اسم الكتاب: حلية طالب العلم
المؤلف: الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله
الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد- رحمه الله- من علماء الجزيرة المعاصرين، تُوفي قبل ست سنوات تقريبا، و هو عضو في هيئة كبار العلماء، أخذ العلم عن شيوخ كُثر، لكن أشهر مشايخه سماحة الوالد ابن بز رحمه الله، وكان الشيخ بكر يُجله كثيرا، ويُثني عليه، وكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي)صاحب أضواء البيان( والشيخ بكر تأثر بالشيخ الشنقيطي كثيرا، وصحبه عشر سنين، والشيخ بكر من العلماء المتضلعين، وكان يحب التأليف أكثر من التدريس، وممّا يُؤثر عنه:" الكتاب يبقى، و تنتفع به أجيال". ولذلك كان يحب التأليف و الكتابة، ويُقدمها على التدريس. وهذه ليست قاعدة لكل الناس، لكن هو يرى نفسه، يعني يرى مجال التأليف أنفع له؛ مجال التأليف و التحقيق.
وقد طُلب منه مرارا التدريس في الحرم، درّس لكن قليلا، وفي كثير من الأحيان كان يمتنع، طُلب منه الإفتاء في برنامج" نور على الدرب" لكنه امتنع، وأيده الشيخ بن باز رحمه الله، وقال لهم: الشيخ بكر صاحب قلم.
وكتاب حلية طالب العلم يتكلم على سبعة أمور.
الأمر الأول: آداب الطالب في نفسه
الأمر الثاني: كيفية طلب العلم
الأمر الثالث: أدب لطالب مع شيخه
الأمر الرابع: آداب الزمالة
الأمر الخامس: آداب الطالب في حياته العلمية
الأمر السادس: التحلي بالعمل
الأمر السابع: المحاذير
المقدمة:
قال المصنف في المقدمة: أنه ألف حليته لأسباب منها
* أنه رأى الصحوة التي انتشرت بين شباب المسلمين، وتوجه أكثرهم إلى العلم وهذا مما تسعد به القلوب و تستبشر به النفوس خيرا.فخشي أن لا ينتهجوا النهج القويم ولا يتأدبوا بأدب السلف في تعلمهم للعلم وتعليمه وأن تأخذهم هذه التموجات الفكرية والعقدية والسلوكية فتنأى بهم بعيدا عن الجادة.فالعلم إن لم يكون مقيدا بضوابط وكوابح شرعية كان ضرره عظيما ومفاسده أكثر من منافعه.فيتخبط خبط عشواء خاصة وقد انتسب إلى العلم من ليس له أهلا، وكثر المتعالمون الذين قد استلوا كثيرا ممن أراد العلم عن منبع العلم الصافي.
*أن شريعتنا السمحاء مبنية على حسن الخلق ، وعلى التأدب بالآداب الفاضلة، إذ لايزين هذا العلم كأخلاق دميثة يتحبب بها العالم إلى طلابه وبل ويُحبب بها العلم إلى من حوله،فكم رأينا ممن ينفر من العلم ظانا أن السبب هو العلم نفسه والحقيقة هي أنه نفر منه بسبب حامله،فبعضهم تجده كثير العلم قليل الخلق فيسيء إلى علمه من حيث لا يدري.
*أن من سنة علمائنا وسلفنا الصالح أن يبدؤوا بتعلم الأدب قبل تعلم العلم ولهذا لازال السلف يؤلفون في آداب العلم والتعلم، فالعلماء أحوج إلى هذه الآداب من غيرهم، لأنهم دعاة ومربون وهم ورثة أنبياء الله، فكيف بوارث لايشابه مورثه في أدبه وأخلاقه، وكيف يكون للعلماء أثر إن كانوا بلا أخلاق وآدب، بل إن لم يكن هم أصحاب الأدب فمن سيكون،يكفيهم أنهم حملة لكلام الله وكلام نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم فلابد أن يكونوا على قدر ذلك الحمل.
وقال المصنف أنه يأمل أن تُدرس حليته في المساجد ومواد الدراسة النظامية وغيرها حتى تعم الفائدة .
وقال أن يجب على كل راغب في العلم إلتزام أدب العلم والتحلي بآداب طالب العلم قبل دراسة العلم نفسه.
وذكر في النهاية أن الآداب منها ماهو لكل مسلم ومنها ماهو خاص بطالب العلم ومنها ماعُرف بالشرع ومنها ماعرف بالطبع و بالشرع .وذكر أنه لم يعن (يعتني) بإتمام كل الآداب بل ذكر الاهم فالمهم.والباقي يفهم من الكلام.
ملاحظات:
قال المصنف: كما أنَّ هذه الآدابَ درجاتٌ صاعدةٌ إلى السُّنَّةِ فالوجوبُ ، فنواقِضُها دَرَكَاتٌ هابطةٌ إلى الكراهةِ فالتحريمِ .
قال الشيخ ابن العثيمين: يعني ضدها يعني معناه أنه ذكر الآداب فيكون ضدها إن كانت مسنونة يكون ضدها مكروهة وإن كانت واجبة فضدها محرم ولكن هذا ليس على إطلاق لأنه ليس ترك كل مسنون يكون مكروهًا وإلا لقلنا إن كل من لم يأت بالمسنونات في الصلاة يكون قد فعل مكروهًا لكن إذا ترك أدبا من الآداب الواجبة فإنه يكون فاعلا محرما في نفس ذلك الآدب فقط لأنه ترك فيه واجب وكذلك إذا كان مسنونًا وتركه فينظر إذا تضمن تركه إساءة أدب مع المعلم أو مع زملائه فهذا يكون مكروهًا لا لأنه تركه ولكن لأنه لزم منه إساءة الأدب والحاصل أنه لا يستقيم أن نقول كل من ترك مسنونًا فقد وقع في المكروه أو كل من ترك واجبا فقد وقع في المحرم يعني على سبيل الإطلاق بل يقيد هذا
قال الشيخ الشثري: الصفات نوعان كاشفة :تبين الموصوف وتوضحه كأن تقول رجل طويل
صفة مقيدة: كأن تقول أعتق رقبة مؤمنة أي لاتعتق إلا رقبة مؤمنة.
قال الشيخ ابن عثيمين: الشيخ بكر يقول اليوم أخوك يشد عضدك ويأخذ بيدك فأجعل طوع. فيها إلتفات من أين؟ من الغيبة إلى الحضور هذا ليس معتادًا عند العلماء في مؤلفاتهم العلمية ،ومعلوم أن الانتقال في الإسلوب من غيبة إلى خطاب أو من خطاب إلى غيبة أو من مفرد إلى جمع حيث صح الجمع،سوف يوجب الانتباه لأن الإنسان إذا كان يسير بأسلوب مستمر عليه انسابت نفسه لكن إذا جاء شيء يغير الأسلوب سوف يتوقف وينتبه { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا} فقال: {أخذ الله} هذا غيب (وبعثنا) حضور . (بتصرف)
بعض الألفاظ اللغوية :
تَتْرى: تأتي طائفة بعد طائفة .
العَثار: السقوط أول مرة
النهل: الشرب أول مرة
العَلل : الشرب في المرة الثانية
شرط العبادة:
1/ الشرط الأول : إخلاص النية لله عزوجل، الإخلاص: إفراد الله بالقصد في الطاعة. هكذا يُعرفه العلماء. يعني ألا يريد شيئا سوى طاعته، هذه حقيقته، والإخلاص درجات.
لقوله جل جلاله " وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة".
وللحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى ... الحديث"
فائدة :
قال المؤلف: (في الحديث الفرد المشهور) (الفرد) : أي أنه غريب رواه راو واحد عن راو واحد عن راو واحد، وذلك أن الحديث رواه يحيى بن سعيد عن محمد بن ابراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب فهو فرد في أربع طبقات من إسناده.
(المشهور) : لأنه اشتهر بعد ذلك على الألسن واستفاض فقد رواه عن يحيى بن سعيد قرابة مائتي راو. اه
بما يكون الإخلاص في طلب العلم ؟
الجواب: يكون الإخلاص في طلب العلم بأربع أمور:
1/ أن تنوي بذلك امتثال أمر الله تعالى، فقد قال جل جلاله "فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك".فقد حث جل وعلا على العلم والأمر بشيء يستلزم محبته والرضا به وقبوله.
2/ أن ينوي بذلك حفظ شريعة الله تعالى فحفظها لا يكون إلا بالتعلم والحفظ في الصدور والتبليغ.
3/أن ينوي بذلك حماية الشريعة والدفاع عنها،لأنه لولا العلم ماحُميت ولا دوفع عنها.فأهل العلم هم الذين تصدوا لأهل البدع والضلال.
4/أن ينوي بذلك اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم،فلا يمكن اتباع الشريعة بلا علم.
*فالعلم من أجل العبادات وأعظمها ماكان خالصا لله ،فإن شابه شيء تحطم ذلك العلم وصار نكالا على صاحبه.وصار شركا أكبرا أو أصغر.
فعلى طالب العلم أن يسعى للتخلص من كل مايشوب إخلاصه من حب الظهور ومنافسة الأقران وجعله سلما لنيل منصب أو جاه أو أي عرض من أعراض الدنيا،فلا شيء يحطم العلم ويضيعه كالرياء،سواء رياء شرك أو رياء إخلاص والتسميع.
فرياء الإخلاص: أن يترك العمل لئلا يُتهم بالرياء
ورياء الشرك: أن يعمل ويرغب في نيل ثناء الناس،فيكون عمله فيه قصد ارضاء الناس ونيل اعجابهم.
التسميع: بأن يقول مسمعا أنا فعلت كذا وكذا لكي يكون له منزلة
فالواجب على المرء أن يخلص عمله لله ولايلتف إلى الناس لا طلبا لمدحهم ولا خشية مدحهم.
االأقران جمع قرين، وهو الصاحب، قال تعالى: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ.} [ق23 ]. و المقصود به هنا: الصاحب في الطلب، المُساوي له في مرتبة العلم، و المنافسة بين الأقران أمر مشهور جدًا، كتب فيه العلماء. والمنافسة بين الأقران قد تكون محمودة أو مذمومة، تكون محمودة إذا كانت دافعا للاجتهاد و التحصيل، وبلوغ الكمال النسبي، مع تمني الخير للجميع، وهذا جاء الأمر به في القرآن، قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ.} [المطففين 26]
المذموم منه ما كان الدافع له حب الظهور و الارتفاع بفوات ما عند القرين، أو بنقص علم القرين، ليتفوق عليه، وللحصول على محمدة عند الناس.
فالعلم عبادة والناس فيه ثلاثة أصناف:
1/ من جعله لله راغبا فيما عند الله فهذا مؤمن موحد مثاب
2/من جعله لله لينيله الله الدنيا فليس له في الآخرة من خلاق.
3/ من قصد به الدنيا مباشرة فهذا مشرك مستحق لغضب الله في الدنيا والآخرة.
*ومما يفسد الإخلاص أيضا وهو مما نهى عنه العلماء " الطبوليات" وهي المسائل التي يراد بها الشهرة فيأتي بالغريب والشاذ حتى ينال الشهرة وكما يقال "زلة العالم مضروب لها الطبل".
*فعلى طالب العلم التمسك التمسك بالعروة الوثقى العاصمة من شوائب الإخلاص فيبذل الجهد لتحصيله مع دوام الافتقار إلى الله وأن يستعين به ويسأله المعونة، فالنية صعبة الاصلاح ، حتى قال سفيان الثوري" ماعالجت شيئا أشد علي من نيتي".
وعلى طالب العلم أن يحصن إخلاصه فلا يستشرف لِما رأى أنه قد يفسد عليه نيته ، وقد قال سفيان رحمه الله " كنت أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة سلبته" يقول هذا وهو من هو، فكيف بحال الضعاف أمثالنا.
*فالاخلاص ترى ثماره في قبول الناس علمك، وترى أثره على من حولك، سأل عمر بن ذر أباه فقال" ياأبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء،وإذا وعظهم غيرك لايبكون؟ قال: يابني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة"
والثكلى فاقدة الولد.
الشرط الثاني: وهي الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة: وهي محبة الله عزوجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتحقيقها يكون بالمتابعة واقتفاء أثر المعصوم،فالعبادة وإن كانت خالصة لله ولم يكن فيها اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وماجاء به كانت بدعة محدثة.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة وهو في الصحيحين " من أحدث في أمرنا ماليس منه فهو رد"أي مردود على صاحبه.
ولذلك جاءت النصوص في الأمر بالاتباع فقد قال تعالى :" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ... " وقوله تعالى " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله .. "
فلابد من الحرص على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الاقتداء به واقتفاء أثره وخاصة طالب العلم.
فهذا أصل الحلية بالجملة الإخلاص والمتابعة ويقعان منها موقع التاج من الحلة.وتقوى الله هي العدة وهي العاصمة من الفتن، والمعينة على الوصول إلى المبتغى.فالتزمها ياطالب العلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم أن خير القرون هم القرون الثلاثة الأول،ولنتصف بالخيرية فلابد من أن نقتفي أثرهم - قفا من القفو، بمعنى إتباع الشيء، ومنه قوله تعالى :{ لا تقف ما ليس لك به علم} . يعني لا تتبع ما لا تعلمه - والإقتداء بهم والسير على طريقتهم في جميع أبواب الدين ، فلا نتبعهم في باب دون باب ، متميزين في ذلك التزام آثار النبي صلى الله عليه وسلم ،و أما من سار على نهجهم واتبعهم في باب دون باب فقد ظل .قال عزوجل " ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ".
ولهذا تجد عند السلف من الفوائد والبركة الشيء الكثير،فتجد عندهم كلاما قليلا لكنه عظيم النفع وكبير المعنى.فالحمد لله أنا منتسبون إليهم،سائلين الله التوفيق للإقتداء بهم.
والجادة هي الطريق المسلوك.وقد يظن البعض أن السلف هي مرحلة زمنية ماضية ،ولكنهم مخطئون فالسلف المقصود به اتباع السلف في أقوالهم وأفعالهم والسلف هم الصحابة فمن بعدهم ممن اقتفى أثرهم.
ومن آداب طالب العلم المقتدي بالسلف:
* ترك الجدال: و(الجدال)هو المناظرة والمخاصمة ومقابلة الحجة بالحجة،و منه ماهو مذموم ومنه ماهو محمود،وورد ذكر كلا النوعين في الآية الكريمة قال عزوجل:" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم "فالجدال المحمود مع من لم يكن ظالما ،أي أن يكون الطرفان قاصدان البحث عن الحق والانتصار له لا لحظ النفس ،وأن يكون بأسلوب حسن وبالحكمة والموعضة الحسنة،أما الجدال المذموم فهو الجدال العقيم الذي يكون مع الظالم المتعنت القاصد للإنتصار لنفسه.فيكون الجدال بلا نفع ولاثمرة بل يصير مراءا .
والمراء هو الأمر الثاني الذي وصى به المصنف طالب العلم المقتدي بالسلف أن يتجنبه،فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا زعيم ببيت في أوسط الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا ".
فإذن الجدال الجائز هو الذي يُقصد به إعلاء كلمة الله وإظهار الحق،وهداية من يجادل وبأسلوب حسن فإن بيَّن الحق ووضحه وظل الطرف الآخر على اصراره ترك حينها الجدال لأنه صار مراءا ولانفع منه.
3* ترك الخوض في علم الكلام:والمراد بذلك الحديث في المباحث العقدية على مقتضى الطرائق اليونانية الفلسفية وعلى طرائق غير المسلمين.وهذا العلم قد اودى بكثير من جهابذة العلم إلى التأويل في الصفات،وأودى بالكثيرين إلى ماتحمد عقباه،حتى تمنى بعضهم في آخر عمره لو مات على عقيدة عجائز نيسابور.فعلم الكلام لاخير فيه وكيف يكون الخير في علم يعرِّف العقل ،فمتى احتاج العقل إلى توضيح !!!!!
قال الذهبي رحمه الله: "وصح عن الدراقطني أنه قال: ماشيء أبغض إلي من علم الكلام، قلتُ أي الذهبي ): لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال،ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيا" اه.
فالدراقطني كان يبغض علم الكلام رغم انه لم يدخله ولكنه رأى مافيه من إفساد للعقائد وإرباك للأفكار وهجر للأثار،ولهذا لا أضر على المسلم في عقيدته من علم الكلام والمنطق.
وكما قال ابن تيمية في الفتوى الحموية فيما معناه أن الخوف كل الخوف على المتوسطين من علماء الكلام،فهم لم يتعمقوا فيه ليعرفوا بطلانه وفساده فيرجعوا عنه مثل الكثيرين ولا يُخاف على الذين في أوله فهم لازالوا بعافية منه،ولكن أنصاف المتعلمين الذين في عرض الطريق هم الذين ضلوا وأضلوا معهم.
*وعلم الكلام خطير جدا لأنه متعلق بذات الله عزوجل وصفاته فهو يبطل النصوص تماما ويحكم العقل،ولهذا كان من قواعدهم أن ماجاء من النصوص في صفات الله فهو على ثلاث أقسام:
1-أقره العقل فهذا نقره بمقتضى العقل لا السمع (أعوذ بالله)
2-نفاه العقل فهذا يجب علينا نفيه دون تردد،لأن العقل نفاه.فانظر عافاك الله وقد قال مالك رحمه الله: ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أخذنا قوله وتركنا الكتاب والسنة!!
3-ما لم يرد العقل بإثباته ولانفيه، فمن قال باشتراط الاثبات دلالة العقل قال يُرد لأن العقل لم يثبته،ومن قال باشتراط الاثبات أن لا يرده العقل قال انه يُقبل. والأكثر على أنه يُرد ولايقبل ،والبعض توقف.
وكلها قواعد ماأنزل الله بها من سلطان،نسأل الله السلامة والثبات على الحق حتى نلقاه.
**قال المصنف ان من اتبع آثار من سلف ونهج نهجهم وتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم وترك الجدال والمراء ولم يخض في علم الكلام فهو من أهل السنة والجماعة حقا.
*وبعض المتأخرين قسموا أهل السنة والجماعة إلى قسمين : المفوضة والمؤولة. فجعلوا الأشاعرة والماتردية من أهل السنة والجماعة وجعلوا السلف هم المفوضة. فالأشاعرة أولوا النصوص والسلف برأيهم فوضوا معناها، ثم قالوا طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم،وهذا من التناقضات فكيف تكون طريق أعلم وأحكم من غيرها ولا تكون أسلم،وإنما قالوا هذا لفهمهم الخاطئ لمنهج السلف ،لأن السلف لايفوضون المعنى إطلاقا .
وقد قال ابن تيمية رحمه الله : إن القول بالتفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد."
واستدل على ذلك اننا إن كنا لا ندري معاني ماأخبر الله به عن نفسه من أسماء وصفات جاءنا الفلاسفة وقالوا انتم جهال ونحن عندنا العلم، فيتكلمون بما أرادوا ويتقولون الأقاويل.
فأهل السنة والجماعة هم السلف الصالح وليسوا بمفوضة ولا مؤولة.فالسلف يثبتون لله ماأثبته لنفسه ،أو أثبته له رسوله الكريم من غيرتحريف ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل .وطريقتهم أسلم وأحكم وأعلم ولله الحمد.
*ثم ذكر المصنف كلمة ابن تيمية " أهل السنة نقاوة الناس" أي صفوتهم، "وهم خير الناس للناس" لأنهم يرشدون الناس إلى الحق ويحسنون إليهم ويكفون أيديهم وألسنتهم عن المؤمنين،أما اهل البدع فلابد للرد عليهم وهكذا كان دأب سلفنا الصالح.هدانا الله إلى اتباعهم والاقتداء بهم.آمين
3/ ملازمة خشية الله:
وهو الأدب الثالث الذي ذكره المصنف – رحمه الله- فعلى طالب العلم أن يلازم خشية الله تعالى بحيث يمتلئ قلبه بالخوف منه سبحانه عزو وجل ،فيبادر إلى طاعته وترك معصيته ،فيجاهد نفسه لارضاء ربه عزوجل.
والفرق بين الخوف والخشية: على أقوال منها:
* ماقاله ابن القيم : من ان الخوف يدل على الهرب والاضطراب فالخائف تجده جازعا مضطربا.
والخشية تدل على السكينة والاعتصام والثبات فتجد من يحملها معتصما بالله ثابتا ساكنا، ولهذا كان العلماء اخشى الخلق لله.
* ومنها: أن الخائف يخاف العقوبة ومتعلق بها والذي يتصف بالخشية تجده يخشى مُنزل العقوبة.
*وقالوا: أن الخوف يكون لضعف الخائف والخشية لعظم المخشي.
- فالعبد مطالب بهما كلاهما، مطالب بالخوف من الله عزوجل لأنه العبد ضعيف لا حول له ولا قوة،لايقدر على شيء من دون توفيق الله وإعانته، والدليل ( إنما ذلكم الشطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )).
- ومطالب بالخشية لأنه لا أعظم من الله ولا أكبر منه، وقد قال تعالى (( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ))، لأن من عرف الله وعلم عن عظمته وجبروته وأنه الغني القوي ، يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الملك وهو على كل شيء قدير،ويعلم مافي البر والبحر وهو العليم بذات الصدور. خشيه بل وعظمت خشيته له. قال تعالى : (( أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ماأمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب )).
ولذلك قال تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - :" كل عاص لله فهو جاهل." وصدق رحمه الله، معصية الله من أعظم أسبابها الجهل و الهوى.
*** تنشأ الخشية من أمور :
* أن يعلم صفات الله وقدرته عزو وجل وأنه مطلع عليه في سره وعلنه،لايغفل ولاينسى،لاتأخذه سنة ولا نوم.
*ان يعلم العبد ويتيقن أن الله قادر عليه وقادر على إنزال العقوبة به وإهلاكه،فقد اهلك أمما كانوا أشد قوة وآثارا، فكيف بعبد ضعيف.
*وأن يعلم قرب الآخرة منه فهو عما قريب راحل عن هذه الدنيا كأنه لم يلبث فيها إلا يوما أو بعض يوم ،فيلقى ماجنته يداه حاضرا ولا يظلم ربك احدا.
*** والخشية موقعها في القلب ولها أثر على الجوارح، ومن آثارها :
*إظهار شعائر الإسلام ،والمحافظة عليها.
*اإظهار السنة والحفاظ عليها.
*الدعوة إلى السنة والعمل على نشرها ،وذلك بأن يكون داعيا بعلمه وعمله.فخير العباد من يخشى الله،ويخشى الله من عباده العلماء،فهم خير الناس،ولايكون العالم عالما حتى يعمل بعلمه فيكون داعيا بعمله قبل علمه.
*أن يكون ذا خلق حسن سهلا لينا مع خلق الله،ذا سمت حسن،(أي صفاته الظاهرة).
*** وذكر المصنف أثر (( هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل )) وقد رواه 9 آباء.وهو منسوب لعلي بن أبي طالب وقيل لسفيان الثوري،ولكنه ضعيف جدا ولايصح لأن فيه عبد العزيز التميمي وهو مُتكلم فيه.
كن معناه صحيح، فمن ترك العمل بالعلم، نسيه وسُلب بركته، و العلم إنما يُراد به العمل.
اضيف ان اذنت لي بعض التعاريف التي ذكره شيخنا حفظه الله في الدرس الثاني ليسهل الرجوع اليها المراقبة : ملاحظة الرقيب وتعين العبد بان الله مطلع عليه ظاهراً وباطناً
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم المراقبة بحديث جبريل عليه السلام حينما ساله عن الاحسان بان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك) السر: هو ماخطر على القلب الاخفى: مالم يخطر بعد على قلب العبد
فالله يعلم السر واخفى
الخيلاء: هو الاعجاب بالنفس مع اظهار ذلك بالبدن يُغلّب فيه جانب الفعل الفخر: يُغلّب فيه جانب القول الكبر: هو بطر الحق وغمط الناس بطر الحق: أي دفع الحق وعدم قبوله وعدم الانقياد له غمط الناس: احتقارهم العفاف: الكفّ عمّا لاينبغي ولايليق الوقار: هي السكينة وتكون في الهيئة مثال ذلك غض البصر الرزانة : هي الثقة والرزانة وهي اعم تستخدم في الانسان وغير الانسان بخلاف الوقار
الصفة الرابعة وهي التحلي بدوام مراقبة الله عزوجل ،فيراقبه في عمله الظاهر وفي نيته ومقصده، فالله عزوجل قال: ((إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء )).وقال تعالى عن نفسه (( يعلم السر وأخفى ))
وفسر بعض العلماء السر هنا بما لم يتحدث به بلسانه ،بل ما خطر على قلبه.
الأخفى هو ما لم يخطر بعدُّ على قلب العبد ، يعلم ربُّ العزة و الجلال صفته ويعلمُ وقته ، و إذا تأمل العبدُّ هذا العلم وسعته إمتلأ قلبه إجلالا و عظمة وهيبة
والمراقبة من راقب ، هذه المادة الراء و القاف و الباء تدل على مراعاة الشيء و على ملاحظته و لذلك يعرف العلماء المراقبة بأنها ملاحظة الرقيب و تيقن العبد بأن الله مطلعٌ عليه ظاهراً و باطناً،يسمع كلامه ويرى أفعاله و يعلم ما في نفسه.
،وعلى العبد أن يتصف بهذه الصفة في كل حال، حال خلوته وحال وجوده مع الناس لأن الله عزوجل مطلع عليه في جميع أحواله(( إن تخفوا مافي صدوركم أو تبدوه يعلمه الله )).ومن لازمها على كل حال رفعته إلى أعلى المراتب في الدين وهي الاحسان: أي ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وصفة المراقبة تجعل العبد يسير بين خوف من اطلاع الله عليه وهو فيما لايرضيه فيأخذه أخذا شديدا، وبين رجاءٍ في اطلاع الله عليه وهو على مايرضيه فيرضى عنه ويتقبل منه ماقدم.
وعلى العبد أن يوازن بين الرجاء والخوف فأيهما غلب هلك.فهما كالجناحان للطائر.ورأس الأمر المحبة والتعظيم.
وقد وقع خلاف بين أهل العلم في أيهما يُغلِّب العبد، فقال أحمد رحمه الله بأن العبد لابد أن يوازن بينهما فأيهما غلب هلك
وقال البعض: يكون التغليب بحسب حال الانسان فإن كان مقبلا على عبادة رجا قبول الله لها فليغلب الرجاء،ومن هم بمعصية يخاف عقوبة الله فليغلب الخوف ليرتدع.ويظهر أنه الصواب والله أعلم.
*ولكن الرجاء لابد فيه من عمل وتقرب إلى الله ثم يرجوه أن يقبل منه ويوفقه،أما الرجاء مع معصية الله والمداومة على مايغضبه جل جلاله فهذا مجرد تمني وليس رجاءا أو إحسانا بالظن وكما قيل :الأماني رأس مال المفاليس.
*وعلى طالب العلم ،بل وعلى كل عبد لله أن يُقبل بكليته على الله عزوجل، فمن أقبل عليه بصدق أعانه ووفقه وسدد خطاه، فيؤيده بنصره فقد قال تعالى (( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)) ،
*وعليه أن يملأ قلبه حبا لله فهي من أعظم القربات إليه عزوجل،فقد قال تعالى (( والذين ءامنوا أشد حبا لله ))،
*وعليه أن لايفتر لسانه عن ذكره، فيذكره على كل حال اقتداءا بالنبي عليه أفضل الصلاة والتسليم،ويذكره حال خلوته وفي كل أوقاته، فبذكره جلا وعلا تطمئن القلوب وتهدأ النفوس وتنزل السكينة،وتذهب وساوس الشيطان ،وينال العبد الإعانة من الله،قال تعالى(( فاذكروني أذكركم )).
***عظم فضل الذكر: فلو عرفنا عظمته لما فترت ألسنتنا عنه،فهو:
* من أعظم الأسباب لنيل الأجر العظيم،كما قال عليه الصلاة والسلام :سبق المفردون (أي الذاكرون الله كثيرا والذاكرات).
* وهو من أسباب تحصيل العلم النافع،وفتح الذهن للفهم الصحيح،وجعل القلب مكانا طيبا خصبا لحمل العلم.
*أنه من أسباب البركة في العمر والوقت،فمن حافظ عليه زالت عنه وساوس الشيطان التي تذهب بالأوقات دونما شعور.
*أن الله مدح المؤمنين وأثنى عليهم بكثرة ذكرهم له وأمرهم بذلك فقال : ((يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا)).
ووصف المنافقين بعكس المؤمنين فقال : (( ولايذكرون الله إلا قليلا )).
وأعظم انواع الذكر : قراء القرآن.
*-*-* ومن الصفات التي ينبغي على طالب العلم التحلي بها الفرح بأحكام الله وحكمه ، فلا يتحرج مما أنزل الله ويضيق صدره بما فرضه عليه من أحكام،بل يفرح أن جعله الله مسلما موحدا وبعث له أفضل الكتب وخير الانبياء وخاتمهم ،ويفرح أن حرم الله عليه الخبائث،وكرمه وفضله على كثير ممن خلق بأن جعله مسلما موحدا، على مذهب أهل السنة والجماعة.
وهذا الأدب الخامس الذي ذكره المؤلف، لأنه لابد لطالب العلم من التواضع لله ولخلقه، فيخفض جناحه لمن حوله فيُحسن إليهم ويعاملهم بكل تواضع ، فلايرى نفسه أفضل من غيره ،ولا يزدري من حوله مهما كانت أحوالهم،فمن علم أن كل نعمة وفضل هو فيه إنما من فضل الله وحده عزوجل وبتوفيقه لما ازدرى أحدا ولا ترفع.
النبذ بمعنى الطرح و الترك ، لكنه مع الإهانة و الاستغناء عنه ، ومنه قوله تعالى :" فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ "يعني طرحوه إستهانة منهم .
فعلى طالب العلم أن ينبذ الخيلاء والكبر ويتجنبهما .
فالخيلاء هي رؤية النفس على أنها أرفع وأعظم من غيرها ،فيختال بمشيته وتصرفاته،فقد قال صلى الله عليه وسلم :" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله له يوم القيامة."
_ والفرق بين الخيلاء و الفخر أن :
الفخر: يُغلب فيه جانب القول فيظهر إعجابه بنفسه بكلامه وقوله .
والخيلاء: يغلب فيه جانب الفعل فيظهر إعجابه بنفسه ببدنه وفعله.
قال : فإنه نفاق وكبرياء : نفاق لأنه خلاف الحقيقة و لذلك الخيلاء في الأصل مشتق من الخيال صورة مجردة لاحقيقة لها بل مجرد تصنع .
وأما الكبر: فهو جحد الحق واحتقار الخلق،ومن دخل الكبر قلبه حُرم الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر،قالوا :يا رسول الله :إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم :الكبر بطَرُ الحق وغمْط الناس". بطر الحق:جحده ورده، غمْط الناس: احتقارهم.
وقال المؤلف أنه على طالب العلم أن يتحلى بآداب النفس من :
*العفاف: وهو ترَفُّع النفس عما لايليق بها، فتترفع عن مافي أيدي الناس وعن الفواحش عن ما يخدش مروءة المرء.
*الحلم: وهو الأناة والتجاوز عمن ظلمه فلا يعاجل بالعقوبة.
*الصبر: وهو تحمل مايواجهه ،فعليه أن يصبر على أذى الناس، ويصبر على مشاق العلم، ويصبر على جفاء بعض معلميه، ويصبر على طاعة الله وعن معصيته.
*التواضع للحق: بأن يقبل الحق ويرضخ له، فلا يستكبر ولايترفع عن قبوله من أي أحد كان،مهما كنت منزلته.
*وأن يسكن كسكون الطائر من الوقار والرزانة: والرزانة أعم ،فعلى طالب العلم أن لايكون خفيفا سريعا ثائرا ،ولا طائشا متهورا ،ولا كثير الضحك والقهقهة أو كثير الكلام فيما لايعني ويتجنب كثرة القيل والقال، بل يجب عليه أن يجعل لنفسه ولعلمه هيبة في قلوب من حوله ليقبلوا منه الحق فيكون رزينا ذا وقار لأن توقير طالب العلم لنفسه إنما هو توقير لعلمه وللحق الذي يحمله بصدره.
*خفض الجناح: فيتواضع لمن حوله ويتواضع للحق ولمن قال به ،متحملا ذلة التعلم رجاء نيل عزة العلم.
لماذا قال المصنف تحلى بأداب النفس مع العفاف والحلم ..... مع الوقار و الرزانة ؟
لأنه أراد أن يدفع فهما خاطئا و توهما قد يتوهمه القارئ فقد يظن أن معنى تواضع و إهضم نفسك وإلتصق بالأرض بمعنى أن يكون ذليلا مهينا ،ينظر إلى سفاسف الأمور، ويتشوق لما في أيدي الناس ، فنفى هذا التوهم فقال مع العفاف والحلم والصبر و ذكر الوقار و الرزانة ،
*** و هذه الآداب تورث المتصف بها إذا نوى بها التقرب إلى الله أجرا عظيما ،وتوفيقا في العلم والعمل ومحبة الله ثم الناس له وقبولهم الحق منه، ومن أتى بنواقضها فإنه :
*يأثم *ويمقته الله *ويمقته الناس *يحرم العلم والعمل به.
*-*-* وقد بلغت شدة توقي السلف للكبر والخيلاء مبلغا، فقد كان الأسود العنسي إذا خرج من بيته أمسك شماله بيمينه مخافة أن تتحركا بطريقة فيها خيلاء،وهذا تطبيقا للنصوص المُحذِّرة من الخيلاء، والمرغبة في التواضع وخفض الجناح.
*والأمر يختلف من منطقة إلى أخرى فقد يكون أمر ما شائعا في منطقة وزمان معين فيكون لا بأس به ،ولايكون شائعا في زمن آخر بل يصير خاصا بالعلماء أو الوجهاء فيصير فعله من الخيلاء .
*وحذر المؤلف –رحمه الله – طالب العلم من :
- داء الجبابرة: وهو الكبر
- ومن الحرص:وهوالرغبة الشديدة و الإسراع بالنفس من أجل الطمع.
- ومن الحسد :وهو تمني زوال النعم التي أنعم الله بها على الغير.
وهذه الأمور هي أول ماعُصي اللهُ به كما قرره طائفة من العلماء،فإبليس حسد آدم وأبى أن يسجد له تكبرا لأنه خُلِق من نار وآدم من تراب.
ومن امثلة الكِبر المذمومة شرعا :
* تطاول طالب العلم على شيخه ومعلمه ،والتطاول :هوالترفع ورفع الصوت والتحقير من شأنه بكلام أو فعل.
*استنكاف طالب العلم عن قبول الحق ممن هو دونه تكبرا وترفعا.
*التقصير عن العمل بالعلم ،فقد يترك سنة ما أو واجبا لأن من حوله لا يفعلونه أو ينظرون بعين النقص لمن فعله كاللحية وغيرها فهذا من الكبر.
** ثم استشهد المؤلف ببيت شعري:
فالعلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي
المتعالي:المتكبر، ومعناه أن السيل لا يرد مكانا عاليا كذلك العلم لايناله متكبر.
*-*ثم نصح المؤلف طالب العلم باللصوق إلى الأرض وإزرائها، فالنفس محبة للعُجب وللظهور فراقبها فإن رأيت منها استشرافا للكبرياء والتغطرس فالجمها وعودها على التواضع، فالنفس كالطفل إن فطمته انفطم وإن لم تفطمه شب على حب الرضاع،فالنفس قابلة للتعود والتطبع، وربما يكون في ذلك مجاهدة عظيمة،لكن على طالب العلم أن ينشغل بإصلاح نفسه، لأن مدار الأمر عليها،فإن ترك لها الحبل تمادت وتكبرت وتجبرت دونما حق،فالتكبر محبط العمل مُضيعٌ للبركة، مبعد عن الحق.
*-*-*فإن من آفات النفس المُهلِكة الكبر والغطرسة وحب الظهور والإعجاب بالنفس، وكلما ترقى الإنسان فعليه مداومة ردع نفسه وترويضها وتعويدها على التواضع ،فمن تواضع لله رفعه، ولاتُنال الرفعة بالتكبر والتغطرس،بل ذلك يجعلها ذليلة خسيسة لا يُقام لها وزن.ومن لزم التواضع رفعه الله وحاز على السعادة والفلاح.
فعن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني قال كان أبي واقفا بعرفة فرق( أي رقت نفسه)"" فقال: لولا أني فيهم لقلت قد غُفر لهم ""
وقد خرجه الذهبي وقال:كذلك العبد ينبغي أن يزري على نفسه.اه أي بتنقصها.
هذا كلام بكر بن عبد الله المزني رحمه الله وهو العالم الإمام الحجة، قد نشر العلم وبثه ورغم ذلك يخاف أن لا يُغفر للحجيج لأنه بينهم.فسبحان الله، شتان بين قوم عرفوا حقيقة الدين والدنيا وبين قوم يظنون أنهم على حق والواقع يقول خلاف ذلك.
نسأل الله أن يوفقنا ويزيننا بالتواضع والحلم والعفاف وأن يجعلنا مخلصين له عالمين عاملين داعين إلى طريق الهدى إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بارك الله فيكي وجزاكي ربي الجنة . كنت احتاج لهذا كثيرا, ولكن هناك كلمات قليلة مكتوبة بالدرس زائدة عن التسجيل , هل قالها الشيخ في المباشر؟ام هي من اين ؟ , مع العلم من حاجتنا اليها طبعا؟
وهذا الأدب السادس من آداب طالب العلم ، وهو القناعة والزهادة.
فالقناعة : هي عدم استشراف النفس بما لم يُعطه الله للعبد،والرضا بما رزقه.
والزهادة مصدر مثل الزهد ، والزهادة والزهد واحد لكن بعضهم فرق بينهما فقال الزهد في الدين والزهادة اعم من ذلك فتكون في الدنيا
والزهد: هو ترك مالا ينفع في الآخرة من فضول المباح.
واما المؤلف فقد عرَّف حقيقة الزُهد بأنه الزهد بالحرام، والإبتعاد عن حماه،بالكف عن المشتبهات،وعن التطلع إلى مافي أيدي الناس.
وهذا يسميه الفقهاء الورع،فالورع ترك مايضر في الآخر والزهد ترك مالا ينفع فيها.
*و يؤثر عن الشافعي قوله: لو أوصى لأعقل الناس، صُرِف إلى الزهاد"، لأنهم تركوا مالا ينفعهم في الآخرة ولو كان مباحا، واشتغلوا بما ينفعهم.
(وأما صرف المال فيُصرف لمن يَرى أهل تلك المنطقة أنهم أعقل الناس.)
و قال السلف أن الزهد بين كلمتين في القران ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم( لايحزن ولاييأس على مامضى ولايفرح بالآتي..
وقال الامام احمد رحمه الله : الزهد قصر الامل والاياس ممافي ايدي الناس (فالزهد لاتعلق له بالظاهر)
»
فالزهد لا يعني ترك الدنيا،وإنما يعني الإقتصار على ماينفع،فقد أوتي داوود وسليمان عليهما السلام ملكا عظيما،و كعبدالرحمن ابن عوف وعثمان ابن عفان رضي الله عنهما كانوا من أغنياء الصحابة فهذا ليس مناقضا للزهد ،و إنما من جاءته الدنيا من غير أن يستشرف لها واستعملها فيما يرضي الله عزوجل، ولم يعص الله بها أو ينشغل بمباحاتها فهذا له أجر عظيم، فقد قال عزوجل: "وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ".
فالزهد عمل قلبي، وقد نقل الخلال عن الامام احمد رحمه الله انه سُئل عن الزاهد قيل له هل للمرء ان يكون زاهداً ومعه الف دينار من الذهب ؟ فقال الامام احمد نعم ، اذا لم يفرح اذا زاد ت ولم يحزن اذا نقصت
فمن آتاه الله ملكا فأطاع الله به ولم ينشغل بفضول المباح فهو زاهد وكذلك من لم يؤتى إلا مالا يسيرا فعصى الله أو اشتغل بما لا ينفعه في الآخرة فليس بزاهد، فالعبرة ليست بكثرة المال ولكن العبرة بما يُستعمل فيه.
وعن محمد بن الحسن الشيباني لما قيل له : ألا تصنف كتابا في الزهد؟ قال: قد صنفت كتابا في البيوع.
لأنه من يترك من البيوع مالا يجوز ومالا ينفع فذلك من الزهد.
*-*-* قال المصنف: "والزاهد من يتحرز من الشبهات" في معاملاته وسائر أموره.
*المشتبهات هو ماخفي حكمه ، والذي يخفى حكمه له صورتان:
ماخفي حكمه على العامي ومثل العامي هذا يجب ان يقف وان يجتنبه حتى يسأل اهل العلم عن حكمه
الصورة الثانية من المشتبهات في حق اهل العلم
المشتبه في حق اهل العلم ماتعارضت فيه الادلة ولم يتبين له فيه بقوة الادلة وتعارضها فهؤلاء يتوقفون في المسألة ويزهدون فيها ولايقعون فيها لانها من المشتبهات..
وعلى طالب العلم أن يعتدل في معاشه بما لا يُشينه ولا يُتكلم فيه بسوء، فيصون نفسه ويصون من يعول باجتنابه المحرمات والمشتبهات ومايخرم المروءة .
ولا يرد مواطن الذلة والهون،وكل ماقد يستنكره من حوله،وأن يُبعِد نفسه عن مواطن الريبة والشك.
*وأن يفرق بين التواضع والذلة ،فالتواضع تذلل لاجل الله فلايظلم الخلق ولايتكبر عليهم ، واما الذ ليل فهو من يهين نفسه لنيل شهواتها ولينال حظا من الدنيا ففرق بينهما ولهذا جاء في وصف سفيان الثوري رحمه الله قال وكان شديد التواضع في غير ذل
*-*-*و ذكر المؤلف رحمه الله شيخه محمد الأمين الشنقيطي ذلك العالم الجليل صاحب أضواء البيان أنه كان متقللا من الدنيا، لا يعرف الفئات النقدية، وقال له مشافهة: " لقد جئت من البلا د –شنقيط - ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد وهو ( القناعة ) ، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية" رحمه الله رحمة واسعة.
وماقصد الشيخ رحمه الله من كلامه هذا تزكية نفسه بل أراد النصح لطلاب العلم ، وهذا حال سائر علمائنا رحم الله موتاهم وحفظ من هم احياء. والله المستعان وعليه التكلان