القاعدة الأولى: الإخلاص سرُّ التوفيق والفتح من الله تعالى
خلاصُ النيةِ، والصَّدقُ في التَّوَجُّهِ إلى الله تعالى، والقصْدُ الحسَنُ، والحِفْظُ لأجل الله وابتغاء مرضاته، ذلك هو سِرُّ التوفيق في مسيرتك العلمية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11].
فمن حفظ القرآن ليقال عنه: حافظ، أو ليتفاخر به رياءً وسمعةً، فلا أجر له ولا ثواب، بل هو آثم.
فقد قال النبيُّ: «أوَّلُ الناس يُقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: وذكر منهم: ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها...؟ قال تَعَلَّمْتُ فيك العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ القرآن، قال: كذبْتَ، ولكن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقى في النّارِ».
قال عليّ بن المدينيّ: لَمَّا ودَّعتُ سفيان قال: أما إنك ستبتلى بهذا الأمر، وإن الناس سيحتاجون إليك فاتَّقِ الله، ولتحسن نيَّتُك فيه.
وقال النبي : «إنما الأعمال بالنيات».
وإن الطالب عندما يحفظ القرآن ابتغاء مرضاة الله تعالى يشعر بسعادة كبرى تَسْري في أعماقه- وهو يحفظ- لا تَعْدِلُها سعادة في الدنيا، وهي سعادة تُذَلَّل أمامه كلَّ الصعاب.
وإن دور الأستاذ المربّي في لَفْتِ نظر الطالب إلى إخلاص النية، والصدق في التوجُّه إلى الله دورٌ عظيمٌ لا يخفى.
ولْيحذرْ حافظ القرآن من الرياء في حفظه، فإن الرياء مرضٌ خطيرٌ، وداءٌ وبيلٌ، لأنه يُسخَّر الطاقاتِ ويُوجَّهها كلَّها لغير الله تعالى.
وقد ورد عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنه قال: «للمُرائي ثلاثُ علاماتٍ:
يَكسلُ إذا كان وحده.. وينشطُ إذا كان في الناس.. ويزيدُ في العمل إذا أثني عليه».
وينبغي على المربي ألا يزيد في عبارات المدح والإطراء لحفاظ القرآن؛ حتى لا يُوقعهم في الغرور، وأن يكون مدحُه لهم على سبيل التشجيع، والتَّحْفيز، وأن يكون بقَدَر.
أهم المصادر والمراجع:
- كيف تحفظ القرآن الكريم: د. يحيى غوثاني.
إن ذهن الصغير أصفى من ذهن الكبير لقلَّة المشاكل والمشاغل، ولذلك فإن اغتنام فرصة العُمُر في الحفظ صغيراً يعتبر عاملاً مهماً في ثبات القرآن منقوشاً في الذهن:
ففي الحديث أنه قال: «حِفْظُ الغلام الصَّغير كالنَّقْش في الحجر، وحفظُ الرجل بعدما يكْبَر كالكتاب على الماء».
وروى ابن ماجه بسنده إلى النبي قال: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممَّن أوتى الحُكم صبيَّاً».
وإن من يلقَّن القرآن وهو صغير يختلط القرآن بدمه ولحمه، وذلك لأنه تلقاه في المدة الأولى من العمر والتي يكون العقل فيها في طور النموَّ والتكامل، فالقرآن عندئذٍ يتزامن ثباتُهُ في القلب مع نموَّ هذا الجسد والعقل معاً، فعند ذلك يكون قد اختلط بدمه ولحمه.
روى البخاريُّ في تاريخه الكبير أن النبيَّ قال: «مَنْ تعلَّمَ القرآن وهو فتيُّ السنَّ خلطه الله بلحمه ودمه».
وإن أفضل سنٍّ للحفظ يبدأ من الخامسة في الأغلب، وهناك حالات لأطفالٍ بدؤوا بالحفظ وهم في الرابعة وأفلحوا، وأمَّا من هو دون ذلك فمن الممكن أن يُركَّزَ له على الحروف العربية المقترنة بالصور، وكلما كانت الحروف والصور كبيرة كانت نتيجتها أفضل.
ومن الممكن أيضاً تلقين الطفل في هذه السن بالسَّماع، فإنه يحفظ كل ما يُملى عليه، بشرط أن يكون بالأسلوب الذي يتناسب مع عقله وسنَّه، كطريقة الاستفادة من آلة التسجيل المكرر ، ونحو ذلك.
وأقترح أن يبدأ الأبوان بتلقينه قصار السور وهو ابن ثلاث سنين، ويُكرر ذلك عليه يومياً، ويُطلبُ منه قراءة ما حفظ أمام الآخرين ليتشجع على الحفظ، وليكسِر حاجزَ الخوف والرهبة.
وإن كلَّ واحدٍ منا يلاحظ على الأطفال الصغار أنهم يحفظون من الحكايات والقصص ما يملأ مجلداتٍ، وكلُّ ذلك- ولا شكَّ- يأخذ جزءاً من الذاكرة ويشغلها، فإذا وجَّهنا الطفل إلى حفظ القرآن وهو صغير نكون قد شغلنا ذاكراته بالمفيد الذي يعود عليه بقوة في القراءة والفصاحة وغير ذلك، وتتسع مداركه الذهنية منذ الصغر، وذلك مجرَّبٌ وملموسٌ.
تنبيه: إذا قرأت هذا الكلام وكنت ممن تجاوزتْ بك السن حدَّها، فحذارِ أن تقول: فاتني القطار، فمن كان لديه رغبة في الحفظ، وهمة عالية، فإنه سيحفظ إذا وضع أمام عينيه هدفاً بأنه لا بدَّ أن يحفظ، وإنني لأعرف إخوة حفظوا القرآن كاملاً بعد أن تجاوزوا سنَّ الأربعين.
القاعدة الثالثة: اختيار الوقت المناسب مساعد على الحفظ
إنَّ اختيار الوقت أمرٌ مهمٌ بالنسبة للحفظ، فلا ينبغي للإنسان أن يحفظ في وقت الضَّيق والضَّجر، أو في وقت ضجيج الأولاد، وإنما عليه أن يتحيَّن الوقت الذي يكون الجوُّ فيه هادئاً والنفس مرتاحة غير ضائجة.
ولقد ثبت من التجربة أن أفضل الأوقات لعملية الحفظ وقتُ السَّحر وما بعد الفجْر؛ وذلك لصفاء الذهن وراحة الجسد:
قال الخطيب البغدادي: اعْلَمْ أن للحفظ ساعاتٍ ينبغي لمن أراد التَّحَفُّظَ أن يراعيها، فأجود الأوقات: الأسحار...
وقال ابن جماعة: أجود الأوقات للحفظ الأسحارُ، وللبحث الأبكارُ، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: إذا هَمَمْتَ أن تحفظ شيئاً فَنَمْ، وقُمْ عند السَّحر فأسْرِجْ وانظُرْ فيه، فإنك لا تنساه بعدُ إن شاء الله.
وسئل حمادُ بن زيد: ما أعونُ الأشياء على الحفظ؟ قال: قلة الغمَّ. وقلة الغمَّ إنما تكون إذا كان القلب خالياً وذلك في هدأة الليل.
إن لاختيار المكان أثراً في عملية الحفظ، لذلك يُفضَّل ألاّ يكون المكان كثير المناظر والنقوش والزخارف والشواغل، وكلما كان المكان محصوراً - مع ملاحظة كون الهواء فيه متجدداً ونقياً- كان أفضل من الاتساع والأشجار والبساتين، لأن العين عند ذلك تسرح وتمرح.
وقد جاءت بهذا وصايا عن بعض أسلافنا الذين لهم قصب السبق في كثير من القضايا التربوية الحديثة:
قال الخطيب البغداديّ: اعلم أن للحفظ أماكن ينبغي للمُتحفَّظِ أن يلزمها، وأجود أماكن الحفظ: الغُرَفُ دون السُّفْل، وكلُّ موضعٍ بعيد ممَّا يُلهي، وخلا القلبُ فيه مما يُفزعُهُ فيَشغله أو يَغلب عليه فيمنعه ...وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة، ولا على شطوط الأنهار، ولا على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع- غالباً- ما يمنع من خلوَّ القلب وصفاء السرَّ.
وقال ابن الجوزي: ولا ينبغي أن يتحفَّظ على شاطئ نهر، ولا بحضرة خضرة؛ لئلاَّ يشتغل القلب.
والحفظُ والتركيز يختلف عن المطالعة الحرَّة، وإنَّ سعة المكان وكثرة المناظر والأشجار تُشتَّتُ الذَّهن، وتُبدَّدُ التركيز، وتصلحُ للمطالعة الحرَّة التي لا تحتاج إلى جهد وتركيز، كقراءة كتاب تاريخيّ، أو قصة.
وإن أفضل مكان نؤكد عليه هو المسجد؛ لأن الإنسان يحافظ في المسجد على منافذ القلب الثلاثة:
العين،فلا يرى المحرمات.
والأذن، فلا يسمع ما لا يرضي الله عز وجلّ.
واللسان، فلا يتكلم إلا بخير.
وهذه المنافذ الثلاثة تمثَّل بمجموعها الأداة التي يُحفظُ بها القرآن، فإذا كانت سليمةً نظيفةً كان الحفظُ جيداً ومتقناً.
ومما يلحق بهذه القاعدة: الحفظُ مشياً بين عمودين أو زاويتين من زوايا المسجد، فإن المشيَ يساعدُ كثيراً على بعث النشاط في الأعضاء إن أصابها الفتور، ويكون المشي أشبه ما يكون بعملية شحن (للبطارية).
وإن المشي يصلح للمراجعة بشكل جيّد، وذلك إذا كان بيدك مصحف تفتحه كلما توقفتَ أو تلكأتَ.
ومما يُلحق بهذا من بعض الوجوه: أن من إحدى طرق حفظ القرآن أن يقترن حفظك بمكان من الأمكنة، فعلى سبيل المثال خصَّص غرفة المكتبة لحفظ سورة الإسراء، والمسجد لسورة النحل، فإن صورة المكان تنطبع في الذهن وتنطبع معها تلك السورة فلا تغيب عن الذهن، وبذلك تستطيع أن تُثبَّتَ حفظك بملاحظتك هذا الأمر من البداية.
وما حادثة نزول القرآن على المصطفى r في غار حراء، واقترانهابذلك المكان المحبَّب له r عنا بغائبة، فلقد انطبعت الآيات التي سمعها على قلبه مقرونة بذلك الغار.
ولنا في نزول القرآن في مكة، وبعضه في المدينة، وبعضه على جبل كذا، وبعضه في بيت عائشة، أعظم دليل.
وقد أُثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أنزلتْ سورة من كتاب الله إلا وأعلمُ أين نزلت...».
فيا أخي الحبيب:
إذا أكرمك الله بزيارة للعمرة - مثلاً- فخَصَّصْ جزءاً من القرآن تحفظه في الحرم المكيّ هناك بجانب الكعبة المكرمة، وإذا زرتَ مسجدَ رسول الله r فاجعل لنفسك جزءاً تحفظه في الروضة الشريفة، فإن حفظك يقترن مع هذه الأماكن، ولا سيما وهي الأماكن المطهرة، فعند مراجعتك تجدها قويّة ثابتةً؛ لأنك لاحظتَ هذه الناحية.
وقد ذكر ابن جبير أنه أتم حفظ القرآن في رحلته عندما كان في صحراء مصر، عند بئر ماءٍ عذبٍ. لاحظ هذه الذكرى ما أجملها!
تنبيه:
ينبغي عليك ألاَّ تحفظ بجانب مرآةٍ، لئلا تشتَّتَ ذهنك في الحفظ، فإن الشيطان يشغلك بالنظر إليها، ويُفتَّقُ لك الأفكار حتى يُلهيك عن حفظ القرآن.
ولكن يُنصحُ بالاستفادة من المرآة في معرفة مخارج الحروف، وصفاتها، وذلك بالنظر فيها إذا أردتَّ أن تصحّحَ نطقك للمخارج؛ وذلك حتى تلاحظ حركة الشفتين، ومواضع اللسان في النطق بالحروف، فإن للمِرْآةِ دوراً لا يُستهان به في ملاحظة الدَّقَّة في إخراج الحروف من مخارجها.
وقد علمتُ - لاحقاً- أن بعض معاهد اللّغات يُوصون بها ويستعملونها في المعامل الصوتية؛ لما لها من فائدة في هذا الجانب.
القاعدة الخامسة: النغمة والقراءة المجوَّدة بصوتٍ مسموعٍ تثبِّت الآيات في الذاكرة
للقرآن الكريم خصائص عديدةٌ، فمن خصائصه الصوتيّة التي تميَّز بها عن كلام العرب ثلاثة أشياء:
أولاً: زيادة مقدار الغنة في النون والميم المشدَّدتين والإدغام والإخفاء.
ثانياً: زيادة مقدار المدّ في أماكنه المعروفة.
ثالثاً: النغمة الفطرية التي تجري على لسان القارئ منّا أنَّى كان مستواه العلميّ.
ولذلك فإن قراءة القرآن بنغمةٍ محببة لديك منضبطةٍ بأحكام التجويد تُسهَّلُ عليك عمليَّةَ الحفظ، وبالتالي تسهَّلُ عمليَّةَ استعادة المحفوظ مرةً أخرى غيباً، فإنك إذا تعودتَّ على إيقاع معين فعندما تُنقص كلمةً من الآية سَهواً فإنّ لسانك لا يُطاوعك، وإذا طاوَعَكَ اللّسانُ فإنَّ الأذنَ التي تعوَّدتْ على النغمة - في الغالب- لا تتقبل الخطأ.
وقد قال النبيُّ : «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن».
وقال أيضاً: «حسِّنوا القرآن بأصواتكم...».
وينبغي عليك أن تقرأ على سَجيَّتكَ، وألا تتكلَّفَ تقليد نغماتِ القرَّاء، وأن يكون ذلك بصوتٍ مسموع؛ لأن الجهرَ بالقراءة يُساعد في الحفظ:
قال الزبير بن بكّار: دخل عليَّ أبي وأنا أرَوَّي في دفتر ولا أجهر، أرَوَّي فيما بيني وبين نفسي، فقال لي: إنما لك من روايتك هذه ما أدَّى بصرُك إلى قلبك، فإذا أردتَ الروايةَ، فانظر إليها واجهرْ بها؛ فإنه يكون لك ما أدَّى بصرُك إلى قلبك، وما أدَّى سمعُك إلى قلبك.
وقال أبو هلالٍ العسكريُّ: وينبغي للدارس أن يرفعَ صوتَه في دَرْسِه حتى يُسْمِعَ نفسَه؛ فإن ما سمعتْهُ الأُذُنُ رسخ في القلب، ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرؤه، وإذا كان المدروس مما يفسحُ طريق الفصاحة، ورفع الدارسُ به صوته زادتْ فصاحته.
فالنغمة المنضبطةُ المجوَّدةُ المرتَّلةُ من خصائص هذا القرآن، ولذلك نلاحظُ الطفلَ الصغيرَ عندما يقرأ بعض الآيات فيخطئ فيها لا ينقِذُه من خطئه إلا إذا أعاد الآية مرة أخرى بالنغمة التي حفظ بها.
وكثيراً ما رأينا مشايخنا يقرؤون الآية أو تُقرأ عليهم فإذا اختلَّ منها حرفٌ واحدٌ أحسّوا به وقالوا للقارئ: لم تقرأ الآية صحيحةً، فيردَّدُونها- بلسانهم وبالنغمة التي حفظوها بها- ثانيةً حتى تستقيمَ.
وهذه الناحية هي طرفٌ من إعجاز القرآن جديرة بالبحث.
القاعدة السادسة: الاقتصار على طبعةٍ واحدةٍ من المصحف
إن الله عز وجل قد قيَّضَ لكتابه خطَّاطين وكتبةً كتبوا آلاف النسخ بشتَّى المقاسات، ومن هذه المصاحف ما تنبَّه فيه الخطَّاطون إلى أمر يتعلق بالحفظ، فرأوا أن بداية الصفحة بأول الآية وانتهاءها بآخر آيةٍ مما يُسهَّل الحفظ، ويضبطُ المقادير، فلذلك ينصحُ كثيرٌ من أولي الخبرة باقتناء مصحف الحفَّاظ، وهو الذي تولى طبعه مجمَّع الملك فهد في المدينة المنورة.
وقد يخالفهم في ذلك غيرهم فينصحون بالحفظ في المصحف الذي تنتهي صفحته في وسط الآية، ويُعتمد فيه على تقسيم الجزء إلى أرباع، وذلك حتى يسهل على الحافظ ربطُ الصفحات بعضها ببعض دون عناء.
وعلى أية حال إذا حفظت بمصحف معيَّنٍ فلا تُغيَّر الطبعةَ التي حفظت بها حتى لا تتشوّشَ أماكنُ الآيات في ذاكرتك، وذلك لأن صورَ مواضع الآيات تنطبعُ في الذهن على حسب صفحاتها.
ولكن يلاحظُ على كثير ممن حفظ بمصحف الحفاظ أنه إذا انتهتِالصفحةً توقَّفَ ولم يستطيعْ أن يُكمل الصفحة الثانية، لأنّ ذاكرته استوعبتِ الحفظ كلوحاتٍ كل لوحةٍ مستقلَّة عن أختها.
ولذلك يُنصحُ هؤلاء بالتنبه إلى عمليَّة الربط التي سأتكلم عنها في القاعدة الثامنة، وأن يركَّزوا كثيراً على أواخر وأوائل الصفحات، وخاصة في الحفظ الأوليّ.
القاعدة السابعة: تصحيحُ القراءة مُقَدَّمٌ على الحفظ
قبل أن تبدأ بحفظ أي سورة عليك أن تُصحَّحَ قراءتك لها، والتصحيحُ يشملُ تصحيحَ الحركات والمخارجِ والصفاتِ، وذلك لا يكون بالجهد الفرديّ، فلا بُدَّ من الاستعانة بالشيخ المتقنِ؛ لأن القرآن لا يُؤخذُ إلا بالتلقَّي عن المشايخ الذين تلقَّوا عن مشايخهم بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يتيسر الشيخ فالتسجيلاتُ الجيَّدةُ للمقرئين المُجيدين ربما تَسُدُّ بعض النقص، ولكن حذار من الاعتماد الكلّيّ عليها.
ولقد ثبت بالتجربة أن الذي يبدأ بالحفظ وحده بدون تصحيح للقراءة يقع في أخطاء كثيرة في الحركات، بل وفي نُطق بعض الكلمات، ويصعبُ عليه جداً أن يتركها فيما لو نُبَّهَ عليها فيما بعدُ.
وثبتَ بالتجربة أيضاً أن المدرَّسَ الذي يُصحَّحُ لطلابه القراءة قبل حفظهم يكون أكثر نجاحاً من غيره، وأن الطالب الذي يُصحَّحُ له المقطعُ فيقرؤه له الشيخُ، يحفظه بسرعة تفوقُ غيره بنسبة نصف الوقت تقريباً وخاصةً في الطلاب الصغار.
وقد رأيت في مدارس تحفيظ القرآن الكريم في تركيا أنهم يمكثون سنة كاملة يُصحَّحُون القراءة للطالب بدءاً من ألف باء إلى تصحيح المخارج وإتقان القراءة بالنَّظر، حتى يختم القرآن كلَّه ولا يسمحون له في السنة الأولى أن يحفظ شيئاً، ثم يبدؤون معه بالحفظ في السنة الثانية فيختم القرآن غيباً في سنة واحدة، وقد رأيت فيهم حُفَّاظاً متقنين مُجيدين.
تنبه:
ومن الأخطاء الطامّة التي رأيتها في بعض جولاتي التفتيشية على حلقات القرآن الكريم في الدول التي لا تتحدَّثُ العربية، أنهم – من باب التسهيل – قد طبعوا مصحفاً بالحرف اللاتيني، فترى الطالب يقرأ قراءة محرفة بحسب النص المكتوب أمامه، فعلى سبيل المثال تجد كلمة﴿عَمَّ﴾ مكتوبةً هكذا [ aamma] وكلمة﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ هكذا [ aatainaka] وفي هذا تحريف لكلام الله تعالى لا يخفى.
الطريقة المثلى
في حفظ القرآن لغير الناطقين بالعربية
وإن أفضل طريقة لغير الناطقين بالعربية، أن يكون ذلك على ثلاثة مراحل:
أ- أن يُعلَّموا الحروف على طريقة التهجّي قبل قراءة القرآن، بدءاً من ألف باء، ويمكن الاعتماد في هذه المرحلة على كتاب: «القاعدة البغدادية»، ويلقَّنوا ذلك تلقيناً حتى يتمكنوا من نطق الحروف، ومعرفتها بشكل جيد.
ب- ثم يُنقل بهم في المرحلة الثانية من معرفة الحروف الجزئية إلى معرفة الكلمات والجمل الكليّة، ثم إلى تصحيح قراءة القرآن نظراً في المصحف لضبط الحروف والحركات، بدءاً من قصار السور.
ج- ثم في المرحلة الثالثة يمكن أن يبدؤوا بعملية الحفظ، وعندئذٍ فلهم أن يسيروا على أيّ طريقة من الطرق التي سأتحدث عنها في الفصل التالي.
القاعدة الثامنة: عملية الربَّط تؤدي إلى حفظٍ مترابطٍ
من القواعد المهمة في الحفظ [عملية الربط]: وهي عبارة عن ربطٍ صوتيّ وبصريّ بين أواخر الآيات وأوائلها، وذلك بأن تفتح المصحف على الآيات التي تودُّ حفظها ثم تحفظ الآية الأولى وتركز النظر على آخرها.
اقرأ آخر الآية بصوت مسموع ثم صلها بسرعة – بدون أيِّ توقف- بأول الآية الثانية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [لبقرة: 143].
كرِّر هذه العملية مراراً لا تقلُّ عن خمس.
وينبغي أن تتأقلم مع هذه العملية بشكل جيد، فإنك ستحتاج إليها كثيراً بين كل آيتين، وبين أواخر الأجزاء وأوائلها، وبين السور، وستستفيد منها فائدة عظيمة، ذلك أن لسانك سيتحرك بشكل تلقائي بربط أواخر الآيات بأوائلها، فتسهل عليك مشكلة التوقف الكثير بين الآيات – وهي مشكلة أكثر طلاب تحفيظ القرآن- وبالتالي ستحصل على حفظ مترابط فيما لو واظبتَ على هذه العملية بشكل دائم بإذن الله.
ومما يُلحَق بعملية الربط: ربط أوائل الصفحات بأواخرها وخاصةً في مصحف الحفّاظ الذي تنتهي فيه الصفحة بانتهاء الآية، وهناك طريقة رائعة للتدرُّب على هذا النوع من الربط، وذلك بأن تطبِّقها قبل النوم بدون مصحف، وهي أن تحاول أن تتذكر قدر الإمكان أوائل الصفحات من الجزء المقرَّر عليك مراجعته في ذلك اليوم، وأن تُمرِّرَها على ذاكرتك.
ومما يُلحق بعملية الربط أيضاً: حِفظُك لأوائل الأرباع، وأن تتصور أن كلَّ جزء يشتمل على حزبين، والحزب يشتمل على أربعة أرباع، وحاول أن تركِّز في ذهنك على الجملة الأولى من كل رُبُع، ولنأخذ مثالاً على ذلك الجزء الأول من أول القرآن، نقسمه في الذاكرة إلى حزبين:
القاعدة التاسعة: عملية التَّكرار تحمي الحفظ الجديد من التفلُّت والفرار
إن الناس يتفاوتون في إحكام ما يحفظون، فمنهم من يثبتُ معه المحفوظُ مع قلة التَّكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التَّكرار الكثير.
والتَّكرار نوعان:
أ- تكرارٌ بمعنى إمرار المحفوظ على القلب سرَّاَ، وذلك بأن يمرَّر الأخ ما حفظه في نهاره – مثلاً – على ذاكراته قبل النوم بدون تلفُّظٍ، فإنه يُثَبَّتُ – من خلال هذا الإمرار – صور المحفوظ ومواضع الآيات، والهيكل العامَّ لما حفظه، كما أشرتُ إليه من قبل قليل.
قال سفيان الثوريّ: اجعلوا الحديثَ حَدِيثَ أنفسكم، وفكرَ قلوبكم تحفظوه.
ويمكن أن يقال: اجعلوا القرآن حديث أنفسكم، وفكر قلوبكم تثبَّتوه.
وقال العزُّ بنُ عبد السلام: ما نمتُ ليلةً إلآَّ وأمرَرْتُ أبواب الفقه على قلبي قبل النَّوم.
ب- وتكرار برفع الصوت وقراءة المحفوظ كاملاً:
وينبغي على من يريد حفظاً قوياً ثابتاً أن يُكثرَ من التَّكرار بالصوت المسموع مراراً عديدة، وأن لا يكتفيَ بمرَّةٍ أو مرَّتين مهما كان ذكياً.
قال ابن الجوزيّ: قال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوريّ: لا يحصلُ الحفظُ لي حتى يُعاد خمسين مرَّة.
وكان أبو إسحاق الشيرازيّ يُعيد الدرسَ مائة مرَّة.
فكثرة التَّكرار والإعادة صحيح أنها متعبة في أول الطريق ولكن نتائجها رائعةٌ جدَّاً في المستقبل.
والمحفوظ الذي لا يُكرَّر – وخاصة في المرحلة الأولى – يُسرعُ إليه النَّسيان ويتفلَّت؛ لأنه لم يُقيَّد بالتَّكرار.
واسمع لهذه الحادثة التي رواها الإمام ابن الجوزيّ حيث قال:وحكى لنا الحسن أن فقيهاً أعاد الدرس في بيته مراراً كثيرة، فقالت له عجوزٌ في بيته: قد والله حفظته أنا...! فقال: أعيديه، فأعادته، فلما كان بعد أيام قال يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال أنا أكرَُّ عدَّ الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك.
وإننا لنلاحظ أن كثيراً من العوامّ يحفظون سورة يس وسورة السجدة وأواخر البقرة وغيرها وما ذلك إلا لكثرة ما تكررتْ على مسامعهم، وسمعوها في المناسبات.
القاعدة العاشرة: الحفظُ اليوميُّ المنظَّم خيرٌ من الحفظ المتقطَّع
إن إلزام النفس بشيء مَّا في بداية الأمر يكون صعباً عليها، ومن الأشياء التي لا تميل النفس للالتزام بها: الحفظ، فإن كثير من الطلاب ينفرون من الدروس أو التخصُّصات التي يكثر فيها الحفظ، مع العلم أن الذهنَ إذا عوَّدَه الإنسان على الحفظ اعتاد وتمرَّن، وأصبح محبباً لديه.
فمن القواعد المهمة في حفظ القرآن الكريم:
أن تُلزم النفس بالحفظ اليومي: بأن تخصص قدراً لا تنقص عنه، فإذا واظفتَ على ذلك أياماً، وطردتّض وساوس الشيطان، ودواعيَ الكسل فإنك ستتروَّض على عملية الحفظ، ويُصبح الحفظُ، جزءاً من حياتك اليومية كالطعام والشراب.
قال الزهريُّ: إن الرجل ليطلبُ [أي العلم والحفظ] وقلبه شعبٌ من الشَّعاب، ثم لا يلبثُ أن يصير وادياً لا يوضع فيه شيء إلا التهمة.
أي: إن الرجل في بداية طلبه للعلم تكون ذاكرته ضيَّقة المدارك، لم تتمرَّس بعد على الحفظ، فإذا تدرَّبَ على الحفظ والقراءة والاطلاع والاجتهاد اتسعتْ مداركه، وأصبح الحفظ سجيَّةً له، فيصير قلبه يلتهمُ العلمَ التهاماً كالوادي يلتهمُ كلَّ شيءٍ.
وقال أبو السمح الطائي: كنت أسمع عمومتي في المجلس يُنشدون الشعر،فإذا استعدُّهم زجروني وسبُّوني وقالوا: تسمع شيئا ولا تحفظه..! قال الشيخ: وكان الحفظ يتعذَّرُ عليَّ حين ابتدأت أرُومه، ثمَّ عوَّدتُّه نفسي إلى أن حفظتُ قصيدة رُؤَبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق.... في ليلة واحدة، وهي قريب من مائتي بيتٍ.
فينبغي عليك – أخي المسلم – أن تفرَّغ وقتاً للحفظ يومياً مهما كان هذا الوقت يسيراً؛ فإن تواليَ نقطة الماء على الصخرة يُحدثُ فيها حفرة.
قال أبو هلال العسكريّ: كان أحمد بن الفرات لا يترك كلَّ يوم إذ1 أصبح أن يحفظ شيئاً وإن قلَّ.
وقال بعضهم: كنتُ أحضر مجلسَ الشيخ يوم الجمعة بالغداة من غير أن يكون درسٌ لئلا أنقصَ عادتي من الحضور.
ومن تنظيم عملية الحفظ:
أن تُريح نفسك يوماً أو يومين في الأسبوع، فلا تحفظ فيهما؛ فذلك أنشط للذاكرة، وأعونُ على الحفظ الثابت إن شاء الله.
قال ابن الجوزيّ: وينبغي أن يريحَ نفسه من الحفظ في الأسبوع يوماً أو يومين ليكون ذلك كالبناء الذي يُراحُ ليستقرَّ.
ومن تنظيم عملية الحفظ:
أن تُحدَّد لنفسك جزءاً معيناً، تحفظه في مدَّةٍ محدّدة، ثم ترتاح بعدها أياماً ثم تعود للحفظ مرةً أخرى، ويفضَّل أن يكون ذلك باستشارة الشيخ وتحت إشرافه، لا تبعاً لهوى النفسِ ورغباتها.
قال الخطيب البغداديّ: وينبغي أن يجعل لنفسه مقداراً كلما بلغه وقفَ وقفته أياماً لا يزيدُ تعلُّماً؛ فإن ذلك بمنزلة البنيان: ألآ ترى أن من أراد أن يستجيدَ البناء بنى أذرعاً، ثم ترك حتى يستقرّ ، ثم يبني فوقه؟
ولو بنى البناء كلَّه في يومٍ واحد، لم يكن بالذي يُستجادُ، وربّما انهدم بسرعة... فكذلك المتعلم ينبغي أن يجعل لنفسه حدَّاً كلما انتهى إليه وقف عنده حتى يستقرَّ ما في قلبه، فإذا اشتهى التعلُّم بنشاطٍ عاد إليه، وإن اشتهاه بغير نشاط لم يعرضْ له.
ومن تنظيم عملية الحفظ:
أن لا تحفظَ وقت الملل والضجرِ، بل إذا أحسست بالملل عليك أن تترك الحفظ وتلتفتَ إلى ما تستصلحُ به نفسك، فلتأخذ نصيباً من الراحة واللذة المباحة، أو اقرأ شيئاً من الحكاياتِ والنوادر والأشعار؛ فإن فيها فائدةً وحكمةً، وربما يذهبُ من خلالها المللُ عن نفسك.
القاعدة الحادية عشرة: الحفظُ البطيءُ الهادئ المحكمُ أفضلُ من السَّريعِ المندفعِ
إن دور عدسة العين في عمليَّة الحفظ دورٌ مهمٌّ جداً، وإذا اعتبرناها مثل عدسة آلة التصوير، فذلك أقرب تشبيهٍ لها، فكما أن حامل آلة التصوير يحرَّك آلته ببُطٍشديدٍ بين المشاهد التييودُّ التقاط صورٍ لها، ويعتني اعتناءً متميَّزاً بدقَّة يده لالتقاط نوادر الصُّور التي يحتاج إليها.
فكذلك الذي يرغب أن يحفظ صفحة من القرآن: عليه أن يقرأ الآية للمرة الأولى ببطءٍ، ويركَّزَ نظره بدقَّةٍ عليها، ثم يُردَّدَها بلسانه بهدوء ليتمكن من حفظها، وكلَّما كان الحفظُ بطيئاَ هادئاً مركَّزاً كانت النتيجة في المستقبل أفضل.
أما من ينتقل ببصره بسرعةٍ بين الآيات يريد أن ينتهيَ من مقرَّره لذلك اليوم بأيَّ أسلوبٍ، فتراه يقفزُ من أول الصفحة لآخرها ليحفظ كلمةً من هنا وسطراً من هناك، فإن هذا الحفظ سيكون مهزوزاً غيرَ ثابتٍ، سرعان ما يتفلَّتُ بعد مدَّة، ويحتاج صاحبه أن يحفظه مرَّةً أخرى كأنه لم يحفظه من قبل.ٍ
وكثيراً ما كنا نلاحظُ في حلقات التحفيظ طالباً يكلَّف بحفظ صفحة مَّا، فإذا به بعد دقائق يأتي ويزعم أنَّه حفظها، وربما يقرؤها – بالفعل – غيباً بأخطاء قليلة، ولكن على الأستاذ الموجَّه أن يتنَّبهَ إلى الوقت الذي قضاه الطالب في حفظ هذه الصفحة، وأن لا يقبل الحفظ العجلَ الذي فيه بعضُ الأخطاء من باب التسهيل على الطالب.
ولقد ثبت لديَّ من خلال التجربة: أن الآيات التي يحفظها الإنسان بتركيزٍ شديدٍ وببطءٍ وهدوءٍ، ويكرَّرها مراراً – قبل أن يقرَّر في نفسه أنه حفظها – تكون أقوى من غيرها بكثير، حتى أن الحفَّاظَ يُحسُّون من أنفسهم أنهم يتقنون حفظ بعض السور أكثر من غيرها، وما ذلك إلا لأنهم بذلوا جهداً مركَّزاً مبنياً على القواعد السليمة في حفظها.
قال الخطيب البغداديّ: ينبغي له [من يريد الحفظ] أن يتثبت في الأخذ، ولا يُكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً حسب ما يحتمله حفظه، ويقربُ من فهمه؛ فإن الله تعالى يقول:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلً
[الفرقان:32].