشيخ تقي الدين أيضًا: لا حجة للتحديد، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه».
_________________________________ قوله: «أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها»يعني: المسافر أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، إذا ائتم بمقيم فقد أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، فإذا فسدت ثم أعادها فإنه يلزمه الإتمام؛ لأن هذه الصلاة إعادة لصلاة يجب إتمامها، فيلزمه أن يصلي أربعًا. قوله: «أو لم ينو القصر عند إحرامها»يعني: دخل في صلاة الظهر وهو مسافر، لكن نوى صلاة الظهر، ولم يستحضر تلك الساعة أن ينويها ركعتين، فهنا يقول المؤلف: يلزمه أن يتم. قوله: «أو شك في نيته»أي نية القصر، يعني: شك هل نوى القصر أو لم ينو؟ فيلزمه الإتمام، وهذه المسألة غير المسألة الأولى، فالأولى جزم بأنه لم ينو، والثانية شك هل نوى أو لا؟ قوله: «أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام»في أي مكان كان، سواء نوى الإقامة في البر، أو نوى الإقامة في البلد، فيلزمه أن يتم.
ومثال الإقامة في غير البلد: رجل مسافر انتهى إلى غدير، فأعجبه المكان فنـزل، وقال: سأبقى في هذا المكان خمسة أيام، فيلزمه أن يتم؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، والقول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن المسافر مسافر ما لم ينو واحدًا من أمرين: الإقامة المطلقة، أو الاستيطان([1]). قوله: «أو ملَّاحًا معه أهله»([2])الملاح قائد السفينة، وكان معه أهله مصاحبون له، وكان «لا ينوي الإقامة ببلد»المغادرة ولا ببلد الوصول، فهذا يجب عليه أن يتم؛ لأن بلده سفينته.
أما لو كان أهله في بلد فإنه مسافر، ولو طالت مدته في السفر، ولو كان له نية الإقامة في بلد فإنه يقصر؛ لأنه مسافر، فمثلًا: إذا كان ملاحًا في سفينة وأهله في جدة، لكنه يجوب البحار؛ كالمحيط الهندي والهادي، ويأتي بعد شهر أو شهرين إلى جدة فهذا مسافر؛ لأنه ليس معه أهله، بل له بلد يأوي إليه.
وكذلك أيضًا: لو فرض أن الرجل ينوي الإقامة في بلد، فهذا نقول له: إنك مسافر؛ لأن لك بلدًا معينًا عينته للإقامة.
ومثل ذلك أصحاب سيارات الأجرة الذين دائمًا في البر، نقول إن كان أهلهم معهم ولا ينوون الإقامة ببلد فهم غير مسافرين، لا يقصرون ولا يفطرون في رمضان، وإن كان لهم أهل في بلد، فإنهم إذا غادروا بلد أهلهم فهم مسافرون يفطرون ويقصرون، وكذلك لو لم يكن لهم أهل، لكنهم ينوون الإقامة في بلد يعتبرونه مثواهم ومأواهم، فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى البلد الذي نووا أنه مأواهم. قوله: «وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما» يعني: رجل في بلد يريد أن يسافر إلى بلد آخر، وللبلد هذا طريقان: أحدهما بعيد، والثاني قريب، فسلك أبعدهما فإنه يقصر، ولكن لو فرض أنه تعمد أن يسلك الطريق الأبعد في رمضان من أجل أن يفطر فلا يجوز له الفطر. قوله: «أو ذكر صلاة سفر في»سفر «آخر قصر»كرجل سافر إلى العمرة، وصلى بغير وضوء ناسيًا، ولما رجع من العمرة سافر إلى المدينة وفي أثناء سفره إلى المدينة ذكر أنه صلى في سفره للعمرة صلاة بغير وضوء، فيصليها قصرًا، وإن ذكر صلاة سفر في حضر، فإنه يتم على المذهب([3])، والصحيح أنه يقصر([4]). قوله: «وإن حبس» ظلمًا أو بحقٍّ أو بعدو أو بمرض أو في تغيرات جوية أو بخوف على نفسه، أو بأي سبب فإنه يقصر؛ إن كان «لم ينو إقامة»، فإن نوى إقامة مطلقة لا إقامة ينتظر بها زوال المانع فإنه يتم. قوله: «أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة» مطلقة «قصر أبدًا» ولو بقي طول عمره([5]).
فالإقامة المطلقة: أن ينوي أنه مقيم ما لم يوجد سبب يقتضي مغادرته، فيلزمه الإتمام وصوم رمضان، ولا يزيد عن يوم وليلة في مسح الخفين.
والإقامة المقيدة: تارة تُقَيَّد بزمن، فالمشهور من المذهب أنه إذا نوى أكثر من أربعة أيام يتم ودونها يقصر، وتارة تقيد بعمل، فيقصر فيها أبدًا، ولو طالت المدة، ومن ذلك لو سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي.
_________________________________
([1]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/295)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية انظره في مجموع الفتاوى (24/136).
([2]) قال ابن قائد (1/333): «قوله: (معه أهله) أي: أو لا أهل له» .
([3]) انظر شرح منتهى الإرادات (1/295).
([4]) وهو قول ذكره في الإنصاف (2/323).
([5]) فائدة: لو قصر الصلاتين في السفر في وقت أولاهما، ثم قدم قبل دخول وقت الثانية أجزأه على الصحيح من المذهب، ومثله لو جمع بين الصلاتين في وقت أولاهما بتيمُّم ثم دخل وقت الثانية وهو واجد الماء» من حاشية أبي بطين (1/185).
_________________________________ قوله: «فصل» يعني: في الجمع. قوله: «يجوز الجمع بين الظهرين» هما الظهر والعصر،«و بين العشائين» هما المغرب والعشاء «في وقت إحداهما» أي الأولى أو الثانية، أو في الوقت الذي بينهما. قوله: «في سفر قصر» هذا أحد الأسباب المبيحة للجمع، وهو سفر القصر سواء كان نازلًا أو سائرًا، وكذا يجوز الجمع «لمريض»أيّ مرض سواء كان صداعًا في الرأس، أو وجعًا في البطن، أو الجلد، أو غير ذلك، إذا كان «يلحقه بتركه مشقة» أما لو لم يلحقه مشقة، فإنه لا يجوز له الجمع، والمشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرق الصلاتين، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة، والمشقات متعددة([1]).
ويجمع «وبين العشائين»لا بين ظهرين «لمطر يبل الثياب» لكثرته وغزارته؛ فإن كان مطرًا قليلًا لا يبل الثياب، فإن الجمع لا يجوز، ويجمع لـ«وحل» وهو الزلق والطين؛ وإن لم يكن المطر ينـزل، ويجمع لـ«ريح شديدة باردة»، ولا يُشْتَرط أن تكون في ليلة مظلمة، والمراد بالريح الشديدة ما خرج عن العادة، وأما الريح المعتادة، فإنها لا تبيح الجمع، والمراد بالبرودة: ما تشق على الناس.
وله الجمع في هذه الأعذار «ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط»والساباط: السقف، هذا إذا كان من أهل الجماعة وذلك لئلا تفوته الجماعة، أما إذا كان يصلي في بيته لمرض، وهو لا يحضر المسجد، فلا يجوز له أن يجمع؛ لأنه لا يستفيد شيئًا، أو كانت امرأة، فإنه لا يجوز لها الجمع من أجل المطر؛ لأنها لا تستفيد بالجمع شيئًا، فهي ليست من أهل الجماعة. قوله: «والأفضل»لمن يباح له الجمع «فعل الأرفق به من تأخير وتقديم» فإن كان التأخير أرفق فليؤخر، وإن كان التقديم أرفق فلْيُقَدِّم، وقد استثنى أهل المذهب جمع عرفة؛ فالأفضل فيه التقديم، ومزدلفة فالأفضل فيه التأخير. قوله: «فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها»فلو فرض أنه دخل في الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع، فإن الجمع لا يصح، والصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، والذي يشترط هو وجود السبب عند الجمع؛ فالصحيح أن له أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجودًا ([2]). قوله: «ولا يفرق بينهما إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف»، أي: يشترط أن لا يفرق بين المجموعتين في جمع التقديم إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف. «ويبطل»الجمع بصلاة «راتبة بينهما» أي بين الصلاة الأولى والثانية، أي: لو جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم، فلما صلى المغرب صلى راتبة المغرب، فإنه لا جمع حينئذ؛ لوجود الفصل بينهما بصلاة، ولو فصل بينهما بفريضة، فبعد أن صلى المغرب ذكر أنه صلى العصر بلا وضوء فصلى العصر، فلا جمع؛ لأنه إذا أبطل الجمع بالراتبة التابعة للصلاة المجموعة فبطلانه بصلاة أجنبية من باب أولى، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يشترط الموالاة بين المجموعتين، والأحوط ألا يجمع إذا لم يوال بينهما لكن رأي شيخ الإسلام له قوته([3]).
ويشترط كذلك في جمع التقديم «أن يكون العذر»المبيح للجمع «موجودًا عند افتتاحهما»أي الأولى والثانية «وسلام الأولى»، ويشترط كذلك أن يكون موجودًا إلى انتهاء الثانية في غير جمع مطر ونحوه، بشرط أن يخلفه وحل.
فلو لم ينـزل المطر مثلًا إلا في أثناء الصلاة، فإنه لا يصح وإذا لم ينـزل إلا بعد تمام الصلاة الأولى، أي: كانت السماء مغيمة ولم ينـزل المطر، وبعد أن انتهت الصلاة الأولى نزل المطر، فإن الجمع لا يصح، والصحيح أنه لا يُشْتَرط وجود العذر إلا عند السلام من الأولى، فلو لم ينزل المطر مثلًا إلا في أثناء الصلاة، فإنه يصح الجمع على الصحيح، بل لو لم ينزل إلا بعد تمام الصلاة الأولى، أي: كانت السماء مغيمة ولم ينزل المطر. وبعد أن انتهت الصلاة الأولى نزل المطر، فالصحيح أن الجمع جائز على هذا القول الراجح([4]).
ويشترط كذلك في جمع التقديم الترتيب؛ بأن يبدأ بالأولى ثم بالثانية. قوله: «وإن»نوى «جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى»؛ لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر إلا بنية الجمع حيث جاز. قوله: «إن لم يضق» الوقت «عن فعلها» فإن ضاق عن فعلها لم يصح الجمع.
ولابد من «استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية» فإن لم يستمر، فالجمع حرام، ولم يذكر الموالاة إشارة إلى عدم اشتراط الموالاة؛ لأن الموالاة في جمع التأخير ليست بشرط.
_________________________________
([1]) قال أبو بطين (1/186): «فأما الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر، فالصحيح أنه لا يجوز؛ قيل لأحمد: هل يجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ فقال: لا، ما سمعته، اهـ شرح، قال في الإنصاف: واختار الشيخ أن الجمع بين الظهر والعصر يجوز للمطر». اهـ.
([2]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/299)، وما صححه الشيخ قول ذكره في الإنصاف (2/341).
([3]) المذهب أن الموالاة تشترط، كما في شرح منتهى الإرادات (1/299)، وذكر في الإنصاف (2/343) أن الشيخ تقي الدين لا يشترط الموالاة في الجمع.
([4]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/300).
وَصَلَاةُ الخَوْفِ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِصِفَاتٍ كُلُّهَا جَائِزَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهَا مِنَ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَشْغَلُهُ وَلَا يُثْقِلهُ؛ كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ.
_________________________________ قوله: «فصل: صلاة الخوف» من خاف من عدو، سواء كان آدميًّا أو سَبْعًا، تُشْرَع له صلاة الخوف، وقد «صحت عن النبي r بصفات كلها جائزة» أي: وردت على ستة أوجه، أو سبعة عن النبي r؛ من هذه الأوجه ما يوافق ظاهر القرآن، وهي: أن يقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين، طائفة تصلي معه، وطائفة أمام العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم أي: نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم، والإمام لا يزال قائمًا، ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى أمام العدو، وجاءت الطائفة الأولى ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، وفي هذه الحال يطيل الإمام الركعة الثانية أكثر من الأولى لتدركه الطائفة الثانية، فتدخل الطائفة الثانية مع الإمام فيصلي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد قبل أن يسلم قامت هذه الطائفة من السجود رأسًا وأكملت الركعة التي بقيت وأدركت الإمام في التشهد فيسلم بهم.
ومنها: إذا كان العدو في جهة القبلة، فإن الإمام يصفهم صفين ويبتدئ بهم الصلاة جميعًا، ويركع بهم جميعًا ويرفع بهم جميعًا، ويسجد بالصف الأول فقط، ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس، فإذا قام وقام معه الصف الأول سجد الصف المؤخر، فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم صلى بهم الركعة الثانية جميعًا قام بهم جميعًا وركع بهم جميعًا، فإذا سجد معه الصف المقدم الذي كان في الركعة الأولى هو المؤخر، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلسوا للتشهد سلم الإمام بهم جميعًا، وهذه لا يمكن أن تكون إلا إذا كان العدو في جهة القبلة. قوله: «ويستحب أن يحمل»السلاح «في صلاتها»؛ أي يحمل في صلاة الخوف «ما يدفع به عن نفسه» فلا يحمل سلاحًا هجوميًّا؛ لأنه مشغول في صلاته عن مهاجمة عدوه، ولكن بحيث يكون ما يحمله «لا يشغله ولا يثقله»؛ لأنه إذا حمل ما يثقله أو يشغله عن الصلاة زال خشوعه. قوله: «كسيف ونحوه» أي: كالسكين، والرمح القصير، وفي وقتنا كالمسدس.
تَلْزَمُ كُلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ اسمُهُ وَاحِدٌ وَلَوْ تَفَرَّقَ، أَيْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا، وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَمَنْ صَلَّى الظّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحّ، وَتَصِحُّ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْأَفْضَلُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
_________________________________ قوله: «تلزم»صلاة الجمعة «كل ذكر»فخرج به الأنثى والخنثى، فلا تلزمهم صلاة الجمعة. قوله: «حر»فلا تلزم العبد؛ أي المملوك ولو كان أحمر أو قبيليًّا. قوله: «مكلف»أي جَمَعَ وصْفَيِ البلوغ والعقل. قوله: «مسلم»فالكافر لا تجب عليه الجمعة، بل ولا تصح منه. قوله: «مستوطن»فالمسافر لا جمعة عليه؛ بحيث يكون المستوطن مستوطنًا «ببناء» أي بوطن مبني، سواء بُنِي بالحجر أو المدر أو الإسمنت أو بغيرها، وهو يحترز بذلك مما لو كانوا أهل خيام كأهل البادية، فإنه لا جمعة عليهم. قوله: «اسمه واحد ولو تفرق»أي: أن يكون مستوطنًا ببناء، اسم هذا البناء واحد ولو تباعد وتفرق أحياء بينها مزارع، مثل: مكة، المدينة، عنيزة. قوله: «ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ» هذا الشرط السادس، أي: ليس بين الإنسان وبين المسجد أكثر من فرسخ؛ فعلى هذا لا يلزم الشخص الذي يكون بينه وبين البلد أكثر من فرسخ جمعة، هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان البلد واحدًا فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ؛ فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ قالوا فإنها تلزمه بغيره، أي: إن أقيمت الجمعة وهو في البلد لزمته، وإلا فلا. قوله: «ولا تجب»الجمعة «على مسافر سفر قصر»أي: سفرًا يحل فيه القصر، لكن تجب عليه بغيره كما سبق، ولو أن رجلًا سافر إلى بلد يبلغ المسافة، ولكن سفره محرم فلا تسقط عنه الجمعة؛ لأن السفر سفر قصر، وكذا لو دخل بلدًا ليقيم فيه خمسة أيام ثم يسافر، فتلزمه الجمعة بغيره. قوله: «ومن حضرها منهم» أي المسافر سفر قصر والعبيد والنساء من حضر الجمعة منهم، وصلى مع الإمام «أجزأته ولم تنعقد به»([1])، أي: لم تنعقد بواحد من هؤلاء، ومعنى: لا تنعقد به؛ أي: لا يحسب من العدد المعتبر.
والصحيح في العبد والمسافر أنها تنعقد بهما، ويصح أن يكونوا أئمة فيها وخطباء أيضًا([2]). قوله: «ولم يصح أن يؤم فيها» أما المرأة فلا شك أنه لا يصح أن تؤم فيها، وأما العبد ففي الجمعة لا يصح؛ لأنه ليس من أهل الوجوب. قوله: «سقطت عنه»، أي: الجمعة قوله: «لعذر»كمرض. قوله: «وجبت عليه وانعقدت به» أي: تلزمه بنفسه، وتنعقد به. قوله: «ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح» أي: من صلى الظهر وهو ممن يلزمه الحضور، فإن صلاته لا تصح.
وقال: «ممن عليه حضور الجمعة» ولم يقل: ممن تجب عليه الجمعة من أجل أن يكون كلامه شاملًا للذي تجب عليه بنفسه -وهو: الذي يصح أن يكون إمامًا فيها وتنعقد به- والذي تجب عليه بغيره -وهو: الذي لا تنعقد به ولا يصح أن يكون إمامًا فيها.
مثال ذلك: مسافر حَلّ بلدًا تقام فيه الجمعة، وأذن لصلاة الجمعة، فهذا عليه الحضور، وليست واجبة عليه بنفسه، بل بغيره، فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح؛ لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أمر به، فهو مأمور أن يحضر الجمعة وقد صلى ظهرًا. قوله: «وتصح ممن لا تجب عليه» أي: لو صلى إنسان لا تلزمه الجمعة؛ كمريض مرضًا تسقط به عنه الجمعة قبل صلاة الإمام الظهر فتصح؛ لأنه لا تلزمه الجمعة. قوله: «والأفضل حتى يصلي الإمام» أي: أن الأفضل أن يؤخر صلاة الظهر حتى يصلي الإمام، وعلى هذا نقول للنساء: الأفضل في يوم الجمعة ألا تصلين الظهر حتى يصلي الإمام، أما الظهر فالأفضل أن تصليه في أول الوقت ولو قبل صلاة الإمام. قوله: «ولا يجوز»السفر «لمن تلزمه»الجمعة؛ إذا كان «السفر في يومها بعد الزوال»سواء كانت تلزمه بنفسه أو بغيره، وذلك أنه بعد الزوال دخل الوقت بالاتفاق، أما السفر قبل الزوال يوم الجمعة فجائز،لكن مع الكراهة، ويُستثنى من تحريم السفر ما إذا خاف فوات الرفقة، ومثله خوف إقلاع الطائرة.
_________________________________
([1]) قال ابن المنذر: «أجمعوا أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزئ عنهن» من حاشية أبي بطين (1/192).
([2]) المذهب ما ذكره المصنف، كما في شرح منتهى الإرادات (1/310)، وما صححه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (2/369-370)