الواقـع أن هـذه الأوقـات الكثيـرة تذهـب علينـا سـدى لا ننتفـع منهـا ، ولا ننفـع أحـدًا مـن عبـاد اللـه ، ولا ننـدم علـى هـذا إلا إذا حضـر الأجـل ، يتمنـى الإنسـان أن يُعْطَـى فرصـة ولـو دقيقـة واحـدة لأجـل أن يسـتعتب ، ولكـن لا يحصـل ذلـك .
ثـم إن الإنسـان قـد لا تفوتـه هـذه النعمـة ، بـل قـد لا تفوتـه هاتـان النعمتـان : الصحـة والفـراغ بالمـوت ، بـل قـد تفوتـه قبـل أن يمـوت ، قـد يمـرض ويعجـز عن القيـام بمـا أوجـب اللـه عليـه ، قـد يمـرض ويكـون ضيـق الصـدر لا ينشـرح صـدره ويتعـب ، وقد ينشـغل بإيجـاد النفقـة له ولعيالـه حتـى تفوتـه كثيـر من الطاعـات .
ولهـذا ينبغـي للإنسـان العاقـل أن ينتهـز فرصـة الصحـة والفـراغ بطاعـة اللـه عـز وجـل بقـدر ما يسـتطيع . ا . هـ ( شرح رياض الصالحين / العثيمين / ج : 3 / ص : 78 ) .
ما هـي واجبـات الأخـت المسـلمة نحـو وقتهـا وكذلـك الأخ ؟
1 ـ أن تحافـظ على وقتهـا كمـا تحافـظ على مالهـا بـل أكثـر منـه ، وأن تحـرص علـى الإسـتفادة مـن وقتهـا كلـه فيمـا ينفعهـا فـي دينهـا ودنياهـا .
وقـد كـان السـلف رضي الله عنهم أحـرص ما يكونـون علـى أوقاتهـم لأنهم كانـوا أعـرف النـاس بقيمتهـا ، وكانـوا يحرصـون كـل الحـرص على ألا يمـر يـوم أو بعـض يـوم أو برهـة من الزمـان وإن قصـرت دون أن يتزودوا منهـا بعلـم نافـع أو عمـل صالح أو مجاهـدة للنفس أو إسـداء نفـع للغيـر حتـى لا تتسـرب الأعمـار سـدى وتضيـع هبـاء وتذهـب جُفـاءً وهـم لا يشـعرون . قـال الشـاعر :
ا . هـ ( شرح ما سبق من كتاب : اقتربت الساعة / محمود المصري / ومن مصادر أخرى ) .
§ عـن ابـن عبـاس قـال : قـال رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى أله وسلم :
" اغتنـم خمسـًا قبـل خمـسٍ : حياتـك قبـل موتـك ، وصحتـك قبـل سـقمك ، وفراغـك قبـل شـغلك ، وشـبابك قبـل هرمـك ، وغنـاك قبـل فقـرك " .
( رواه الحاكم والبيهقي . وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع / حديث رقم : 1077 )
§ عـن أبـي بـرزة قـال : قـال رسـول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لا تـزول قدمـا عبـدٍ حتى يسـأل عن أربـع : عـن عمـره فيـم أفنـاه ، وعن علمـه ما فعـل فيـه ، وعـن مالـه من أيـن اكتسـبه وفيـم أنفقـه ، وعـن جسـمه فيـم أبـلاه " .
( رواه الترمذي . وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير وزيادته الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 7300 / ص : 1221 ) .
§ عـن ابـن مسـعود قـال : قـال رسـول اللـه :
" لا تـزول قدمـا ابن آدم يـوم القيامـة مـن عنـد ربـه ، حتـى يسـأل عـن خمـس : عـن عمـره فيـم أفنـاه ؟ وعـن شـبابه فيـم أبـلاه ؟ وعـن مالـه مـن أيـن اكتسـبه وفيـم أنفقـه ؟ ومـاذا عمـل فيمـا علـم ؟
( أخرجه الترمذي . وحسنه الشيخ الألباني في المصدر السابق ) .
§ عـن عبـد اللـه بـن عمـرو ، قـال : مَـرَّ بـي رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنـا أُطَيِّـنُ حائطـًا لـي ! أنـا ، وأمـي ، فقـال :
" ما هـذا يا عبـد اللـه " ؟ فقلـت : يا رسـول اللـه أُصلحـه ، فقـال : " الأمـرُ أسْـرَعُ مِـنْ ذاكَ " .
( أخرجه أبو داود . وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود / ج : 3 / حديث رقم : 4361 / ص : 983 ) .
مَـرَّ عليَّ رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونحـن نُعَالـج خُصّـًا لنـا وَهَـى ، فقـال : " ما هـذا " ؟ فقلنـا : خُـصٌّ لنـا وَهَـى فنحـن نُصْلِحـه ، فقـال رسـول اللـه : " ما أرى الأمْـرَ إلا أعْجَـلَ مِـنْ ذلـك " .
( أخرجه أبو داود . وصححه الشيخ الألباني ... المصدر السابق / ج : 3 / حديث رقم : 4362 ) .
§ عـن أبـي الـدرداء قـال : قـال رسـول اللـه : " لـو تعلمـون ما أعلـمُ ، لبكيتـم كثيـرًا ، وَلضحكتـم قليـلاً ، ولخرجتـم إلـى الصُّعـدات ؛ تجـأرون إلـى اللـه تعالـى ... " .
( حسن . أخرجه الحاكم . وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير وزيادته / الهجائي / ج : 2 / ص : 933 ) .
§ عـن الأعمـش قـال :
مَـرَّ عليَّ رسـول اللـه ، ونحـن نعالـج خُصّـًا لنا وَهَـى ، فقـال :
" ما هـذا " ؟ فقلنـا : خـصٌّ لنـا وَهَـى فنحـن نُصْلِحـه . فقـال رسـول اللـه : " ما أرى الأمـرَ إلا أعجـل مـن ذلـك " . ( صحيح أبي داود ) .
قـال الشـيخ أبو حاتم في شرح هذا الحديث / شريط رقم 1 / شرح رياض الصالحين / باب الاسـتقامة :
ما يقصـد صلـوات اللـه وسـلامه عليه ، أنْ يمنعهـم مـن إصـلاح ذلـك الخـص ـ البيـت ـ ولكـن يقصـد يذكرهـم بـأن الآخـرة هـي المتـاع ، وبـأن المـوت آتٍ لا محالـة ، وبأن العاقـل اللبيـب هـو الـذي يُصلـحُ هنالِـك قبـل أن يهتـم بإصـلاح هـذا الفانـي .
ولا شـك أن نصيحتَـه أيضـًا تتضمـنُ عـدم الانشـغال الزائـد بالدنيـا ، الذي يُلْهِـي المؤمـن ، ويجعـل الدنيـا فـي النهايـة كأنهـا الهـدف وكأنهـا الغايـة ، وكأنهـا هـي المقصـودة المـرادة .
" إن الأمـر أعجـل مـن ذلـك " يعنـي أن المـوت آتٍ لا محالـة ، ولابـد أن تسـتعدوا للقـاء اللـه عـز وجـل ، أي لا تبالِغُـوا فـي إصـلاح دنياكـم ، ولا تبالغـوا فـي الاهتمـام بهـا كمـا هـو الحـال الآن النـاس يهتمـون بالدنيـا اهتمامـًا مُبَالَغـًا فيـه . الدنيـا عنـد المؤمـن لابـد أن تكـون بقـدر ، ولابـد فعـلاً أن تكـون وسـيلة ، وإذا كانـت وسـيلة قطعـًا لـن يهتـم المؤمن بالمظاهـر الكاذبـة ، وبالأمـور التـي يُقصَـدُ بهـا التفاخـر والتباهـي ، المؤمـن سـيكون فعـلاً قَصْـدُهُ أن يسـتعين بهـا على حَسَـنَة ، هـذا قـدر الدنيـا عنـده ، أنهـا توصلـه ، هـي معبـر ، هـي جسـر ، فلـن يهتـم المؤمـن بهـا فـي هـذه الحالـة إلا ما يعيـن منهـا علـى طاعـة اللـه عـز وجـل .
فقولـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " إن الأمـر أعجـل مـن ذلـك " : أي لا تبالغـوا فـي الاهتمـام بأموركـم الدنيويـة .
قـال رسـول اللـه : " يقـول العبـد : مالـي مالـي ، وإن لـه مـن مالـه ثلاثـًا : ما أكـل فأفنـى ، أو لبـس فأبلـى ، أو أعطـى فأقنـى ، وما سـوى ذلـك فهـو ذاهـبٌ وتاركـه للنـاس " .
( صحيح مسلم / صحيح الجامع الصغير وزيادته الهجائي / ج : 2 / ص : 1351 ) .
§ عـن أبـي هريـرة قـال :
قـال رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
" إن اللـه يبغـضُ كـلَّ جعظـرِيٍّ ( 1 ) جَـوَّاظٍ ( 2 ) ، سَـخابٍ ( 3 ) في الأسـواق ، جيفـةٍ بالليلِ ، حِمـارٍ بالنهار ، عالـمٍ بالدنيـا ، جاهـلٍ بالآخـرة " .
( أخرجه ابن حبان . وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع الصغير وزيادته / الهجائي / ج : 1 / ص : 382 ) .
قـال رسـول اللـه :
" مـن كانـت الآخـرة همـه جعـل اللـه غنـاه فـي قلبـه ، وجمـع لـه شـمله وأتتـه الدنيـا وهـي راغمـة ، ومن كانـت الدنيـا أكبـر همـه جعـل اللـه فقـره بيـن عينيـه ، وفـرَّقَ شـمله ، ولم يأتـه مـن الدنيـا إلا ما كتـب له " .
( رواه الترمذي . وصححه الشيخ الألباني رحمه الله فـي صحيح الجامع / حديث رقم : 6510 ) وكانـوا يشـعرون مـع كـل هـذا بـأن أعمالهـم ضئيلـة لا تصلـح أن يقفـوا بهـا بيـن يـدي اللـه جـل وعـلا وذلـك لأنهـم يعلمـون أن النبـي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قـال :
" لـو أن رجـلاً يُجـر علـى وجهـه مـن يـوم ولـد إلـى يـوم يموت هرمـًا في مرضـاة اللـه عـز وجـل لحقـره يـوم القيامـة " .
( أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ الكبير وقال الشيخ الألباني في الساسلة الصحيحة : وهذا إسناد جيد ) .
وقـال رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
" لـو تعلمـون ما أعلـم لضحكتـم قليـلاً ولبكيتـم كثيـرًا ، فغطـى أصحـاب رسـول اللـه وجوههـم ولهـم خنيـن " .
( صحيح البخاري / فتح الباري / كتاب الرقاق / ... ) .
يـروي سـالم بـن عبـد اللـه رحمـه اللـه أن عمـر بـن الخطـاب كـان يُدخـل يـده في دَبَـر ( أي قرحـة البعيـر والمفـرد الدبـرة ) البعيـر ويقـول : إنـي لخائـفٌ أن أسـأل عمـا بـك .
( خبر صحيح ، أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن طريقه . صحيح التوثيق في سيرة
وحياة الفاروق عمر بن الخطاب / ص : 142 ) . وكـان ـ أي عمـر بـن الخطـاب ـ يبكـي مـن خشـية اللـه تعالـى ، وربمـا مـرَّ بالآيـة مـن ورده بالليـل فتخنقـه ، فيبقـى فـي البيـت أيامـًا ، يُعـاد يحسـبونه مريضـًا ! !
( خبر حسن لغيره . أخرجه أحمد في الزهد ، وابن عساكر ... المرجع السابق ) .
يـروي هانـيء مولـى عثمـان فيقـول : كـان عثمـان رضي الله عنه إذا وقـف علـى قبـر يبكـي حتـى يبـل لحيتـه ، فقيـل لـه : تذكـر الجنـة والنـار فـلا تبكـي ، وتبكـي مـن هـذا ؟ !
فقـال : إن رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قـال : " إن القبـر أول منـزل مـن منـازل الآخـرة ، فـإن نجـا منـه فمـا بعـده أيسـر منـه ، وإن لـم ينـج منـه فما بعـده أشـد منـه " . قـال : وقـال رسـول اللـه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " ما رأيـتُ منظـرًا قـط إلا والقبـر أفظـع منـه " .
( . أخرجه الترمذي 2308 ، وابن ماجه 4267 ، وأحمد في مسنده ، .... )
( صحيح التوثيق ( 3 ) في سيرة وحياة ذي النورين عثمان بن عفان / ص : 41 /
تأليف مجدي فتحي السيد / دارالصحابة للتراث بطنطا ) .
هـذا هـو الخـوف الإيجابـي الـذي يعيـن المـرء علـى المزيـد مـن طاعـة اللـه ، فليـس الخائـف مـن يبكـي وتسـيل دموعـه علـى خديـه ، ثـم يمضـي قُدمـًا فـي معاصـي اللـه ، وإنما الخائف هو مـن يتـرك ما يخـاف منـه .
وليراجع كتاب : الصحيح من فضائل الساعات والأيام والشهور وما ابتدع فيها / تأليف عمرو عبد المنعم / دار الصحابة للتراث ، وكذلك : الصحيح المسند من فضائل الأعمال والأوقات والأمكنة لأبي عبد الله علي بن محمد المغربي / راجعه مصطفى العدوي .
جزاك الله الفردوس الاعلى استاذتنا الغالية ، موضوع قيم يحتاج منا الى وقفات ، والى مزيد تدبر وامعان فما احوجنا لمثله خصوصا في خضم هذه الفتن المدلهمات . وصدق الشاعر حيث يقول
والوقت افضل ما عنيت بحفظه *** واراه اسهل ما عليك يضيع