حفظ تفريغات للحلية //للـــفائــدة//

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
الشريط الثالث .. الوجه الأول ..
nogom3.gif
نكــــمـــــل
nogom3.gif





kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ 11" - الإعراض عن مجالس اللغو:
لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابياً عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة. ] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
اللغو نوعان : لغو ليس فيه فائدة ولا مضرة , ولغو فيه مضرة .
أما الأول فلا ينبغي للعاقل أن يذهب وقته فيه , لأنه خسارة .
وأما الثاني فإنه يحرم عليه أن يمضي وقته فيه لأنه منكر , والمؤلف حمل اللغو على المعنى الثاني
لا شك أن المجالس التي تجتمع على المحرم لا ينبغي للانسان أن يجلس فيها
لأن الله تعالى يقول :
وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم
فمن جلس مجلس منكر وجب عليه أن ينهى عن هذا المنكر , فإن استقامت الحال فهذا المطلوب , وإن لم تستقم وأصروا على المنكر فالواجب أن سنصرف . خلافا لما يتوهمه البعض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
فإن لم يستطع فبقلبه
وأنا كاره لهذا المنكر بقلبي , وهو جالس معهم , فيقال له :
لو كنت كاره لهذا حقا ما جلست معهم لأن الانسان لا يمكن أن يجلس على مكروه إلا إذا كان مكرها , أما ان تجلس باختيارك في شئ تكرهه , فان كراهتك له ليس بصدق .
أما قوله : ، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة.
أما كونه جناية على نفسه فالأمر ظاهر , يعني أن طالب العلم يجلس مجالس اللهو والمنكر , فإن جنايته على نفسه واضحة . لكن كيف تكون جناية على العلم وأهله ؟
لأن الناس يقولون هؤلاء طلبة العلم , هؤلاء العلماء , هذا نتيجة العلم , وما أشبه ذلك , فيكون قد جنى على نفسه وعلى غيره .

fasel4.gif


kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ 12" - الإعراض عن الهيشات:
التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط ، وهذا ينافي أدب الطلب.] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
الهيشات : أي هيشات الأسواق , لأنها تشتمل على اللغط والسب والشتم .
وبعض طلبة العلم يقول أنا أدخل الأسواق من أجل أن أرى ما يفعل الناس وما يكون بينهم , فنقول هناك فرق بين الاختبار والممارسة , يعني لو ذكر أن في السوق الفلاني كذا وكذا , فهنا لا حرج عليك أن تذهب وتختبر بنفسك . لكن لو كان جلوسك في هذا السوق مستمرا , كل عصر تروح للسوق , لكان هذا خطأ بالنسبة لك لأنه إهانة لك ولطلبة العلم عموما وللعلم الشرعي أيضا

fasel4.gif


kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب ”الوسيط في أدباء شنقيط” وعنه في ”معجم المعاجم”:
“أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالماً، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب. فقال: بل لم يخل منه كتاب. فقال القاضي: هذا ”القاموس” يعنى أنه يدخل في عموم كتاب – فتناول صاحب الترجمة ”القاموس” وأول ما وقع نظره عليه: ”والهيشة: الفتنة، وأم حبين[1]، وليس في الهيشات قود”، أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج”أ هـ ملخصاً.] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
هؤلاء النقباء جرى بينهم فتنة فقتل من إحدى القبيلتين أربعة رجال فحضروا الى القاضي ,
والشيخ اسمه باب بن أحمد فقال : مثل هذا لا قصاص فيه , قال القاضي : إن هذا لا يوجد في كتاب . فأين الدليل على أنه لا قصاص فيه ؟ لا يوجد في أي كتاب أن لا قصاص في ذلك ,
فقال الشيخ : بل لم يخل منه كتاب , فقال القاضي : هذا القاموس ,
لأن الشيخ قال :منه كتاب . وكلمة كتاب عامة تشمل كل الكتب , لذلك قال القاضي : هذا القاموس . والقاضي الآن واثق من نفسه بأن الحكم غير موجود هنا لأنه ليس كتاب فقه وإنما كتاب لغة , فتناول صاحب الترجمة ”القاموس” وأول ما وقع نظره عليه: ”والهيشة: الفتنة، وأم حبين[2]، وليس في الهيشات قود”،
وقصتهم فتنة وليس في الفتنة قود : أي قصاص , فأخذ الحكم من هنا , وكان حكم القاضي بأن يقتل من القبيلة الأخرى أربعة خطأ , فتعجب الناس
طبعا الهيشة : الفتنة , وأم حبين : نوع من الحشرات تشبه الخنفسة ,

fasel4.gif


kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ 13" - التحلي بالرفق:
التزم الرفق في القول، مجتنباً الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.
وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة.] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
هذا من أهم أخلاق طلبة العلم , سواء طالبا أو معلما , كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ان الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله .
وما كان الرفق في شئ إلا زانه , وما نزع من شئ إلا شانه .
لكن لا بد أن يكون الانسان رفيقا من غير ضعف , أما أن يكون رفيقا ممتهن ولا يؤخذ بقوله ولا يهتم به , فهذا خلاف الحزم , فكن رفيقا في مواطن الرفق وعنيفا في مواطن الحزم . ولا أحد ارحم بالخلق من الله عز وجل , ومع هذا يقول :
"" الزاني و الزانية اجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله .""
لكل مقام مقال ,لو أن الانسان عامل ابنه بالرفق في كل شي حتى في مواضع الحزم , ما استطاع أن يربيه , مثلا الابن لو كسر الزجاج وشق الثياب و... ثم جاء الأب ووجده على هذه الحال فقال له : يا ولدي لا يصلح هذا وتكلم معه ... هل هذا يكفي ؟
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر .
لكن إذا دار الأمر بين الرفق والعنف , فما الأفضل ؟ طبعا الرفق , فإن تعين العنف صار هو الحكمة .
قوله : فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة
أقول :الكلام اللين يغلب الحق البين , يعني تليين الكلام للخصم ولو كان الحق معه ,فإنه يتنازل عن حقه . وليس معناه أن الكلام اللين يبطل الحق , يغلب الحق البين يعني فيما جاء به الخصم , لأنك إذا ألنت له الكلام لانَ لك , وهذا مُشاهد , إذا نازعت أحدا فإنه سيشتد عليك ويزيد وإذا ألنت له الكلام فإنه يقرب منك , ولهذا :
قال الله تعالى لموسى وهارون :
{ فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى }

fasel4.gif


kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ 14" - التأمل:
التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل:”تأمل تدرك”.
وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟ وتحرَّز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق، وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين؟ وهكذا.] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
وأيضا تأمل عند الجواب , كيف يكون جوابك : هل هو واضح ؟ ليس فيه لبس أو مبهم .
وهل هو مفصل أو مجمل .. حسب ما تقضيه الحال .
وقوله التأمل : يريد بذلك : التأني , وأن لا تتكلم حتى تعرف ما ذا تتكلم وماذا تكون النتيجة , ولهذا لا تضع قدمك إلا حيث تعرف السلامة , يعني عندما تخطو لا تكمل حتى تعرف أين تضع قدمك .
فالتأمل هذا مهم , لا تتعجل , إلا إذا دعت الحاجة الى ذلك ,
يقول الشاعر الناظم :
قد يدرك المتأني بعض حاجته ** وقد يكون مع المستعجل الزلل .

فإذا دار الأمر بين أن أتأنى وأصبر وبين أن أتعجل وأقدم , فالأول أقدم أولا , لأن القولة أو الفعلة إذا خرجت منك لا يمكن ردها لكن إذا لم تقل أو تفعل فأنت حر . فتأمل بماذا تتكلم به , وما هي فائدته
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت .
تحرز في العبارة والأداء وهذا أيضا من أهم ما يكون , يعني لا تطلق العبارة على وجه تؤخذ عليه , بل تحرز ,إما بقيود تضيفها الى الإطلاق وإما بتخصيص تضيفه الى العموم , وإما بشرط وما أشبه ذلك
ولكن نقول دون تعنت أو تحذلق أي دون أن تشق على نفسك , او تدعي انك حاذق ,
يقول وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد لعله أراد إذا كنت تذاكر غيرك وتناظره في شئ , فخذ القالب المناسب للمعنى المراد , وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين؟ وهكذا. وكذلك أيضا في الجواب وهو اهم لأن السؤال يسهل على المسؤول أن يستفهم من السائل , لكن الجواب إذا وقع مجملا فإنه يبقى عند الناس على تفاسير متعددة , كل انسان يفسر هذا الكلام بما يريد ويناسبه .

fasel4.gif

kalb1.gif
المـتـــن
kalb1.gif

*·.· ¤ [ [ 15" - الثبات والتثبت:
تحل بالثبات والتثبت، لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن ”من ثبت نبت”.] ] ¤ ·.·*


«-`¸`~*·.· ّ¤؛°`°؛¤ّ الشـرح ّ¤؛°`°؛¤ّ·.·*~`¸`-»
اهم ما يكون من الآداب هو التثبت , التثبت فيما ينقل من أخبار , والتثبت فيما يصدر منك من الأحكام , والأخبار إذا نقلت لا بد أن تثبت أولا , ثم إذا صحت فلا تحكم وتثبت الحكم لانه ربما يكون الخبر الذي سمعته مبني على أصل تجهله , فتحكم بأنه خطأ , والواقع غير ذلك . فكيف العلاج في هذه الحال ؟ العلاج هو الاتصال بمن نسب إليه الخبر . وتقول له نقل عنك كذا وكذا , ثم تناقشه . فقد يكون استنكارك ونفور نفسك منه لأول وهلة سمعته فيها لأنك لا تدري ما سبب هذا الموضوع , ويقال إذا عرف السبب بطل العجب .
فلا بد أولا من التثبت ,
الثبات معناه الصبر والمصابرة وألا يمل ويضجر وأن لا يأخذ من كل كتاب نتفة ومن كل فن قطعة ,لان هذا هو الذي يضر الطالب , يقطع عليه الأيام من غير فائدة , فلا يثبت على شئ , تجده مرة في الآجرومية , ومرة في متن القطر , ومرة في الألفية , ومرة في ألفية العراقي , ويتخبط في الفقه .....وهكذا ...
هذا في الغالب أنه لا يحصل العلم , ولو حصل علما فإنما يحصل مسائل لاأصول لها ,
وتفصيل المسائل كالذي يلتقط الجراد واحدة تلو الاخرى , لكن التأصيل والرسوخ والثبات هذا هو المهم . أثبت بالنسبة للكتب التي تقرأ أو تراجع , واثبت أيضا بالنسبة للشيوخ الذين تتلقى عنهم , لا تكن ذواقا كل أسبوع عند شيخ , قرر أولا من الذي ستتلقى عنده العلم , ولا بأس أن تجعل لك شيخا في الفقه وتستمر معه في الفقه , وشيخا آخر في العقيدة وتستمر معه في العقيدة ... وهكذا .. المهم أن تستمر لا ان تتذوق وتكون كالرجل المطلاق كلما تزوج امرأة أيام تركها وذهب الى اخرى هذا يبقى طول عمره لم يتمتع بزوجة ولم يحصل على اولاد في الغالب ,
والتثبت من اهم الامور , التثبت فيما ينقل عن الغيب , لان أحيانا ينقلون ما يشوه سمعة المنقول عنه , قصدا وعمدا , وتارة لا تكون لهم مراد سيئ , لكنهم يفهمون الشئ على خلاف معناه الذي أريد به , ولهذا يجب التثبت , فإذا ثبت بالسند ما نقل فحينئذ يأتي دور المناقشة مع الذي نُقل عنه , قبل ان تحكم على هذا القول , بانه خطأ أو غير خطأ , وذلك لأنه ربما يظهر لك بالمناقشة ان الصواب مع هذا الذي نقل عنه الكلام وإلا من المعلوم أن الانسان لو حكم على شئ بمجرد السماع من اول وهلة لكان منقضي عنه أشياء تنفر منها النفوس , عن بعض العلماء الذين يعتبرون منارات للعلم . لكن عندما يتثبت ويتامل ويتصل بهذا الشيخ مثلا يتبين له الامر
يقول وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن ”من ثبت نبت”، ومن لم يثبث لن ينبت ولن يحصل على شيء.
(الدقيقة 29 من الشريط الثالث الوجه1)

fasel4.gif



nogom3.gif
wardahsagerah.gif
انتهى الفصل الاول
wardahsagerah.gif
nogom3.gif
 
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذُكر أخلاق من سلف ينشد:
لا تعرضنَّ بذكرنا مع ذكرهم ................... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
صحيح.
45- زكاة العلم:
أدِ زكاة العلم, صادِعا بالحق، أمَّارا بالمعروف, نهَّاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرا للعلم، وحب النفع، وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ قال :"إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم وغيره.
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك, ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان.
ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفساق وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
هذه زكاة العلم, تكون بأمور:
الأمر الأول: نشر العلم, هذه من زكاته, كما يتصدق الإنسان بشيء من ماله, فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه, وصدقة العلم أبقى, وأبقى دواما, وأقل كلفة ومئونة, أبقى دواما لأنه رُبَّ كلمة من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس, ومازلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه, ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده, وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم وعلومهم, فهذه زكاة, وأي زكاة, وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده.
يزيد بكثرة الإنفاق منه ………………………….…. وينقص إن به كفًّا شددت
تزيده وتنميه, هذه من زكاة العلم.
ومن زكاة العلم أيضا: العمل به, لأن العمل به دعوة إليه بلا شك, وكثير من الناس يتأسون بالعالم في أخلاقه وأعماله, أكثر مما يتأسون بأقواله, وهذا لا شك زكاة, زكاة, وأي زكاة, لأن الناس يشربون منها ويردون إليها فينتفعون.
ومنها أيضا ما قاله المؤلف: أن يكون صداعا بالحق, وهذا من جملة النشر, لكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس, وقد يكون في حال الخطر, فيكون صداعا بالحق.
ومنها _أي من تزكية العلم_ وهو الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك أنه من زكاة العلم, لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف بالمعروف وعارف بالمنكر, ثم قائم بما يجب عليه نحو هذه المعرفة, وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول _ رحمه الله وعفا عنه_: (أدِ زكاة العلم, صادِعا بالحق، أمَّارا بالمعروف, نهَّاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار) , ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أول من يُطالَب به هم أهل العلم, لأن الله تعالى حمَّلهم العلم, والعلم لابد له من زكاة. والمعروف: كل ما أمر الله به ورسوله. والمنكر: كل ما نهى الله عنه ورسوله. موازنا بين المصالح والمضار: أي مصالح الأمر ومضاره, لأنه قد يكون من الحكمة ألا تأمر, و قد يكون من الحكمة ألا تنهى, حسب ما تقتضيه المصلحة, فالإنسان ينظر إلى المصالح والمضار.
وقوله (ناشرا للعلم وحب النفع) يعني تنشر العلم بكل وسيلة للنشر, من قول باللسان, وكتابة بالبنان, وبكل طريق. وفي عصرنا هذا سهَّل الله سبحانه وتعالى الطرق لنشر العلم, فعليك أن تنتهز هذه الفرصة, من أجل أن تنشر العلم الذي أعطاك الله إياه, فإن الله تعالى أخذ على أهل العلم ميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتمونه, ثم ساق المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الإنسان إذا مات "انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له", والشاهد من هذا الحديث قوله " أو علم ينتفع به ".
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
هذا قصور, والصواب خلاف ذلك, المراد بالصدقة الجارية صدقة المال, وأما صدقة العلم فذكرها بعدُ بقوله " أوعلم ينتفع به أو ولد صالح " المراد به الولد بالنسب, لا الولد بالتعليم. فحمل الحديث على أن المراد بذلك العالم يُعلم فيكون صدقة ويبقى علمه بعد موته فينتفع به ويكون طلابه أبناء له, فهذا لا شك أنه تقصير في تفسير الحديث. والصواب: أن الحديث دل على ثلاثة أجناس مما ينتفع به الإنسان بعد موته, وهي الصدقة الجارية المستمرة, لأن الصدقة إما جارية وإما مؤقتة, فإذا أعطيت فقيرا يشتري طعاما, فهذه صدقة لكنها مؤقتة, وإذا حفرت بئرا ينتفع به المسلمون بالشرب, فهذه صدقة جارية.
 
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك, ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
الأولى أن يقال (ولبركة العلم) , فإن هذا أنسب لكونه يزيد بكثرة الإنفاق, فما وجه زيادته؟ وجه زيادته أن الإنسان إذا علَّم الناس مكث علمه في قلبه واستقر, وإذا غفل نسي. ثانيا أنه إذا علم الناس فلا يخلو هذا التعليم من فوائد كثيرة, في مناقشة أو سؤال, فيُنمي علمه ويزداد, وكم من إنسان تعلم من تلاميذه, قد يذكر التلميذ مسألة ما جرت على بال الأستاذ, وينتفع بها الأستاذ, فلهذا كان بذل العلم سببا لزيادته وكثرته.
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفساق وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت فهي فِعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.

شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
نعم, لا تيأس, ولا تقل: إن الناس غلب عليهم الفسق والمجون والغفلة, لا , ابذل النصيحة ما استطعت, ولا تيأس, لأنك إذا تقاعست واستحسرت فمن يفرح بذلك؟ الفساق والفجار, كما قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ...................... ونقري ما شئت أن تنقري
فلا تيأس, فكم من إنسان يئست من إصلاحه, ففتح الله عليه وصلح.
و لا تحملك دعوى فساد الزمان و غلبة الفساق و ضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء و البلاغ، فإن فعلت فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر ليتم لهم الخروج على الفضيلة و رفع لواء الرذيلة
لا تيأس و لا تقل إن الناس غلب عليهم الفسق و المجون و الغفلة، بل ابذل النصيحة ما استطعت لأنك إن تقاعست و استحسرت فإنما يفرح بذلك الفساق و الفجار، كما قيل:
خلا لكِ الجو فبيضي و اصفِري :: و نقّري ما شئت أن تنقِّري
فلا تيأس، فكم من إنسان يئست من صلاحه ففتح الله عليه و صلح
المتن :
46- عزة العلماء:
التحلي بعزة العلماء؛ صيانة العلم و تعظيمه و حماية جناب عزه و شرفه و بقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه و من العمل به، و بقدر ما تهدره يكون الفوت، و لا حول و لا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، و عليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء أو يمتطيك السفهاء، فتُلاين في فتوى أو قضاء أو بحث أو خطاب.
و لا تسعَ به إلى أهل الدنيا و لا تقف به على أعتابهم و لا تبذله إلى غير أهله و إن عظم قدره
شرح الشيخ رحمه الله:
هذا فيه شيء صواب و شيء فيه نظر؛ فصيانة العلم و تعظيمه وحماية جنابه لا شك أنه عز و شرف، فإن الإنسان إذا صان علمه عن الدناءة و عن التطلع عما في أيدي الناس و عن بذل نفسه فهو أشرف له و أعز، لكن كون الإنسان لا يسعى به إلى أهل الدنيا و لا يقف على أعتابهم و لا يبذله إلى غير أهله و إن عظُم قدره، ففيه تفصيل، فيقال: إذا سعيت به إلى أهل الدنيا و كانوا ينتفعون بذلك فهذا خير، و هو داخل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أما إن كانوا يقفون من هذا العالم الذي دخل عليهم و جعل يحدثهم موقف الساخر المتململ فلا ينبغي أن يهدي العالم لهؤلاء لأن هذه إهانة له و إهانة لعلمه، لنفرض أن رجلا دخل على أناس من هؤلاء المترفين و جلس و جعل يتحدث إليهم في أمور شرعية، و لكن شاهد أنهم يتململون و يتغامزون ووجوههم تتمعر، فهؤلاء لا ينبغي أن يحوم حولهم؛ لأن ذلك ذل له و لعلمه، أما إذا كان إن دخل على هؤلاء و جلس و تحدث وجد نفوسا تهش و أفئدة تطمئن ووجد منهم إقبالا، فهنا ينبغي أن يفعل. و لو دخل طالب علم صغير على مثل هؤلاء المترفين فربما يقفون معه موقف الاستهزاء و السخرية، لكن لو دخل عليهم من له وزن عندهم و عند غيرهم لكان الأمر بالعكس، فلكل مقام مقال. فإن رأيت من أهل الدنيا أنهم يقبلون على قولك و يطمئنون إليه و ينتفعون به فلا حرج أن تذهب إليهم و تدعوهم، و العكس بالعكس.
 
و متع بصرك و بصيرتك بقراءة التراجم و السير لأئمة مضوا، ترَ فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مُثُلا في هذا، مثل كتاب ((من أخلاق العلماء)) لمحمد سليمان رحمه الله تعالى، و كتاب ((الإسلام بين العلماء و الحكام)) لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، و كتاب ((مناهج العلماء في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)) لفاروق السامرائي. و أرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب ((عزة العلماء)) يسر الله إتمامه و طبعه. و قد كان العلماء يلقِّنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (ت392هـ) رحمه الله، كما نجدها عند عدد من مترجميه، و مطلعها:
يقولون لي فيك انقباض و إنما :: رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم :: و من أكرمته عزة النفس أكرما
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم :: و لو عظموه في النفوس لعظما
شرح الشيخ رحمه الله :
هذا الضبط فيه نظر، و الظاهر: و لو عظموه في النفوس لعُظِّما؛ أي لكان عند الناس عظيما، لكنهم لم يعظموه في النفوس بل أهانوه و بذلوه بكل غالٍ و رخيص. و هذه مرت علي في البداية و النهاية لابن كثير في ترجمة الناظم الذي نظمها، و إن كانت توجد في غيرها.
المتـن:
47- صيانة العلم:
إذا بلغت منصبا فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية التعليم أو الفتيا أو القضاء... و هكذا فأعط العلم قدره و حظه من العلم به و إنزاله منزلته.
و احذر مسلك من لا يرجون لله وقارا؛ الذين يجعلون الأساس حفظ المنصب، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق و يحملهم حب الولاية على المجاراة، فالزم -رحمك الله- المحافظة على قيمتك بحفظ دينك و علمك و شرف نفسك بحكمة و دراية و حسن سياسة، احفظ الله يحفظك، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة.
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
إذا أراد بهذا الحديث فليس هذا لفظه، بل لفظه ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)) و الجملة الثانية ((تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)). يريد بهذا الأدب أن الإنسان يصون علمه فلا يجعله متبذلا؛ بل يجعله محترما معظما، فلا يلين في جانب من يريد الحق بل يبقى طودا شامخا ثابت، أما أم يجعله الإنسان سبيلا إلى المداهنة و إلى المشي فوق بساط الملوك و ما أشبه ذلك فهذا أمر لا ينبغي، و لا يكون الإنسان صائنا لعلمه إذا سلك هذا المسلك. و الواجب قول الحق، لكن الحق قد يكون في مكان دون مكان، و الإنسان ينتهز الفرصة فلا يفوّتها و يحذر الزلة فلا يقع فيها، فقد يكون من المستحسن ألا أتكلم في هذا المكان بشيء و أتكلم في موضع آخر؛ لأني أعلم أن كلامي في الموضع الآخر أقرب إلى القبول و الاستجابة، فلكل مقام مقال؛ و لهذا يقول "بحكمة و دراية و حسن سياسة"؛ بحيث يتكلم إذا كان للكلام محل و يسكت إذا كان ليس للكلام محل، ز قوله -صلى الله عليه و سلم- ((احفظ الله يحفظك)) يعني احفظ حدود الله؛ كما قال الله تعالى: ((الحافظون لحدود الله)) -التوبة:112-؛ فلا ينتهكونها بفعل محرم و لا يضيعونها بترك واجب.
...وقوله ((يحفظك)) يعني في دينك ودنياك وفي أهلك ومالك فإن قال قائل إننا نرى بعض الحافظين لحدود الله يصيبهم ما يصيبهم فنقول : هذا زيادة تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم ولا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم ((أحفظ الله يحفظك .تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة )) قوله "يعرفك " لا تظن أن الله تعالى لا يعرف الإنسان إذا لم يتعرف إليه لكن هذه معرفه خاصة فهي كالنظر الخاص المنفي عمن نفى عنه كما في قوله تعالى {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مع أن الله لا يغيب عن نظره شئ لكن النظر , نظران:نظر خاص , ونظر عام .كذلك المعرفة :معرفة خاصة ومعرفه عامه والمراد هنا المعرفة الخاصة .
بقي أن يقال إن المشهور عند أهل العلم أن الله تعالى لا يوصف بأنه عارف يقال عالم ولا يقال عارف وفرقوا بين العلم والمعرفة بأن المعرفة تكون للعلم اليقيني والظني وأنها -أي المعرفة- انكشاف بعد خفاء .وأما العلم فليس كذلك فنقول ليس المراد بالمعرفة هنا ما أرادوه الفقهاء أو الأصوليون إنما المراد بالمعرفة هنا : أن الله تعالى يزداد عناية لك ورحمه بك مع علمه بأحوالك عز وجل
وأن أصبحت عاطلاً من قلادة الولاية وهذا سبيلك ولو بعد حين فلا بأس فإنه عزل محمدة ولا عزل مذمة ومنقصة
هذه قاعدة مهمة وهي أن الإنسان إذا أصبح عاطلا عن قلادة الولاية -وهذا سبيلك ولو بعد حين - يعني سوف تترك الولاية ولو بقيت في الولاية حتى الموت فإنك ستتركها لا بد وقوله :((فلا بأس فإنه عزل محمدة ولا عزل مذمة ومنقصة)) هذا أيضا ليس على عمومه ,لان من الناس من يعزل عزل محمدة وعزة لكونه يقوم بالواجب عليه من الملاحظة والنزاهة ,ولكن يضيق على من تحته فيحفرون له حتى يقع وهذا كثير مع الأسف ومن الناس من يعزل لأنه قد تبين أنه ليس أهلا للولاية فهل هذا العزل عزل محمدة أم عزل مذمة ؟ عزل مذمة لا شك
المتن :
ومن العجيب أن بعض من حرم قصداً كبيراً من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد ( التقاعد ) فهذا وأن كانت توبته شرعيه لكن دينه ودين العجائز سواء إذ لا يتعدى نفعه أما وقت ولايته حال الحاجة إلى تعدي نفعه فتجده من أعظم الناس فجوراً وضرراً أو بادر القلب أخرس اللسان عن الحق فنعوذ بالله من الخذلان
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
من العجب أن بعض الناس إذا عزل عن الولاية وترك المسئولية ازداد إنابة إلى الله عز وجل لأنه عُزل في حالة يحمد عليها فلجأ إلى الله وعرف أنه لا يغنيه أحد عن الله عز وجل وعرف افتقاره إلى الله تبارك وتعالى فصلحت حاله وأن كان انفصاله إلى غير ذلك فربما يمن الله عليه بالتوبة لتفرغه وعدم تحمله المسئولية فيعود إلى الله تبارك وتعالى
وأما قوله (( وأما في وقت ولايته وقت تعدي نفعه فتجده من أعظم الناس فجورا وضرراً)) هذا موجود بلا شك لكنه ليس فساد الناس والحمد لله لكن من الناس من يكون متهاونا في أداء وظيفته فإذا تركها رجع إلى الله عز وجل .
المتـن :
48- المداراة لا المداهنة:
المداهنة خلق منحط أما المداراة فلا ، لكن لا تخلط بينهما فتحملك المداهنة إلى حضار النفاق مجاهرة والمداهنة هي التي تمس دينك .
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
لا بد أن تعرف ما الفرق بين المداهنة والمداراة
المداهنة : أن يرضي الإنسان بما عليه قبيله كأن يقول لكم دينكم ولي دين ويتركهم
وأما المداراة فهو أن يعزم في قلبه على الإنكار عليه ولكنه يداريه فيتألفه تارة ويؤجل الكلام تارة أخرى وهكذا حتى تتحقق المصلحة
فالفرق بين المداراة والمداهنة ,أن المداراة يراد بها الإصلاح لكن على وجه الحكمة والتدرج في الأمور
وأما المداهنة فإنها الموافقة ولهذا جاءت بلفظ الدهن لأن الدهن يسهل الأمور والعامة يقولون في أمثالهم :أدهن السيل يسير يعني أعط الرشوة إذا أردت أن تمشي أمورك
و المطلوب من طالب العلم المداراة
المتن :
49- الغرام بالكتب :
شرف العلم معلوم نفعه وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس وظهور النقص بقدر نقصه وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء ولهم أخبار في هذا تطول وفيه مقيدات في ((خبر الكتاب)) يسر الله إتمامه وطبعه وعليه فأحرز الأصول من الكتب واعلم أنه لا يغني منها كتاب عن كتاب ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائيه لا سيما كتب المبتدعة
فإنها سم ناقع
شرح الشيخ ـرحمه الله ـ :
جمع الكتب مما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به ولكن يبدأ بالأهم فألاهم فإذا كان الإنسان قليل الراتب فليس من الخير لا من الحكمة أن يشتري كتب كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها فإن هذا من سوء التصرف ولذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم
الرجل الذي أراد أن يزوجه ولم يجد شيئا وأن يقترض ويستدين
واحرص على كتب الأمهات الأصول دون المؤلفات الحديثة لان بعض المؤلفين حديثا ليس عنده علم راسخ ولهذا إذا قرأت كتابا
ما تجد انه سطحي قد ينقل الشيء بلفظه وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء
فعليك بالأمهات ، عليك بالأصل ككتب السلف فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف
ثم أحذر أن تضم مكتبتك التي ليس فيها خير لا أقول التي
فيها ضرر بل أقول التي ليس فيها خير لان الكتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام خير وشر ولا خير ولا شر
فأحرص أن تكون مكتبتك خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شر هناك كتب يقال أنها كتب أدب لكنها تقطع الوقت وتقتله
من غير فائدة هناك كتب غامضة ذات أفكار معينه ومنهج معين فهذه أيضا لا تدخل مكتبتك ، سواء كان هذا في المنهج أو في العقيدة ككتب المبتدعة في العقيدة و كتب الثورية في المنهج لأنها ضارة لأن الكتب غذاء للروح كالطعام و الشراب للبدن فإذا تغذيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم و اتجهت اتجاه آخر خلاف ما ينبغي لطالب العلم
و ينبغي أيضا العناية بالكتب
 


المتن :



قوام مكتبتك:


عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.


وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب:


1- الحافظ ابن عبد البر (م سنة 463هـ) رحمه الله تعالى وأجل كتبه”التمهيد”.


2- الحافظ ابن قدامه (م سنة 620هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه المغنى”.


3- الحافظ ابن الذهبي (م سنة 748هـ) رحمه الله تعالى.


4- الحافظ ابن كثير (م سنة 774هـ) رحمه الله تعالى.


5- الحافظ ابن رجب (م سنة 795هـ) رحمه الله تعالى.


6- الحافظ ابن حجر (م سنة 852هـ) رحمه الله تعالى.


7- الحافظ الشوكاني (م سنة 1250هـ) رحمه الله تعالى.


8- الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة 1206هـ) رحمه الله تعالى.


9- كتب علماء الدعوة ومن أجمعها ”الدرر السنية”.


10- العلامة الصنعاني (م سنة 1182هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابة النافع ”سبل السلام”.


11- العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة 1307هـ) رحمه الله تعالى.


12- العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة 1393هـ) رحمه الله تعالى لا سيما كتابة:”أضواء البيان”.





هذا أيضا مهم ، أن يختار الإنسان لمكتبته الكتب الأصلية القديمة لان غالب كتب المتأخرين غالبها قليله المعاني كثيرة المباني تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها في سطر أو سطرين مع التعاريج و المطاب و التغريزات في بعض الكلمات التي لا تفهم إلا بعد افتراض لكن كتب السلف تجدها سهله هينة لينه رصينة لا تجد كلمه واحده ليس لها معنى .


ثم وصف هذه الكتب قال المنسوجة علي طريقه الاستدلال والتفقه في علل الأحكام


وهذا خير ما يكون لطالب العلم أن تكون المسائل مقرونة بالدلائل والدلائل إما نصوص وإما علل والعلل مستنبطه من النصوص لكن قد لا يكون نقد في هذه المسألة بعينها لكن تشملها العلة وأعلم أنه لا يوجد حكم من أحكام الله عز وجل إلا وله عله لأن الله تعالي قال " ذالكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم" فما من حكم إلا وله علة لكن من الأحكام ما نعلم علتها ونعلم أن لها أكثر من عله وبعضها يخفي عليك ولكننا وإن خفي علينا العلة الخاصة لا تخفي علينا العلة العامة وهي التعبد لله عز وجل فإن كمال التعبد لله أن تعبده عز وجل بما أمر سواء علمت الحكمة أم لم تعلم وهذا أبلغ في المقياس أن ينقاد الشخص في عمل لا يعرف حكمته وإنما يقوم به بمجرد التعبد والتذلل لله وقول الإنسان المقال والحال سمعنا وأطعنا هذه لا تكفي لو قال قائل مثلا ما العلة في أكل لحم الإبل نقول إن فتح لنا وفهمناها وهي علة خاصة مثلا فهذا مطلوب وإلا لعندنا العلة وهي التعبد لله فيما أمر


وكذلك العلة من رمي الجمرات ، لماذا نرمي هذه الجمرات حصى بمكان نتعبد لله به لأن الله أمر بذلك فقلنا سمعنا وأطعنا ولو كان هذا في غير هذا المكان وفي غير هذا الزمان لعد عبثا أو جنونا لو واحد منا طلع الآن السوق وأخذ حصيات وأخذ يحدف في الشارع أيش نقول في هذا هذا مجنون لكن لما وقع بأمر الله صار عباده لله عز وجل


إذا من أهم ما يكون اقتناء الكتب التي تجتمع علي المسائل والدلائل حتى تفتح لطالب أبواب العلم ثم اعلم أن الحكم الذي تقوم به مبني علي دليل تطمئن إليه النفس أكثر وتلتزم به أيضا أكثر لأنه مبني علي دليل علي نص أو عله داله عليه


ثم ذكر أمثله للكتب من اجلها كتب الشيخين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم رحمهم الله وقد حث شيخنا عبد الرحمن بن السعدي رحمه الله علي اقتناء الكتب لهذين العالمين الجليلين ومن المعلوم أن كتب ابن القيم أسهل وأسلس لأن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله كانت عباراته قويه لغزاره علمه وقوه عبارته وابن القيم رأي بيتا معمورا فكان منه التحسين


ولسنا نريد بذلك أن نقول أن ابن القيم نسخه من ابن تيميه ، أبدا ابن القيم حر إذا رأي أن شيخه قال ما يراه صوابا تكلم لمّا ذكر وجوب فصل الحج إلي العمرة وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه يري أنه يجب علي من يسق الهدي إذا أحرم بحج أو بقران أن يفسخه إلي عمره وكان شيخ الإسلام يري أن الوجوب خاص بالصحابة وقال :" و أنا إلي قوله أميل من قول شيخنا -شيخ الإسلام بن تيمية"- فصرح بمخالفته "


فهو-ابن القيم- رحمه الله مستقل حر الفكر لكنه لا غرو أن يتابع شيخه رحمه الله فيما يراه حقا وصوابا ولا شك أنك إذا تأملت غالب في الإسلام وجدتها أنها هي الصواب وهذا أمر يعرفه من تدبر كتبهم


فالمهم أننا نوافق الشيخ بكر بن أبا زيد كما أننا نتبع الشيخ كذلك رحمه الله بالحرص باقتنائه علي كتب شيخ الإسلام بن تيميه وتلميذه ابن القيم


كذلك أيضا


1- الحافظ بن عبد البر وأجل كتبه التمهيد شرح الموطأ وهذا الكتاب علي دلالته وغزاره علمه يصعب أن تحصل منه الفائدة لأنه غير مرتب إذ أنه بناه علي الأسانيد رحمه الله وساق الموطأ علي هذا المنهاج فصار الإنسان يتعب قبل أن يحصّل مسألة من مسائله ونرجو الله تعالي أن يوفق بعض شبابه من طلبه العلم إلي ترتيبه سواء ترتيبا كاملا في تغيير الكتاب أصلا أو ترتيبه بالفهارس وأظن ترتيبه بالفهارس سيكون سهلا يكون ثمة أوراقا ويسجل فيها مثلا ما يتعلق بكتاب الطهارة علي حده وما يتعلق بكتاب الصلاة علي حده حتى تجتمع ثم بعد ذلك يضم بعضها إلي بعض ولو فعل الإنسان ذلك لكان خدم هذا الكتاب خدمه عظيمه وخدم الناس الذين يريدون الانتفاع به


وكذلك أيضا


2-الحافظ بن قدامه رحمه الله أنا إلي الآن لا أسمع أحد وصف ابن قدامه أنه حافظ لكن لا شك أنه فقيه من أكبر الفقهاء رحمه الله يقول ورأس كتبه المغني وإنما قال وأرأس كتبه المغني إشارة إلي أنه رحمه الله له كتب علي الترتيب لطالب العلم ك الكافي


وأقنع طالب بمقنع فقه وأقنع بالمغني الفقه


لمن كان وعمدته من يعتمدها يحصل


فهو كتب في الفقه العمدة فيها مسائل ودلائل للطالب المبتدئ ثم المقنع للطالب الذي ترفع بعض الشيء وكان يذكر فيه القولين لمذهب الإمام أحمد إما الروايتين وإما الوجهين وإما الاحتمالين لكن بدون وجه الدليل ثم إذا ارتفع الإنسان إلي فيه ذكر القولين أو الاحتمالين أو الوجهين مع ذكر الدليل أو التعليل ثم يرتقي الر الرأس والقمه وهو المغني الذي يذكر فيه الموفق رحمه الله الخلاف في مذهب أحمد ومع الائمه الاربعه وغيرهم ولهذا قال ورأس كتبه المغني


3- الحافظ بن الذهبي أو الذهبي رحمه الله ولم يذكر شيئا من كتبه


4- الحافظ بن كثير وله الأحكام في شرح البخاري رحمه الله


5- الحافظ بن رجب وله كتب كثيرة في الحديث وكذلك في الفقه ومن ما أطلع عليه القواعد الفقهية حتى إن بعض العلماء قالوا إن هذه القواعد الفقهية ليست لابن رجب لأنها أكبر من مستواه ولكن الصحيح أنها له قد اشتهرت وتناقلها الناس وفضل الله يؤتيه من يشاء لكنني أعني القواعد الفقهية لطالب العلم الذي يريد التبحر في الفقه من أحكم ما رأيت لأنها مبنية علي التعليل وعلي المناقشة وفيها فوائد كثيرة وهي طبعا غير مرتبه ولكن في الطبعات رتبت علي أبواب الفقه في الفهارس


6- الحافظ بن حجر رحمه الله ولا هجره بعد الفتح له فتح الباري الذي نعرفه من كتبه وله كتب أخرى الحديثيه وربما يكون له كتب فقهيه


7- الحافظ الشوكاني وله كتب حديثيه فقهيه نيل الأوتار جامع بين علم الحديث والفقه هو فقه


8-الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أيضا له كتب متعددة في فنون متعددة وأكثر ما ألف فيه هو التوحيد يحبب الناس إلى ذلك


9- كتب علماء الدعوة ومن أثمنها الدرر الثنية والدرر الثنية كتب بعضها باعتبار المشايخ بحيث جمع لكل شيخ ما كتبه أو أجاب عنه أو أجاب عليه من أسئلة وجمعت علي وجه أخر مرتبه أبواب الفقه والعقائد وهي لا شك أنها نافعة جدا فيها رسائل صغيره وفيها أجوبة كثيرة نافعة


10- العلامة الصنعاني لا سيما كتابه سبل السلام في شرح بلوغ المرام فهو جامع بين الحديث والفقه


11- العلامة الصديق حسن خان رحمه الله تعالي وله كتب في الفقه وكتب في التفسير وتفسيره من أجمع التفاسير للأقوال مع اختصاره لكنه مفيد جدا وكان مشايخنا يوصوننا به أي بتفسير الصديق خان


12- العلامة العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله لاسيما كتابه أضواء البيان في التفسير لكنه في الحقيقة جامع بين التفسير والحديث والفقه ولاسيما حينما تجاوز البقرة وآل عمران والنساء أما كلامه في البقرة وآل عمران والنساء فهو قليل لكن فيما بعد ما شاء الله انفجر البحر وصار يتكلم بكلام قل أن تجده في غيره



التعامل مع الكتاب:


لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفة فيه، وكثيراً ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.



الشرح:



التعامل مع الكتاب يكون بأمور


الأول : معرفه موضوعه معرفه الموضوع حتى يستفيد الإنسان منه لأنه يحتاج إلى التخصص تقرأ الكتاب لا تدري ما هو ربما يكون كتاب شعوذة أو سحر أو باطل لابد أن تعرف الموضوع


الثاني : لابد أن تعرف مصطلحات وهذا في الغالب يكون في المقدمة لأن معرفه المصطلحات يحصل بها في الواقع أنك تحفظ أوقاتا كثيرة وهذا يفعله الناس في مقدمات الكتب فمثلا نعرف أن صاحب بلوغ المرام إذا قال متفق عليه يعني رواه البخاري ومسلم لكن صاحب المنتقي علي خلاف ذلك صاحب المنتقي إذا قال متفق عليه في الحديث فإنه يعني راوي الإمام أحمد والبخاري ومسلم


كذلك أيضا كتب الفقه يفرق بين القولين والوجهين والروايتين والاحتمالين كما يعرف الناس من تتبع كتب الفقهاء الروايتين عن الإمام والوجهين عند أصحابه لكن أصحاب المذهب الكبار أهل التوجيه والاحتمالين للتردد بين قولين والقولين أعم من ذلك كله


كذلك تحتاج أن تعرف مثلا إذا قال المؤلف إجماعا أو إذا قال وفاقا إذا قال إجماعا يعني بين الأئمة وفاقا مع الأئمة الثلاثة كما هو اصطلاح صاحب الفروع في فقه الحنابلة


وكذلك بقيه أصحاب المذاهب كل له اصطلاحه فلابد أن تعرف اصطلاح المؤلف



ثالثا :يكون التعامل مع الكتاب بمعرفة أسلوبه و عباراته و لهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ -لاسيما في الكتب العلمية المملوءة علما- تجد أنه تمر بك العبارة تحتاج إلى تأمل و تفكير في معناها لأنك لم تعلم فإذا كررت قراءة الكتاب فهمته


فأنظر مثلا إلى كتب شيخ السلام بن تيمية(رحمه الله ) الإنسان الذي لم يتمرن في مطالعة كتبه يصعب عليه أن يفهمها لأول مرة لكن إذا تمرن عرفه بيسر و سهولة هذه أيضا تكون من التعامل مع الكتاب


أما ما يتعلق بالأمر الخارج عن التعامل مع الكتاب هو التعليق بالهوامش أو بالحواشي فهذا أيضا مما ينبغي لطالب العلم أن يغتنمه و إذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح أو إلى دليل أو إلى تعليل ،و يخشى أن ينساه فإنه يعلقه إما بالهامش و هو الذي على اليمين أو على اليسار و إما بالحاشية و التي تكون بالأسفل. و كثيرا ما يفوت الإنسان مثل هذه القواعد التي لو علقها لم تستغرق عليه إلا دقيقة أو دقيقتين ثم إذا عاد إلى أن يتذكرها بقي مدة و هو يتذكرها و لا يمكنه. فينبغي أيضا لطالب العلم أن يعتني بمثل ذلك لاسيما مثلا في كتب الفقه يمر بك في الكتاب مسألة و حكمها ثم تتوقف و يشكل عليك فارجع إلى الكتب التي أوسع من الكتاب الذي بين يديك فإذا وجدت قولا فعلق القول من أجل أن ترجع إليه إن احتجت إليه دون الرجوع إلى أصل الكتاب الذي نقلت منه, فهذا مما يوفر عليك الوقت.


و كذلك أيضا إذا كان الكتاب في فقه مذهب من المذاهب و رأيت أنه يخالف المذهب في حكم هذه المسألة فإنه من المستحسن أن تقيم المذهب عن الهامش أو في الحاشية حتى تعرف أن هذا الكتاب خارج عن المذهب و لاسيما إذا كان المذهب أقوى مما ذهب إليه صاحب الكتاب.


هل من التعامل من الكتاب و إن كان خارجا عن التعامل الداخلي أن تلخص الكتاب مثلا؟


نعم,تلخيصه على سبيل التأليف و النشر قد يجد الإنسان في هذا حرجا لكن استخراج فوائد مبعثرة لا على سبيل التأليف هذا لا يجد الإنسان الحرج فيه و لو نشره و أما اختصاره و نشر الكتاب فإن دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس و إلا فلا تتعرض له لأنك إذا فعلت ذلك ربما يهجر الناس الأصل إلى هذا المختصر و ربما تحذف مسائل أهم من ما تثبته أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا حرج.


المتن :


52 ـ و منه إذا حزت كتابا فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جردا أو قراءة لمقدمته و فهرسه و مواضع منه أما إن جعلته مع همه في المكتبة فربما مر زمان و فات العمر دون النظر فيه و هذا مجرب و الله الموفق.


شرح الشيخ رحمه الله:


هذا صحيح, و هو حاصل كثيرا يعني أكثر ما يكون في حال الإنسان أنه إذا جاءه كتاب جديد يتصفح,إذا كان كثيرا يقرأ الفهرس, قل أن تجد شخص مثلا أو هل مرت بك حال من حين ما يأتيك الكتاب تجعله قرة؟ هذا قليل.لا بد أن تعلم.


و إنما قلنا أو قال الشيخ هذا لأجل إن احتجت إلى مراجعته عرفت أنه يتضمن حكم المسألة التي تريد أما إذا لم تجلده مراجعة و لو مرورا فإنك قد لا تدري ما فيه من المسائل و الفوائد فيفوتك شيء كثير موجود في هذا الكتاب الذي عندك في رفك.



المتن :


53ـ إعجام الكتابة:


إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عجمتها و ذلك بأمور


أعجم الكتاب معناه أَجعله أعجميا ؟


لا, معناه أزل عجمته بإعرابه و تشكيله و نقطه حتى لا يشكل, و هذه من العبارات التي


كما جاء في الحديث"يتحنث" أي أن النبي صلى الله عليه و سلم يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد.يتحنث يعني يزيل الحنث أو يفعل الحنث؟ يزيله , و هذه لها أمثلة كثيرة فمعنى أعجم الكتاب أزال عجمته بتشكيله و إعرابه


و ذلك بأمور


-أولا: وضوح الخط


-ثانيا:رسمه على ضوء قواعد الرسم:الإملاء . و في هذا مؤلفات كثيرة من أهمها كتاب "الإملاء "لحسين والي


شرح الشيخ ـ رحمه الله :


لابد أن تكون عالما,أخش أن تقع في قول القائل( أريد تعريبه) فأعجَمَه.لابد أن تكون عالما أما مثلا فكرك يقول لك هذه مرفوعة ,مضمومة ,منصوبة,مكسورة ,و تفهم,لا,لابد أن تكون عالما, إذا أشكل عليك تركيب الكلمة أو حركاتها في تركيبها لا في إعرابها فارجع إلى أصلها لأن هناك أخطاء شائعة بين الناس مثلا يقولون تجرِبة و تجارِب أكثر الناس إن لم أقل أكثر الناس يضمونها فأخش أن يكون واحد يعجم فتمر به تجربة فيقول تجربة بضم الراء فيشكلها نطقا و إعرابا و هذا غلط , قد يشتهر بين الناس أشياء ما لها أصل فلا بد أن ترجع إلى الأصل


المتن :


و في هذا مؤلفات كثيرة من أهمها كتاب الإملاء لحسين والي,قواعد الإملاء لعبد السلام محمد هارون , المفرد للهاشمي رحمهم الله تعالى


ثالثا:النقط للمعجم و الإهمال للمهمل


رابعا:الشكل لما يشكل


-خامسا:تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث


شرح الشيخ ـ رحمه الله :


كل هذه قواعد ينبغي مراعاته


ما يقولون بالضاد مشالة أخت الطاء,بالضاد المعجمة أخت الصاد,بالدال المهملة أخت الذال و بالذال المعجمة أخت الدال...لكن أحيان يقولون هذا لأن لا يخطء الإنسان وعادة الذال و الدال ما تختلف إلا بالإعجام فقط, الضاد و الظاء هي التي تختلف يحتاج أن تقول بالظاء المشالة التي هي أخت الطاء


أختها :يعني على شكلها و صورتها.


سؤال:بعض الناس بطيء في القراءة فهل يسرع ليقطع أشواطا أكثر مع أنه لو أبطء فهم أكثر؟


المطالعة نوعان :


-مطالعة تدبر و تفكر:هذه لا بد للإنسان أن يتأمل و يتأن


-مطالعة استطلاع فقط:ماذا كتب هذا الرجل؟ مثلا,هذه نسرع فيها ,أحيانا يقرأ الإنسان الصفحة بعينه و لا يتأملها و لا شيء


سؤال:ما معنى المشالة؟يعني مرفوعة


سؤال:قوله تثبيت "علامات الترقيم في غير آية أو حديث" كأنه يقول لا تستعمل علامات الترقيم في الأحاديث,الآيات واضح لكن الأحاديث؟ الترقيم يعني الفاصلة و النقطة ..؟



الرقم يطلق على العدد هذا هو المشهور لكن وضع العلامات فهذا غير معلوم فيما يسمى الترقيم,إذا كان المقصود وضع العلامات فهذا صحيح أن القران لا يحسن أن تضع فيه علامات يعني مثلا "أفرأيتم اللات و العزة" ما تكتب علامة استفهام,هذا في القران,تقتصر على ما تكتب.في الحديث كثير من الناس الذين يطبعون كتب الحديث يكتبون العلامات الاستفهام و كذلك الفواصل في الأحاديث أما القران ففواصله بآياته.فإذا كان مراده الترقيم يعني العلامات دون الترقيم العددي فهذا صحيح القران ترقيمه بفصل الآيات,معروف, الحديث غير مسلم لا مانع أن تضع العلامات-علامة الاستفهام, علامة التعجب,علامة الوقف..- هذا مما يعين على فهم المعنى و القرآن لولا احترامنا للرسم العثماني لقلنا أيضا ضع فيه الترقيم,لكن القرآن ينبغي أن يحترم و أن لا يزاد فيه و ينقص.


علامات هذه الواقع أن الناس مختلفون فيها بعض الناس ما يعرف الفاصلة و لا يعرف علامة الوصل و لا علامة الاستفهام و لا علامة التعجب... و معنى هذا أننا ينبغي لنا أن نقرأ الكتب المؤلفة بهذا حتى إذا أردنا أن نكتب تكون كتابتنا متمشية على القواعد المعروفة.


انتهى الفصل السادس.

:icony6::icony6::icony6:
 
التعديل الأخير:
تفريغ مقرر الاختبار السابع(الأخير) للحلية

تفريغ مقرر الاختبار السابع (الأخير) للحلية

الشريط الحادي عشر
الشريط الثاني عشر

الفصلُ السابعُ
الْمَحاذِيرُ
الرابع والخمسون: حلْمُ اليَقَظَةِ :
إيَّاك و ( حلْمَ اليَقَظَةِ ) ، ومنه بأن تَدَّعِيَ العلْمَ لِمَا لم تَعْلَمْ ، أو إتقانَ ما لم تُتْقِنْ ، فإن فَعَلْتَ ؛ فهو حِجابٌ كَثيفٌ عن الْعِلْمِ .

الشيخ:
هذا صحيح.. وما أسرع أن يغتر الإنسان ، أحيانا بعض الناس يري الحاضرين بأنه عالم مطلع، فتجده إذا سئل.... يسكت قليلا- يعني كأنه يتأمل ويطلع على الأسرار ثم يرفع رأسه ويقول: هذه المسألة فيها قولان للعلماء !! ، ولو قلت له ما هما القولين؟ يأتي بالقولين من عنده أو يقول تحتاج إلى مراجعة ، فالمهم أنك لا تدعي العلم ولا تنصب نفسك عالما مفتيا وأنت لا علم عندك؛ لأن هذا من السفه في العقل والضلال في الدين. ولهذا قال : «فإن فعلت فهو حجاب كثيف عن العلم». لأن الإنسان إذا فعل هذا ، يقول خلاص أنا صرت عالم لا أحتاج إلى ان أطلب العلم فينحجب عن العلم بهذا الاعتقاد الباطل.

الخامس والخمسون: احْذَرْ أن تكونَ ( أبا شِبْرٍ ) :
فقد قيلَ : العلْمُ ثلاثةُ أَشبارٍ ، مَن دَخَلَ في الشبْرِ الأَوَّلِ ؛ تَكَبَّرَ ؛ وَمَنْ دَخَلَ في الشبْرِ الثاني ؛ تَواضَعَ ، ومَن دَخَلَ في الشبْرِ الثالثِ ؛ عَلِمَ أنه ما يَعْلَمُ .


الشبر الأول يتكبر لأنه ما عرف نفسه حقيقة، الثاني تواضع، لكن متواضع وهو يرى نفسه عالما، الأول يرى نفسه عالما لكن متكبر ، والثاني يرى نفسه عالما لكنه متواضع ، والثالث أنه جاهل لا يعلم. وبالضرورة فلن يتكبر وهو يرى نفسه جاهلا، لكن هل هذه الأخيرة محمودة أم لا؟ أن ترى نفسك جاهلا؟ إذا رأيت نفسك جاهلا فاعلم أنك لن تقدم على عزم في الفتيا مثلا، ولهذا تجد بعض طلبة العلم لا يعطيك جزما يقول: الذي يظهر... أو يحتمل ...
لا يا أخي ما دام الله قد فتح عليك وكنت عالما حقا، فاعتبر نفسك عالما.. اجزم بالمسألة، لا تجعل الإنسان السائل طريح الاحتمال، وإلا ما أفدت الناس.
أما الإنسان الذي ليس عنده علم متمكن فهذا ينبغي أن يرى نفسه غير عالم.


56- التصدر قبل التأهل:
احذر التصدر قبل التأهل،فهو آفة في العلم والعمل. وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.


هذا أيضا مما يجب الحذر منه، أن يتصدر الإنسان قبل أن يكون أهل للتصدر؛ لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلا على أمور:
الأول- إعجابه بنفسه، حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام.
الثاني- أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته بالأمور، وإذا الناس رأوه متصدرا، أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره.
الثالث- إنه إذا تصدر قبل أن يتأهل، لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم، لأن غالب من كان هذا قصده الغالب أنه لا يبالي أن يحطم العلم تحطيما وأن يجيب عن كل ما سئل عنه.
الرابع- أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق، لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره، وإن كان معه الحق كان هذا دليلا على أنه ليس بأهل في العلم.

 
التعديل الأخير:
السابع والخمسون: التَّنَمُّرُ بالعِلْمِ :
احْذَرْ ما يَتَسَلَّى به الْمُفْلِسُونَ من العِلْمِ ، يُراجِعُ مسألةً أو مسألتين، فإذا كان في مَجلسٍ فيه مَن يُشارُ إليه ؛ أثارَ البحثَ فيهما ؛ ليُظْهِرَ عِلْمَه ، وكم في هذا من سَوْأَةٍ ، أقَلُّها أن يَعلمَ أنَّ الناسَ يَعلمونَ حقِيقَتَه . وقد بَيَّنْتُ هذه مع أخواتٍ لها في كتابِ ( التعالمِ ) والحمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ .

الشيخ:
هذا مثله ، التنمر بالعلم ، يعني أن يجعل الإنسان نفسه نمرا، تعرفون النمر، أخو الأسد، فيأتي مثلاً إلى مسألة من المسائل ويبحثها ويحققها بأدلتها ومناقشتها مع العلماء، وإذا حضر مجلس عالم يشار إليه بالبنان، ماذا تقول أحسن الله إليك في كذا وكذا؟ قال: هذا حرام مثلا.
قال: كيف؟ بماذا نجيب عن قوله صلى الله عليه وسلم كذا، عن قول فلان كذا، ثم يأتي من الأدلة التي لا يعرفها العالم؛ لأن العالم ليس محيطا بكل شيء، لكي يظهر نفسه أنه أعلم من هذا العالم، ولذلك تجد العوام يتحدثون: والله فلان البارحة جالس مع فلان -الذي هو كبير من العلماء- وأفحمه في مسألة (...) بلغ مبلغا عظيما ، صار كبير كبار العلماء.
لأن العالم لا يدري وهذه تقع كثير جدا ، كثيرا ما يأتي إنسان يكون بحث مسألة بحثا دقيقا جيدا، ثم يباغت العلماء بمثل هذا ، وهذا لا شك أنه كما قال الشيخ حفظه الله تنمر، لكنه من مفلس ، لكن ما دواء هذا؟ (...) نقول: أعرب قول الشاعر، حينئذ يتنين (...) ، أو اقسم هذه المسألة الفرضية، يتبين أنه ليس عنده شيء، ومن قاتلك بسكين فقاتله بسيفك، وهذا واقع كثير من العلماء الآن ومن طلبة العلم، يكون له اختصاص في شيء معين مثل أن يدرس كتاب النكاح مثلا ويحقق فيه. لكن لو تخرج به إلى كتاب البيع -الذي هو قبل باب النكاح في الترتيب عند الفقهاء- لن تجده عنده شيئا، كثير من الناس الآن يتنمر في الحديث، يعرض حديث فيقول رواه فلان عن فلان، وفيه انقطاع، وانقطاعه كذا. ثم يضفي على هذا ظلالا من كبريات العلم ثم لو تسأله عن آية من كتاب الله ما أجاب.
والحاصل أن الإنسان يجب أن يكون أديبا مع من هو أكبر منه ، يجب أن يتأدب، وإذا كان من هو أكبر منه أخطأ في هذه المسألة ، فالخطأ يجب أن يبين لكن بصيغة لبقة أو ينتظر حتى يخرج مع هذا العالم ويمشي معه ويتكلم معه بأدب ، والعالم الذي يتقي الله إذا بان له الحق فإنه سوف يرجع إليه وسوف يبين للناس أنه رجع. (...) لكن المهم ألا يكون هم طالب العلم أن يكون رئيسا في الناس لأن هذا من ابتغاء الدنيا بالدين.

58- تحبير الكاغد:
كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية، والذي نهايته «تحبير الكاغد»، فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عارا، وتبدي به شنارا.

أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معارفه، وتمرس به بحثا، ومراجعة، ومطالعة، وجردا لمطولاته، وحفظا لمختصراته، واستذكارا لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء.
ولا تنس قول الخطيب:«من صنف، فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس».
شرح الشيخ:

هذه الشروط التي ذكرها، الآن متعذرة. الآن تجد رسائل في مسألة معينة يكتبها أناس ليس لهم ذكر ولا معرفة، وإذا تأملت ما كتبوه وجدت أنه ليس صادرا عن علم راسخ، وأن كثيرا منه نقولات، وأحيانا ينسبون النقل إلى قائله، وأحيانا لا ينسبون، وعلى كل حال نحن لا نتكلم عن النيات، فالنية علمها عند الله عز وجل. لكن نقول: انتظر.... انتظر.
وإذا كان لديك علم وقدرة فاشرح هذه الكتب الموجودة شرحا لأن بعض هذه الكتب لا يوجد فيه الدليل على وجه كامل.



59- موقفك من وهم من سبقك:
إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط؛ فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، لا سيما المكثرين منهم.

وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم «يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما».
نعم؛ ينبه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه، والحط عليه فيغتر به من هو مثله.
هذا أيضا مهم جدا، وهو موقف الإنسان من وهم من سبقه أو من عاصره أيضا. هذا الموقف له جهتان:
الجهة الأولى- التصحيح وهذا أمر واجب، ويجب على كل إنسان عثر على وهم إنسان- ولو كان من أكابر العلماء في عصره- أو فيمن سبقه- يجب عليه أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ، لأن بيان هذا الوهم أمر واجب، ولا يمكن أن يضيع الحق لاحترام من قال بالباطل، لأن احترام الحق أولى من مراعاته.
لكن هل يصرح بذكر قائل الخطأ أو الوهم، أو يقول: توهم بعض الناس وقال كذا وكذا؟ هذا ينظر إلى المصلحة. قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره، موثوق عند الناس محبوب إليهم. فيقول: قال فلان كذا وكذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون منه شيئا بل يسخرون به، ويقولون: من أنت حتى ترد على فلان، ولا يقبلون الحق. ففي هذه الحال يجب أن يقول: من الوهم أن يقول القائل كذا وكذا. ولا يقل: فلان.
وقد يكون هذا الرجل- الذي توهم- متبوعا يتبعه شرذمة من الناس، وليس له قدر في المجتمع، فحينئذ يصرح، لئلا لا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ.
الجهة الثانية- في موقف الإنسان من وهم من سبقه أو من عاصره أن يقصد بذلك بيان معايبه لا إظهار الحق من الباطل.
وهذه إنما تقع من إنسان حاسد- والعياذ بالله- يتمنى أن يجد قولا ضعيفا أو خطأ لشخص ما، فينشره بين الناس ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به، فينشرونه ويعيبونه، فيقولون: خالف الإجماع في أن الثلاث طلقات واحدة، فيكون هو شاذا. ومن شذ شذ في النار، يحكم بأن الإنسان إذا قال لامرأته أنت طالق، بأن يكفر كفارة يمين، مع أنه لم يتكلم باليمين إطلاقا، وإنما قال: إذا فعلت كذا فأنت طالق مثلا.
يقول بأن الله تعالى لم يزل فعالا ولم يزل فاعلا، وهذا يستلزم أن يكون مع الله قديم، لأن هذه المقولات الواقعة بفعل الله، إذا جعل فعل الله قديما لم يزل، لزم أن تكون المفعولات قديمة، فيكون قد قال بوجود إلهين.... وما أشبهها من هذه الكلمات التي يأخذونها زلة من زلاته يشيعونها بين الناس، مع أن الصواب معه.
لكن الحاسد الناقم- والعياذ بالله- له مقام آخر.
فأنت في وهم من سبقك يجب أن يكون قصدك الحق، ومن كان قصده الحق وفق للقبول، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس، فإن من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه.
ثم يقول :«إذا ظفرت بوهم لعالم فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط». والحقيقة إني أقول: لا تفرح به إطلاقا، إذا عثرت على وهم عالم فحاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لا سيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة.
أما أن أفرح بها، فهذا لا ينبغي حتى وإن كان قصدي تصحيح الخطأ. ولهذا لو كانت العبارة «إذا ظفرت بوهم عالم فلا تفرح به للحط منه ولكن التمس العذر له وصحح الخطأ» هذا صواب العبارة.
ثم قال:«فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، ولا سيما المكثرين منهم». والأفصح أن يقول :«لا سيما المكثرون منهم».
يقول أن المنصف يعني الذي يتكلم بالعدل ويتتبع أقوال العلماء يعلم أنه ما في عالم إلا وله أوهام وأخطاء، ولا سيما المكثر الذي يكثر الكتابة والفتوى. ولهذا قال بعضهم: من كثر كلامه، كثر سقطه. ومن قل كلامه، قل سقطه.
ثم قال :«وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم» يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما.
في الحقيقة لا يفرح به للتنقص إلا إنسان معتدي لا متعالي. معتدي يريد العدوان على الشخص نفسه، ويريد العدوان على العلم الصحيح، لأن الناس إذا وجدوا هذا العالم أخطأ في مسألة ضعف قوله، أو ضعفت قوة قوله عندهم حتى في المسائل الصحيحة.


60- دفع الشبهات:
لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتقلى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر من يلقيها حمالة الحطب- المبتدعة- فتوقهم.

هذه الوصية أوصى بها شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه ابن القيم قال: «لا تجعل قلبك كالإسفنجة بشرب ويقبل كل ما ورد عليه، ولكن اجعله زجاجة صافية تبين ما وراءها ولا تتأثر بما يرد عليها».
كثير من الناس يكون قلبه غير مستقر ويورد شبهات. وقد قال العلماء رحمهم الله قولا حقا وهو: أننا لو طاوعنا الإيرادات العقلية ما بقي علينا نص إلا وهو محتمل مشتبه، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون بظاهر القرآن وبظاهر السنة، ولا يوردون: ولو قال قائل.
نعم إن كان الإيراد قويا أو كان هذا الإيراد قد أورد من قبل فحينئذ يبحث الإنسان، أما أن يجعل يفكر إذا نام على فراشه «إنما الأعمال بالنيات» أفلا يحتمل بالأعمال العبادات الأم: كالصلاة والزكاة والحج والصوم، والباقي لا نية له. يمكن، فيه احتمال عقليا؛ ثم يبني على الاحتمال الذي أورده على نفسه احتمالات أخرى.
وما أكثر هذا في بعض الناس، نجده دائما يورد إيرادات وهذا في الواقع ثلم عظيم في تلقي العلم.
اترك الإيرادات وامش على الظاهر فهو الأصل، ولهذا اقرأوا الآن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والأحاديث تجدون المسألة على ظاهرها.
لما حدث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير.
قالوا: يا رسول الله كيف ينزل؟ وهل السماء تسعه؟ وهل يخلو من العرش؟ هل قالوا هكذا؟! أبدا.
لما حدثهم أن الموت يؤتى به يوم القيامة على صورة كبش، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت، ثم يذبح بين الجنة والنار.
قالوا: كيف يكون الموت كبشا؟ ما قالوا هذا !!
لذلك أنصح نفسي وإياكم ألا توردوا هذا على أنفسكم، لا سيما في أمور الغيب المحضة، لأن العقل بحار فيها، ما يدركها، فدعها على ظاهرها ولا تتكلم فيها.
قل سمعنا وآمنا وصدقنا، وما وراءنا أعظم مما نتخيل. فهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يسلكه.
 
- احذر اللحن:
ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق، ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني: فعن عمر رضي الله عنه أنه قال :«تعلموا العربية، فإنها تزيد في المروءة». وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن. وأسند الخطيب. عن الرحبي قال: «سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر، صار الحديث بالفارسية» ! وأنشد المبرد.




النحو يسبط من لسان الألكن***والمرء تكرمه إذا لـم يلحـن


فإذا أردت من العلوم أجلها***فأجلها منها مقيـم الألسـن



وعليه، فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة- رحمه الله تعالى-: «تعلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي».
ولا بقول بشر الحافي- رحمه الله تعالى-: «لما قيل له: تعلم النحو قال: أضل.
قال: قل ضرب زيد عمرا. قال بشر: يا أخي! لم ضربه؟ قال: يا أبا نصر ! ما ضربه وإنما هذا أصل وضع. فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه». رواهما الخطيب في «اقتضاء العلم العمل».
اللحن معناه: الميل سواء كان في قواعد التصريف أو في قواعد الإعراب. قواعد الإعراب يمكن الإحاطة بها، فيعرف الإنسان القواعد ويطبق لفظه أو كتابته عليها.
قواعد التصريف هي المشكلة، أحيانا يأتي الميزان الصرفي على غير قياس، يأتي سماعيا بحتا، وحينئذ لا يخلو إنسان في الغلط فيه.
عندك جموع التكسير، تحتاج إلى ضبط. عندك أبنية المصادر تحتاج إلى ضبط، ومع هذا لو ضبطها سوف تجد شاذا كثيرا عنها، ولكن نقول: سدد وقارب. فعليك بأن تعدل لسانك وأن تعدل بنانك، وأن لا تكتب إلا بعربية، ولا تنطق إلا بعربية، فإن عدم اللحن جلالة وصفاء لون ووقوف على ملامح المعاني لسلامة المباني. كلما سلم المبنى اتضح المعنى.
وعن عمر رضي الله عنه قال :«تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة». هذه يقولها في عهده، يأمر بتعلم العربية خوفا من أن تتغير بلسان الأعاجم بعد الفتوحات.
لكن مع الأسف أننا في هذا الزمن- الذي ليس لنا شخصية وصرنا أذيالا وأتباعا لغيرنا- صار منا من يرى أن من تكلم بالإنجليزية أو بالفرنسية هو ذو مروءة، ويفخر إذا كان الإنجليزية أو الفرنسية، بل إن بعضنا يعلم أولاده اللغة غير العربية.
بعض الصبيان يأتي يقول مع السلامة، فيقول : باي باي.
في الهاتف يقول: آلو. لماذا لم تقل: السلام عليكم، لأنك الآن تستأذن، فهذه أشياء – مع الأسف- لما كنا ليس لنا شخصية، ويجب أن يكون لنا شخصية، لأننا والحمد لله أهل دين وشريعة، لكن صار بعضنا أذيالا.
عمر يقول : «تعلموا العربية فإنها تزيدكم مروءة»، وبناء على ذلك : كلما كان الإنسان أعلم بالعربية صار أكبر مروءة وأكثر.
قال: «وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن، واللحن قليل في ذلك الوقت، ومع ذلك يضربونهم عليه. عندنا الآن لا أحد يضرب على اللحن ولا أولاده ولا تلاميذه ولا غيره، على الأقل بالنسبة للتلاميذ إذا أخطأ الإنسان في العربية فرد عليه حتى لا يكون أخطأ، وظن أن سكوتك يدل على صحة ما نطق به.


الثاني والستون: الإجهاضُ الفكريُّ :
احْذَر ( الإجهاضَ الفِكْرِيَّ ) ؛ بإخراجِ الفِكرةِ قبلَ نُضُوجِها .
الشيخ:
هذا بمعنى ما سبق، أنك لا تتعجل من حين ما يتبين لك شيئا تخرجه، لا سيما إذا كان هذا الشيء الذي أنت تريد أن تخرجه مخالفا لقول أكثر العلماء أو مخالفا لما تقتضيه الأدلة الأخرى الصحيحة، لأن بعض الناس يمشي مع بنيات الطريق، فتجده إذا مر بحديث -ولو كان ضعيفا شاذا- أخذ به، ثم قام يتكلم به في الناس، فيظن الناس لهذا أنه أدرك من العلم ما لم يدركه غيره. فنقول الذي بينك وبين الله: إذا رأيت حديثا يدل على حكم تعارضه الأحاديث الصحيحة التي هي عماد الأمة، والتي تلقتها الأمة بالقبول فلا تتعجل، وكذلك إذا رأيته يدل على حكم خالف الجمهور، لا تتعجل. لكن إذا تبين لك الحق فلا بد من القول به. هذا سماه الشيخ بكر: (الإجهاض الفكري) يعني كأن امرأة وضعت حملها قبل أن يتم.


الثالث والستون: الإسرائيلياتُ الجديدةُ :
احْذَر الإسرائيليَّاتِ الجديدةَ في نَفَثَاتِ المستشرقين من يهودَ ونَصَارَى ؛ فهي أشدُّ نِكايةً وأعظَمُ خَطَرًا من الإسرائيليَّاتِ القديمةِ ؛ فإنَّ هذه قد وَضَحَ أمْرُها ببيانِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموْقِفَ منها ؛ ونَشْرِ العُلماءِ القولَ فيها ، أمَّا الجديدةُ الْمُتَسَرِّبَةُ إلى الفِكْرِ الإسلاميِّ في أعقابِ الثورةِ الحضارِيَّةِ واتِّصالِ العالَمِ بعضِه ببعضٍ ، وكَبْحِ المدِّ الإسلاميِّ ؛ فهي شرٌّ مَحْضٌ وبلاءٌ متَدَفِّقٌ ، وقد أخذَتْ بعضَ المسلمينَ عنها سِنَةٌ ، وخَفَضَ الْجَناحَ لها آخَرونَ فاحْذَرْ أن تَقَعَ فيها ، وَقَى اللهُ المسلمينَ شَرَّهَا .
الشيخ:
يريد بهذا الأفكار الدخيلة التي دخلت على المسلمين بواسطة اليهود والنصارى، فهي ليست إسرائيليات إخبارية، بل إسرائيليات فكرية دخل على كثير من الكتاب الأدبيين، وغير الأدبيين، أفكار دخيلة في الواقع، منها ما يتعلق بالمعاملات، ومنها ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالأنكحة، حتى إن بعض الكتاب ينكر تعدد النساء الذي ذهب كثير من العلماء إلى أن التعدد أفضل من الإفراد، وينكر التعدد ويقول هذا في زمن ولى وراح، ولم يدر أن التعدد في هذا الزمن أشد إلحاحا منه فيما سبق لكثرة النساء وكثرة الفتن واحتياج النساء إلى من يُحَصن فروجهن. كذلك أيضا من بعض الأفكار ما يتعلق بحال النبي عليه الصلاة والسلام وتعدد الزوجات في حقه ، ومن الأفكار أيضا ما يتعلق بالخلافة والإمامة، كيف كان أبو بكر يبايع له بدون أن يستشار الناس كلهم، حتى العجوز والطفل.... وما أشبه ذلك.
المهم أن هناك أفكارا جديدة واردة اشتبهت على بعض كتاب المسلمين فيجب على الإنسان الحذر منها وأن يرجع إلى الأصول في هذه الأمور فإنها خير.

64- احذر الجدل البيزنطي:
أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم. وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل.
وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع، كما قال الحسن، إذا سمع قوما يتجادلون. «هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم، فتكلموا». رواه أحمد في «الزهد»، وأبو نعيم في «الحلية».
وهذا مهم، الحذر من الجدل البيزنطي، وهو الجدال العقيم، الذي لا فائدة منه، أو الجدل الذي يؤدي إلى التنطع في المسائل والتعمق فيها بدون أن يكلفنا الله ذلك، فدع هذا الجدل واتركه، لأنه لا يزيدك إلا قسوة في القلب وكراهة للحق، إذا كان مع خصمك وغلبك فيه، فلهذا دع هذا النوع من الجدل.
أما الجدل الحقيقي الذي يقصد به الوصول إلى الحق، ويكون جدل مبني على السماحة، وعدم التنطع. فهذا أمر مأمور به. قال الله تعالى : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل: 125).
ثم ذكر المؤلف – وفقه الله- مثالا للجدل العقيم: جنس الملائكة ما هم؟ يجادل هؤلاء المتكلمون: جنسهم من كذا، وجنسهم من كذا.
ونحن نعلم أنهم خلقوا من نور وأنهم أجسام وأنهم لهم أجنحة وأنهم يصعدون وينزلون إلى آخر ما ذكره الله في الكتاب أو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة من أوصافهم، ولا نتعد في أمور الغيب غير ما بلغنا، ولا نسأل: كيف ولم؟ لأن هذا أمر فوق العقل، وأيضا سمعنا قصة مماثلة، كان العدو على أبواب المدنية، وكان الناس يتجادلون: أيما خلق أولا: الدجاجة أم البيضة؟.
ومن ذلك أيضا، ما ابتلي به أهل الكلام فيما يتعلق بالعقيدة وصاروا يتنطعون ويقولون -مثلاً-: كلام الله هل هو صفة فعلية أم ذاتية؟
وهل هو حادث أو قديم؟
وما أشبه ذلك من الكلام،
وهل نزول الله إلى السماء الدنيا حقيقة أو مجاز؟
وهل أصابعه حقيقة أم مجاز؟
وكم أصابعه؟
وما أشبه ذلك.
والله يا أخوة إن هذا البحث يقسي القلب وينتزع الهيبة- هيبة الله عز وجل- وتعظيمه وإجلاله من القلب.
إن كان الإنسان يريد أن يتكلم عن صفات الله كأنه يشرح جثة ميت!!
سبحان الله !! الناس قبل أن يدخلوا في هذا الأمر تجدهم إذا ذكر الله اقشعر جلده من هيبة الله وعظمته.
كل هذا البحث فيه عقيم، كن كما كان الصحابة رضي الله عنهم لا يسألون عن مثل هذه الأمور، لأنهم إذا سألوا وبحثوا ونقبوا، فإن الضريبة هي قسوة القلب، مؤكد. لكن إذا بقي الرب عز وجل محل الإجلال والتعظيم في قلبك، وعدم البحث في هذه الأمور صار هذا أجل وأعظم، فاستمسك به فهذا إن شاء الله هو الحق.
 
65- لا طائفِيَّةَ ولا حِزبيَّةَ يُعْقَدُ الولاءُ والبَرَاءُ عليها :

أهلُ الإسلامِ ليس لهم سِمَةٌ سَِوى الإسلامِ والسلامِ : فيا طالبَ العلْمِ ! بارَكَ اللهُ فيك وفي عِلْمِك ؛ اطْلُب العِلْمَ واطْلُب العملَ وادْعُ إلى اللهِ تعالى على طَريقةِ السلَفِ .
ولا تَكُنْ خَرَّاجًا وَلَّاجًا في الجماعاتِ ، فتَخْرُجَ من السَّعةِ إلى القوالِبِ الضيِّقَةِ فالإسلامُ كلُّه لك جَادَّةً ومَنْهَجًا والمسلمونَ جَميعُهم هم الجماعةُ وإنَّ يدَ اللهِ مع الجماعةِ ، فلا طائفِيَّةَ ولا حِزبيَّةَ في الإسلامِ .
وأُعِيذُكَ باللهِ أن تَتَصَدَّعَ ، فتكونَ نَهَّابًا بينَ الفِرَقِ والطوائفِ والْمَذاهِبِ الباطلةِ والأحزابِ الغاليةِ ، تَعْقِدُ سُلطانَ الوَلاءِ والبَرَاءِ عليها فكُنْ طالِبَ عِلْمٍ على الْجَادَّةِ ؛ تَقْفُو الأَثَرَ ، وتَتْبَعُ السُّنَنَ ، تَدْعُو إلى اللهِ على بَصيرةٍ ، عارفًا لأهلِ الفَضْلِ فَضْلَهم وسابِقَتَهم .
وإنَّ الحزبيَّةَ ذاتَ المساراتِ والقوالِبِ الْمُستحدَثَةِ التي لم يَعْهَدْها السلَفُ من أَعْظَمِ العوائقِ عن العِلْمِ ، والتفريقِ عن الجماعةِ ، فكم أَوْهَنَت حَبْلَ الاتِّحادِ الإسلاميِّ وغَشِيَت المسلمينَ بسَبَبِها الغَوَاشِي .
فاحْذَرْ رَحِمَكَ اللهُ أَحزابًا وطَوائفَ طافَ طائفُها ونَجَمَ بالشرِّ ناجِمُها فما هي إلا كالْمَيَازِيبِ؛ تَجْمَعُ الماءَ كَدَرًا ، وتُفَرِّقُه هَدَرًا ؛ إلا مَن رَحِمَه ربُّك ، فصارَ على مِثْلِ ما كان عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابُه رَضِي اللهُ عَنْهُم .
قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى عندَ عَلَامَةِ أهلِ العُبودِيَّةِ : ( العَلامةُ الثانيةُ : قولُه : ( ولم يُنْسَبُوا إلى اسمٍ ) ؛ أي : لم يَشْتَهِروا باسمٍ يُعرَفون به عندَ الناسِ من الأسماءِ التي صارَتْ أعلامًا لأهلِ الطريقِ ) .
وأيضًا ؛ فإنهم لم يَتَقَيَّدُوا بعَمَلٍ واحدٍ يُجْرَى عليهم اسْمُه ، فيُعْرَفون به دونَ غيرِه من الأعمالِ ؛ فإنَّ هذا آفةٌ في العُبوديَّةِ ، وهي عُبودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ .
وأمَّا العُبوديَّةُ المطلَقَةُ ؛ فلا يُعْرَفُ صاحبُها باسمٍ مُعَيَّنٍ من معاني أسمائِها ؛ فإنه مُجيبٌ لداعيها على اختلافِ أنواعِها ، فله مع كلِّ أهلِ عُبودِيَّةٍ نصيبٌ يَضْرِبُ معهم بسَهْمٍ ؛ فلا يَتَقَيَّدُ برَسْمٍ ولا إشارةٍ ولا اسمٍ ولا بِزِيٍّ ولا طريقٍ وَضْعِيٍّ اصطلاحيٍّ ، بل إن سُئِلَ عن شَيخِه ؟ قالَ : الرسولُ . وعن طريقِه ؟ قال : الاتِّباعُ . وعن خِرْقَتِه قال : لِباسُ التَّقْوَى ، وعن مَذْهَبِه ؟ قالَ : تَحكيمُ السُّنَّةِ . وعن مَقْصِدِه ومَطْلَبِه ؟ قالَ : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } . وعن رِباطِه وعن خَانْكَاهُ ؟ قالَ : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } وعن نَسَبِه ؟ قالَ :
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سِوَاهُ***إذا افْتَخُروا بقيْسٍ أو تَمِيمِ


وعن مَأْكَلِه ومَشْرَبِه ؟ قال : ( ما لك ولها ؟ معها حِذاؤُها وسِقاؤُها ، تَرِدُ الماءَ وتَرْعَى الشَّجَرَ حتى تَلْقَى رَبَّهَا ) .




واحسرتاه تَقَضَّى العُمْرُ وانْصَرَمَـتْ***ساعاتُه بينَ ذُلِّ العَجْـزِ والْكَسَـلِ​


والقوْمُ قد أَخَذُوا دَرْبَ النجاةِ وقدْ***ساروا إلى الْمَطْلَبِ الأَعْلَى على مَهَلِ​



ثم قالَ : ( قولُه : ( أولئك ذخائرُ اللهِ حيث كانوا ) ؛ ذخائرُ الْمُلْكِ : ما يُخَبَّأُ عندَه ويَذْخَرُه لِمُهِمَّاتِه ، ولا يَبْذُلُه لكلِّ أحدٍ ؛ وكذلك ذَخيرةُ الرجُلِ : ما يَذْخَرُه لحوائجِه ومُهِمَّاتِه ، وهؤلاءِ ؛ لَمَّا كانوا مَسْتُورِينَ عن الناسِ بأَسبابِهم ، غيرَ مُشارٍ إليهم ، ولا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دونَ الناسِ ، ولا مُنتسبينَ إلى اسمِ طريقٍ أو مَذهَبٍ أو شيخٍ أو زِيٍّ ؛ كانوا بِمَنْزِلَةِ الذخائرِ المخبوءةِ، وهؤلاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عن الآفاتِ ؛ فإنَّ الآفاتِ كلَّها تَحتَ الرسومِ والتقَيُّدِ بها ، ولزومِ الطرُقِ الاصطلاحيَّةِ والأوضاعِ المتداوَلَةِ الحادِثَةِ .
هذه هي التي قَطَعَتْ أكثرَ الخلْقِ عن اللهِ وهم لا يَشعرون .
والعَجَبُ أنَّ أَهْلَها هم الْمَعروفون بالطلَبِ والإرادةِ ، والسيْرِ إلى اللهِ وهم – إلا الواحدَ بعدَ الواحدِ – الْمَقطوعون عن اللهِ بتلك الرسومِ والقُيودِ .
وقد سُئِلَ بعضُ الأئِمَّةِ عن السُّنَّةِ ؟ فقالَ : ما لا اسمَ له سِوَى ( السُّنَّةِ ) .
يعني : أنَّ أهلَ السُّنَّةِ ليس لهم اسمٌ يُنْسَبُون إليه سِواهَا .
فمِن الناسِ مَن يَتَقَيَّدُ بلِباسِ غيرِه ، أو بالجلوسِ في مَكانٍ لا يَجْلِسُ في غيرِه أو مِشْيَةٍ لا يَمْشِي غيرَها أو بِزِيٍّ وهيئةٍ لا يَخْرُجُ عنهما ، أو عبادةٍ مُعَيَّنَةٍ لا يَتَعَبَّدُ بغيرِها وإن كانت أَعْلَى منها أو شيخٍ مُعَيَّنٍ لا يُلْتَفَتُ إلى غيرِه، وإن كان أَقْرَبَ إلى اللهِ ورسولِه منه .
فهؤلاءِ كلُّهم مَحجوبون عن الظَّفَرِ بالمطلوبِ الأعلى مَصْدُودُون عنه، قد قَيَّدَتْهُم العوائِدُ والرُّسومُ والأوضاعُ والاصطلاحاتُ عن تَجريدِ المتابَعَةِ فأَضْحَوْا عنها بِمَعْزِلٍ، ومَنزِلتُهم منها أبْعَدُ مَنْزِلٍ ، فتَرَى أحدَهم يَتَعَبَّدُ بالرياضةِ والْخَلْوَةِ وتَفريغِ القَلْبِ ويَعُدُّ العِلْمَ قاطعًا له عن الطريقِ فإذا ذُكِرَ له الْمُوالاةُ في اللهِ والْمُعاداةُ فيه والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ ؛ عَدَّ ذلك فُضولًا وشَرًّا ، وإذا رَأَوْا بينَهم مَن يَقومُ بذلك أَخْرَجُوه من بينِهم وَعَدُّوه غَيْرًا عليهم ، فهؤلاءِ أَبْعَدُ الناسِ عن اللهِ ، وإن كانوا أكثرَ إشارةً . واللهُ أَعْلَمُ ) اهـ .

الشرح:

هذا فصل مهم، وهو تخلي طالب العلم عن الطائفية والحزبية، بحيث يعقد الولاء والبراء على طائفة معينة أو على حزب معين، فإن هذا لا شك خلاف منهج السلف، السلف الصالح ليس عندهم حزبية كلهم حزب واحد، كلهم ينضمون تحت قول الله تعالى : (هو سماكم المسلمين من قبل) (سورة الحج: 78).
فلا حزبية ولا تعدد ولا موالاة ولا معاداة إلا على حسب ما جاء في الكتاب والسنة.
فمن الناس مثلا من يتحزب إلى طائفة معينة، يقرر منهجها ويستدل عليه بالأدلة التي قد تكون دليل عليه، وقد تكون دليل له ويحامي دونه، ويضلل من سواه حتى ولو كانوا أقرب إلى الحق منها ويأخذ بمبدأ: من ليس معي فهو علي.
وهذا مبدأ خبيث، يعني بعض الناس يقول: إذا لم تكن معي فأنت علي، هناك وسط بين أن يكون لك أو عليك، وإذا كان عليك في الحق فليكن عليك فإنه في الحقيقة معك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم، فلا حزبية في الإسلام. ولذلك لما ظهرت الأحزاب في المسلمين تنوعت الطرق وتفرقت الأمة، وصار بعضهم يضلل بعضا ويأكل لحم أخيه ميتا، فالواجب عدم ذلك.
الآن مثلا يكون بعض الناس طالب علم عند شيخ من المشايخ، ينتصر لهذا الشيخ بالحق وبالباطل. وما في سواه يضلله ويبدعه ويرى أنه- شيخه- العالم المصلح، ومن سواه إما جاهل وإما مفسد، وهذا غلط كبير، خذ الحق من أي إنسان، وإذا استروحت نفسك لشخص من الناس فالزم مجلسه، لكن لا يعني ذلك أن تكون معه على الحق والباطل، وأن تضلل من سواه وتزدريهم أو ما أشبه ذلك فإن هذا غلط.
يقول الشيخ : «أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام» صحيح. (هو سماكم المسلمين من قبل) (سورة الحج: 78). كلنا مسلمون، فهذه سمة المسلم وعلامته: مسلما لله، مستسلما له، قائما بأمره تابعا لرسوله. هذا هو سمة المسلم.
فيا طالب العلم بارك الله فيك وفي علمك اطلب العلم واطلب العمل، لا تكن مثل بعض الناس، ليس إلا كتب مجموعة، يحفظ كثيرا ويفهم كثيرا، لكنه يعمل قليلا. فهذا لا ينتج.
كن طالبا للعلم عاملا به، داعيا إلى الحق. ثلاثة أشياء: صدق الطلب، العمل به، الدعوة. لا بد من هذا، أما مجرد أن تحشر العلوم ولا ينتفع الناس بعلمك، فهذا نقص كبير.
وادع إلى الله على طريقة السلف. وما هي طريقة السلف في الدعوة إلى الله؟ هي التي أرشدهم الله إليها بقوله : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل: 125). لين في موضع اللين، وشدة في موضع الشدة.
قال: «ولا تكن خراجا ولاجا في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهج».
يقول: إن بعض الناس يكون ولاجا خراجا، بينما تجده منضما إلى قوم أو فئة، اليوم تجده خارجا منها ووالجا في جهة أخرى، وهذا مضيعة للوقت، ودليل على أن الإنسان ليس له قاعدة يبني عليها حياته.
يقول: «المسلمون جميعهم هم الجماعة، وأن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام». بل يجب أن نكون أمة واحدة، وإن اختلفنا في الرأي، أما أن نكون أحزابا: هذا إخواني- يعني من الإخوان المسلمين- وهذا سلفي، وهذا تبليغي.
وهذا لا يجوز، الواجب أن كل هذه الأسماء ينبغي أن تزول. وتكون أمة واحدة، وحزب واحد على أعدائنا.
قال: «وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهابا بين الفرق، والطوائف، والمذاهب الباطلة، والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها». هذه أيضا طريق سيئة، أن يكون الإنسان نهابا بين الفرق والطوائف، يأخذ من هذا، ومن ثم لا يستقر على رأي.
فإن هذه آفة عظيمة، والواجب على الإنسان أن يكون مختارا ما هو أنسب في العلم والدين ويستمر عليه وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:«من بورك له في شيء فليلزمه». وهذه في الحقيقة قاعدة لمنهاج المسلم يجب أن يسير عليها، من بورك له في شيء فليلزمه وليستمر عليه حتى لا تتقطع أوقاته يوما هنا ويوما هنا.
يقول: «فكن طالب علم على الجادةـ تقفوا الأثر، وتتبع السنن، تدعوا إلى الله على بصيرة عارفا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم».
هذه أيضا وصية نافعة، أن الإنسان ينبغي له أن يتبع الأثر وأن يدع الأهواء والأفكار الواردة على الإسلام والتي هي في الحقيقة دخيلة على الإسلام وبعيدة الوضوح.
ثم نقل كلام ابن القيم: (العلامة الثانية) قوله: «ولم ينسبوا إلى اسم» أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق.
وأيضا، فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال، فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة، فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها.
هذا هو الصحيح، العبودية المطلقة أن يعبد الإنسان ربه على حسب ما تقتضيه الشريعة. مرة من المصلين، ومرة من الصائمين، ومرة من المجاهدين ومرة من المتصدقين حسب ما تقتضيه المصلحة، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم هكذا حاله، لا تكاد تراه صائما إلا وجدته صائما ولا مفطرا إلا وجدته مفطرا، ولا قائما إلا وجدته قائما.
يتبع المصلحة، أحيانا يترك الأشياء التي يحبها من أجل مصلحة الناس، فإياك أن تكون قاصرا على عبادة معينة، بحيث لا تتزحزح عنها.
قال: «فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها»، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم، فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول. وعن طريقه؟ قال: الاتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة.
وعن مقصده ومطلبه؟ قال : (يريدون وجهه). وعن رباطة وعن خانكاه؟ قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) (سورة النور: 36-37). وعن نسبه؟ قال:



أبي الإسلام لا أب لي سواه***إذا افتخروا بقيس أو تميم​



وعن مأكله ومشربه؟ قال: «مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها».
هذه قالها النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل، لما سئل عن إلتقاطها غضب عليه الصلاة والسلام. وقال: «ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها ترد وترعى الشجر حتى تلقى ربها».
ابن القيم- رحمه الله- نقلها إلى هذا المعنى الجليل، يعني: هؤلاء العباد الذين تفنوا في العبادة وأخذوا لكل نوع منها نصيب. لو سئل من أين يجري عليك الرزق.
يجيب: مالك ولها دعني!! يرزقني الله عز وجل.




واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت***ساعاته بين ذل العجـز والكسـل​


والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد***ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل​



ثم قال: قوله:«أولئك ذخائر الله حيث كانوا، ذخائر الملك: ما يخبأ عنده، ويذخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد، وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي، كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة. هؤلاء أبعد الخلق عن الآفت، فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة. هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون».
صحيح هذا.. لا شك أن الأمر كما قال الإمام ابن القيم- رحمه الله- هؤلاء الذين لهم مراسم معينة، ولهم طقوس معينة، وأشكال معينة، هؤلاء لا شك أنهم ينقطعون عن الله عز وجل بحسب ما معهم من هذه الرسومات الإصطلاحية وما أشبهها، تجد الواحد منهم إذا رأيته قلت: من هذا الرجل؟ من هذا العالم. لكنه عالم بالزي والشكل فقط، وليس عنده علم راسخ، بل وربما نقول إيمانه ضعيف أيضا، وإلا لكان يعتمد على ما عنده من العلم والإيمان والدعوة والصلاح. قال:
«والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، وهم- إلا الواحد بعد الواحد- المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود».
العجب من أن الإنسان يستغرب أن يكون هؤلاء الذين أخذوا العلم بالرسوم والاصطلاحات الحادثة، هم المعروفون بالطلب والإرادة لأنهم يغرون الناس بلباسهم ونبرات كلامهم، وغير ذلك.
ثم قال: «وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى «السنة». يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها. فمن الناس من يتقيد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه. فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتهم العوائد والرسوم، والأوضاع، والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنه بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة، والخلوة، وتفريغ القلب، ويعد العلم قاطعا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في الله، والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عد ذلك فضولا وشرا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك، أخرجوه من بينهم، وعدوه غيرا عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارة. والله أعلم» اهـ.

قوله:«يتعبد بالرياضة» المراد: الرياضة القلبية على زعمهم، فتجدهم منعزلين عن الناس، بعيدين عن الناس، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يتعلمون ظنا منهم أن هذا هو الخير، ولكنهم في الواقع ضلوا، الخير أن تتبع الخير حيث ما كان.
فتارة في مجالس العلم، وتارة في مصارف الجهاد، وتارة في الحسبة، وتارة في الصلاة وتارة في القرآن، حسب ما ترى أنه أنفع لعباد الله وأخشى لقلبك، لكن من الناس من لا يتحمل، فتجده يركن إلى شيء معين من العبادة يدعي أن فيه صلاح قلبه ويستمر عليه.


 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
66- نواقض هذه الحلية:
يا أخي! – وقانا الله وإياك العثرات- إن كنت قرأت مثلا من «حلية طالب العلم» وآدابه، وعلمت بعضا من نواقضها، فاعلم من أعظم خوارمها المفسدة لنظام عقدها:
1- إفشاء السر.
2- ونقل الكلام من قوم إلى آخرين.
3- والصلف واللسانة.
4- وكثرة المزاح.
5- والدخول في حديث بين اثنين.
6- والحقد.
7- والحسد.
8- وسوء الظن.
9- ومجالسة المبتدعة.
10- ونقل الخطى إلى المحارم.
فاحذر هذه الآثام وأخواتها، واقصر خطاك عن جميع المحرمات والمحارم، فإن فعلت، وإلا فاعلم أنك رقيق الديانة، خفيف، لعاب، مغتاب، نمام، فأنى لك أن تكون طالب علم، يشار إليك بالبنان، منعما بالعلم والعمل؟
سدد الله الخطى، ومنح الجميع التقوى وحسن العاقبة في الآخرة والأولى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشرح:
هذه النواقض والخوارم التي ذكرها هي في الحقيقية خدش عظيم لطالب العلم وللعامة أيضا .
1- إفشاء السر محرم : لأنه خيانة للأمانة . فإذا استكتمك الأنسان حديثا فلا يحل لك أن تفشيه لأي أحد كان ، واحذر أن يخدعك أحد لأن بعض الناس يظن أنه أفشي إليك ثم يأتي إليك وكأن الأمر مسلَم أنه علم بذلك فقيول مثلا:ما شاء الله، من أدراك عن كذا وكذا، فيبهت الآخر، فيظن أنه قد علن ثم يفضي له السر وهذه طريقة تجسس من بعض الناس.
فاحذر هذا، فما دمت استكمتك صاحبك فإذا جاء أحد يبهتك بمثل هذا الأسلوب، فلا تخف. قل: أبدا، ما صار هذا، وأنا أبرىء إلى الله منه- وتقصد منه – هذا الكلام الذي قلت، لأنه تجسس.
قال العلماء: وإذا حدثك الإنسان بحديث والتفت، فقد استأمنك، فهو أمانة وسر، فلا يجوز أن تفشيه. حتى وإن لم يقل لا تخبر أحدا. لأن التفاته يعني أنه لا يريد أحدا يسمعه. فإذا أفشيته فهذا من إفشاء السر.
2- ونقل الكلام من قوم إلى آخرين: وهذه هي النميمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة قتات». أي: نمام، ومر بقبرين يعذبان، وذكر أن أحدهما كان يمشي بالنميمة. فهي من كبائر الذنوب.
يأتي الشخص لآخر ويقول: فلان يقول فيك كذا وكذا. لكن إذا كان المقصود بذلك النصيحة. كيف النصيحة؟! يعني: أن هذا الرجل مغتر بالشخص ويفضي إليه أسراره ويستشيره في أموره، فجاء إنساق وقال: يا فلان، أنا رأيتك تفضي سرك إلى فلان وتثق به، والرجل ليس بأمين، الرجل يفشي كل ما تقول. فهل يعتبر هذا نميمة؟ هذه نصيحة!
3- والصلف واللسانة: الصلف: يعني التشدد في الشيء، يكون الإنسان غير لين لا بمقاله ولا بحاله. بل هو صلت ولسن، يعني رفيع الصوت، أو يعني عنده بيانا يبدي به الباطل ويخفي به الحق.
وأما قوة الصوت وارتفاعه, فإنه ليس إلى اللسانة، هذه من خلقة الله عز وجل، ولما أنزل الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (سورة الحجرات: 2). كان ثابت بن قيس رضي الله عنه- وهو من أحد الشعراء والخطباء- كان جهوري الصوت، فلزم بيته يبكي، ولم يكن له وجه يخرج إلى الناس، ويقابل الناس به، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه وأرسل إليه رسولا، فقال:«إن الله أنزل هذه الآية وإني خفت أن يحبط عملي وأنا لا أشعر». فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:«إنه يحيى سعيدا، ويقتل شهيدا، ويدخل الجنة»
4- كثرة المزاح : ولم يقل المزاح لأن المزاح في الكلام، كالملح في الطعام إن أكثرت منه فسد الطعام، وإن لم تجعل فيه الملح لم يشته إليه الطعام. فكثرة المزاح تذهب الهيبة، وتنزل مرتبة طالب العلم. أما المزاح القليل الذي يقصد به إدخال السرور على صاحبك فهو من السنة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا.
جاء رجل يريد أن يحمله على بعير يجاهد عليها في سبيل الله،فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنا حاملوك على ولد الناقة» قال الرجل كيف؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «وهل تلد الإبل إلا النوق» . فهذا مزاح ولكنه حق.
وقال لأبي عمير- غلام صغير- معه طير يلعب به، فمات الطير. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذات يوم فقال: «يا أبا عمير ما فعل النغير» .
أما ما يفعله بعض الناس، كل كلامه مزح، فهذا كما أنه لا يليق بالرجل العاقل فضلا عن طالب العلم، فإنه يجعل كلامه مزحا حتى أن المخاطبين يقولون له أنت صادق أم تمزح؟ لأنه يجعل كل كلامه مزحا.
5- الدخول في حديث بين اثنين : فإن بعض الناس إذا رأى اثنين يتحدثان، دخل بينهما وهذا كالمتسلق للجدار، لم يأت البيوت من أبوابها.
ولهذا كان من آداب حاضر صلاة الجمعة ألا يفرق بين اثنين كما جاءت به السنة، فالتفريق بين اثنين في الكلام وفي الحديث من خوارم المروءة، وكذلك أيضا لا ينبغي إذا رأيت اثنين يتحدثان أن تقترب منهما، بل من الأدب والمروءة أن تبتعد، لأنه ربما يكون بينهما حديث السر ويخجلان أن يقولا لك أبعد، فالحديث سر، أو إذا كانا لا يستطيعان ذلك عدلا عن حديث السر فقطعت حديثهما.
6-الحقد: والحقد يعني الكراهية والبغضاء، فإن بعض الناس إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة حقد عليه، مع أن هذا الذي أنعم عليه لم يتعرض له بسوء، لكن حاقد عليه. وما قصة ابني آدم بغريب علينا.
قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. فقال الذي لم يتقبل منه إلى الذي تقبل منه لأقتلنك. كرهه وحقد عليه إلى حد أنه أودى بحياته، فقال له ذلك: (إنما يتقبل الله من المتقين) (سورة المائدة: 27). وليس بيدي تزكية نفسي أو لثناء عليها.
وإنما يريد أن يحث ذلك على التقوى حتى يقبل منه. كأنه قال له: اتق الله يقبل منك. ولكن : (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله) (سورة المائدة: 30).
فلا يجوز للإنسان أن يحقد على أخيه المسلم، ولا سيما أن يكون سبب الحقد ما من الله عليه من النعمة سواء دينيا أو دنيويا.
7- الحسد: من أخلاق اليهود، وبئس الخلق خلق الحسد، فما هو الحسد.
الحسد قيل هو: أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره.
يتمنى فقره إذا كان أنعم الله عليه بالمال، ونسيانه وجهله إذا كان أنعم الله عليه بالعلم، وفقد أولاده وعقم زوجته إذا كان الله من عليه بالأولاد وما أشبه ذلك.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:«الحسد كراهة نعمة الله على غيره». يعني ما يتمنى زوالها، لكن يكره أن الله أنعم على هذا الإنسان بهذه النعمة، فأما لو تمنى أن يرزقه الله مثلها، فليس هذا من الحسد بل هذا من الغبطة، التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا حسد إلا في اثنتين».
ومضار الحسد إحدى عشرة وهي:
1- أنه من كبائر الذنوب.
2- أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والحديث ضعيف.
3- أنه من أخلاق اليهود.
4- أنه ينافي الإخوة الإيمانية.
5- أنه فيه عدم الرضا بقضاء الله وقدره.
6- أنه سبيل للتعاسة.
7- الحاسد متبع لخطوات الشيطان.
8- يورث العداوة والبغضاء بين الناس.
9- قد يؤدي إلى العدوان على الغير.
10- فيه إزدراء لنعمة الله على الحاسد.
11- يشغل القلب عن الله.
8- سوء الظن: أن يظن بغيره ظنا سيئا، مثل أن يقول: لم يتصدق هذا إلا رياء، لم يلق هذا الطالب هذا السؤال إلا رياء ليعرف أنه طالب. وكان المنافقون إذا أتى المتصدق من المسلمين بالصدقة- إن كانت كثيرة- قالوا: مرائي، وإن كانت قليلة.
قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، فهم يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم. فإياك وسوء الظن.
فالواجب إحسان الظن بمن ظاهره العدالة، أما من ظاهره غير العدالة فلا حرج أن يكون في نفسك سوء الظن به، لكن مع ذلك عليك أن تتحقق حتى يزول ما في نفسك من هذا الوهم. لأن بعض الناس قد يسيء الظن بشخص ما بناء على وهم كاذب لا حقيقة له.
قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن) (سورة الحجرات: 12). ولم يقل كل الظن، لأن بعض الظنون لها أصل ولها مبرر (إن بعض الظن إثم) (سورة الحجرات: 12). وليس كل الظن، فالظن الذي يحصل فيه العدوان على الغير هذا لا شك أنه إثم، والظن الذي لا مستند له، هو أيضا إثم.
9- ومجالسة المبتدعة: وليته عمم: مجالسة كل من تخرم مجالستهم المروءة، سواء كان ذلك لابتداع أو سوء أخلاق أو انحطاط رتبة عن المجتمع أو ما أشبه ذلك.
فينبغي لطالب العلم أن يكون مرتفعا عن مجالسة من تخدش مجالستهم المروءة أو تخدش الدين. لكن كأنه خص ذلك بالمبتدعة لأن المقام مقام تعليم، فإذا وجدنا مبتدعا عنده طلاقة في اللسان، وسحر في البيان، فإنه لا يجوز أن يجلس إليه، لأنه مبتدع. لماذا لا يجوز؟
أولا- لأننا نخشى من شره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن من البيان لسحرا» . قد يسحر عقولنا حتى نوافقه على بدعته.
ثانيا- أن فيه تشجيع لهذا المبتدع أن يكثر الناس حوله أو أن يجلس إليه فلان وفلان من الوجهاء والأعيان، فهذا يزيده رفعة واغترارا بما عنده من البدعة وغرورا في نفسه.
ثالثا- إساءة الظن بهذا الذي اجتمع إلى صاحب البدعة، وقد لا يتبين هذا إلا بعد حين.
10- نقل الخطى إلى المحارم : يعني أن يمشي الإنسان على الأمور المحرمة، فإن هذا من خوارم هذه الحلية: إذ أن الذي ينبغي لطالب العلم أن يتجنب هذا، بل إن بعض العلماء يقول يتجنب حتى الخطى إلى أمر ينتقده الناس فيه، كما لو ذهب طالب العلم إلى ميع النساء. النساء لها أسواق للبيع، فذهب طالب العلم لأسواق النساء، هل هذا مما يحمد عليه أو مما يذم عليه؟ مما يذم عليه، يقال فلان طالب العلم يروح لأسواق النساء، حتى لو قال أنا أريد أن أذهب لأسواق النساء حتى أشتري لأهلي من هذه الأثواب التي تباع بالأسواق. قلنا وكل من يشتري عنك، أما أنت طالب علم ينتقد عليك هذا الفعل، ويقتدي بك من نيته سيئة.
ثم قال:«فاحذر هذه الآثام وأخواتها، واقصر خطاك عن جميع المحرمات والمحارم، فإن فعلت، وإلا فأعلم أنك رقيق الديانة، خفيف، لعاب، مغتاب، نمام، فإنى لك أن تكون طالب علم، يشار إليك بالبنان، منعما بالعلم والعمل؟
يعني: ينبغي للإنسان أن ينزل منزلتها وألا يدنسها بالأخلاق، لأن طالب العلم شرفه الله تعالى بالعلم وجعله قدوة، حتى إن الله تعالى رد أمور الناس عند الإشكال إلى العلماء. فقال :(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (سورة النحل: 43).
فالحاصل إنك يا طالب العلم محترم فلا تنزل نفسك إلى ساحة الذل والضعة، بل كن كما ينبغي أن تكون.
فهذه الحلية لا شك أنها مفيدة ونافعة لطالب العلم وينبغي للإنسان أن يحرص عليها ويتبعها، لكن لا يعني ذلك أن يقتصر عليها بل هناك كذلك كتب أخرى صنفت في آداب العلم ما بين قليل وكثير ومتوسط، وأهم شيء أن الإنسان يترسم خطى النبي صلى الله عليه وسلم ويمشي عليها، فهي الحلية الحقيقية التي ينبغي للإنسان أن يتحلى بها، كما قال سبحانه وتعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) (سورة الأحزاب: 21).
نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بصالح الأعمال، وأن يوفقنا للعمل بما يرضيه.

انتهى شرح المتن ..
رحم الله شيخينا الجليلين ، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
عودة
أعلى