العودة   ملتقى طالبات العلم > . ~ . أقسام العلوم الشرعية . ~ . > روضة العلوم الشرعية العامة > روضة القرآن وعلومه

الملاحظات


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-02-25, 06:57 PM   #1
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Mo

من آية 42إلى آية 51
"وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ "
42.

وقوله- تعالى- وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ.. إلخ معطوف على قوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي.. إلخ ،عطف القصة على القصة، فإن الله- تعالى- بعد أن ذكر ما قالته امرأة عمران عند ما أحست بالحمل. وبعد ولادتها لمريم، وما كان من شأنها وتربيتها وكفالتها بعد أن ذكر ذلك، بيَّنَ- سبحانه ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت رشدها واكتمل تكوينُها، وجاء بقصة زكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما من مناسبة إذ أن دعاء زكريا ربه كان سببه ما رآه من إكرام الله- سبحانه- لمريم ولأن الكل لبيان اصطفاء آل عمران..

يَقصُّ الله تبارَك وتعالَى على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما كان من شأنِ مريم عليها السَّلام؛ إذ نادتْها الملائكةُ فقالت لها: يا مريمُ, إنَّ الله اجتباكِ واختاركِوطهَّركِ في الخُلق والدِّين, وفضَّلكِ على نِساء العالَمين.الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، أو مطلقا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم يناف الاصطفاء المذكور.

" يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"
47
.

فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها وتطهيرها، كان في هذا من النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها القيام بشكرها، فلهذا قالت لها الملائكة: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ......:

القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع . أي: قالت الملائكة أيضًا لمريم: يا مريم أخلصي العبادة لله وحده وداومي عليها، وكوني مع الخاشعين العابدين المصلِّين وخص السجود والركوع لفضلهما ودلالتهما على غاية الخضوع لله.

فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربًا وحبًا من خالقه- عز وجل-.

"ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ"
44
.

اسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة.

أَنبَاءِ: جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن.

الْغَيْبِ: مصدر غاب، وهو الأمر المغيب المستور الذي لا يعلم إلا من قبل الله- تعالى-.

نُوحِيهِ: من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفي، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الإلهام.

أي: ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران وما قاله زكريا، وما قالته الملائكة لمريم وفيما يتعلق بغير ذلك من شئون ذلك القصص الحكيم هو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد سوى الله- عز وجل- وقد أخبرناك بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون.

وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ : أي: وما كنتَ- يا محمَّدُ- معاصرا لزكريَّا وقومِه حينذهبت امرأة عمران بمريم إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحوا وتخاصموا أيهم يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجر قلمه مع الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا نبيهم وأفضلهم. فلولا أنَّ الله أَوحى إليك ذلك لَمَا كان لك علمٌ به.

"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"
45.

يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، فإن عيسى- عليه السّلام- لم يكن كباقي البشر من ذكر وأنثى، بل خلقه الله- تعالى- خلقًا آخر، خلقه بِكَلِمَةٍ مِنْهُ وهي "كن" فكان كما أراده الله لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم.

والمسيح: لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك. وقد حكى الله- تعالى- أن عيسى قال عن نفسه"إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا"
مريم : 30 / 31.

وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ:يقال وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس. واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف الأعضاء ولأنه هو الذي يواجه الإنسان به غيره. وعيسى عليه السّلام، شهد الله تعالى له، - وكفى بالله شهيدًا- شهد له بالوجاهة وسمو المنزلة في الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ودعوتهم إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق، وإقامة التوراة بعد أن اختلفوا فيها.

فله الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب.

وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: وهذه القربى تنال بتحقيق أسبابها من الاجتهاد بالتقرب إلى الله تعالى بعبادته في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل. إن المقربين لهم أعلى المنازل في الجنة، وعلى رأس المقربين الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن صفات المقربين الاستقامة على دين الله تعالى والتقرب إليه بالفرائض والنوافل والبعد عما نهى الله عز وجل عنه.اللهم اجعلنا وإياكم من المقربين في عافية دنيا وأخرى.

وشهد الله لعيسى عليه السلام أنه من المقربين عزَّ وجلَّ في الدُّنيا والآخِرة - ويا لها من صفة عظيمة هي منتهى ما تتطلع إليه النفوس وتهفو القلوب.

"وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ "
46.

والمراد أن عيسى- عليه السّلام- يكلم الناس في حال كونه صغيرا قبل أوان الكلام وهو ما زال في المهد ؛والمهد هو مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ، وهو ما يُهيَّأ للصَّبي، وأصلُه: التَّوطئةُ للشَّيء وتسهيلُه، كما يكلمهم في حال كهولته واكتمال شبابه - والكهل: هو الشخص الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه. وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوى وتم.، فهو- عليه السّلام- يكلمهم بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حالتي الطفولة والكهولة، وذلك إحدى معجزاته- عليه السّلام- وقد حكى القرآن في سورة مريم ما تكلم به عيسى- عليه السّلام- وهو طفل صغير فقال- تعالى" فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا."ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ" مريم :
34:31.

وَمِنَ الصَّالِحِينَ:أي عباد الله الصالحين لحمل رسالته وتبليغها للناس. أو من الذين يصلحون ولا يفسدون ويطيعون الله- تعالى- ولا يعصونه، قالوا: ولا رتبة أعظم من كون المرء صالحًا لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال والتروك مواظبًا على المنهج الأصلح، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا، في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح، فلما عدد- سبحانه- صفات عيسى أردفها بهذا الوصف - وَمِنَ الصَّالِحِينَ- الدال على أرفع الدرجات .تلك هي البشارات التي بَشرت بها الملائكةُ مريم، وتلك هي بعض صفات مولودها فماذا كان موقفها من ذلك؟لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها، وشدة تأثرها فقال- تعالى:

" قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ "
47.

وصدرت إجابتها بنداء الله- تعالى- للإشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهية وأن استغرابها وتعجبها إنما هو من الكيفية لا إنكارًا لقدرة الله- تعالى- وجملة وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ حالية محققة لما مر ومقوية له.والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن المباشرة التي تقع بين الرجل والمرأة والتي يترتب عليها وجود النسل إذا شاء الله ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل، لأنها كانت معتكفة في بيت الله ومنصرفة لعبادته، ولم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط.وبذلك ينتفي بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس، فموضع عجبها واستنكارها إنما هو وجود ولد منها مع أنها لم يمسسها بشر.

قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ:وقضى هنا بمعنى أراد- أي قال الله- تعالى- لها بلا واسطة أو بواسطة ملائكة ، فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين أبوين أحدهما كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى عليه السلام من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، ويصنَعُ ما يُريد، فلا يُعجِزه شيءٌ.

كما قال تعالى" إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
النحل: 40.

"وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ"
48
.

قوله- تعالى-: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ معطوف علىيُبَشِّرُكِ . والمراد بالكتاب الكتابة والخط، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"
العلق:1
.. فإن عيسى- عليه السّلام- قد بعثه الله- تعالى- في أمة ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة فأكرمه الله بأن جعله يفوق غيره في هذه النواحي. وقيل المراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية.

والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك امتنانًا على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه.

قال الفخر الرازي "والأقرب عندي أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة. ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومجموعهما هو المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار علمًا بالخط والكتابة ومحيطًا بالعلوم العقلية والشرعية يعلمه التوراة – التي نزلت على موسى عليه السلام. وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة، لأن التوراة كتاب إلهي فيه أسرار عظيمة والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث عن أسرار الكتب الإلهية. ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل – الذي نزل على عيسى عليه السلام. وإنما أخر ذكر الإنجيل عن التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي نزل على مَن قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله عليه بعد ذلك كتابًا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى والمرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية" ا.هـ .

"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"
49.

ثم ذكر له كمالا آخر وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل فأرسله الله إلى هذا الشعب يدعوهم إلى الله، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ولكي يبشرهم برسول يأتي من بعده هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ألا وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم. وأقام له من الآيات ما دلهم أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا ولهذا قال"أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ " ثم ذكر- سبحانه- خمسة أنواع من معجزات عيسى- عليه السّلام- دالة على صدقه، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ: والمعنى أن عيسى- عليه السّلام- قد حكى الله- عنه أنه قال لبني إسرائيل: لقد أرسلني الله إليكم لأبلغكم دعوته، ولآمركم بإخلاص العبادة له، وقد أعطاني- سبحانه- من المعجزات ما يقنعكم بصدقي فيما أبلغه عن ربي، ومن بين هذه المعجزات أني أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئًا صورته مثل صورة الطير، فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرًا حقيقيًا ذا حياة بإذن الله أي بأمره وإرادته.

فالجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال: ثنتان منهما لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه. أما الثالث فهو من صنع الله- تعالى- وحده ألا وهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى ونفخ فيها. وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس في عيسى ألوهية ولا أي معنى من معانيها. ولذا حكى الله- تعالى- عنه أنه قال: بِإِذْنِ اللَّهِ.

وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن في قوله- تعالى"وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ "وَأُبْرِئُ أي أشفي

الْأَكْمَهَ: هو الذي يولد أعمى.

وَالْأَبْرَصَ: هو الذي يكون في جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض الجلدية المنفرة التي عجز الأطباء عن علاجها .

والمعنى: أن عيسى- عليه السّلام- قال لقومه: والمعجزات التي تدل على صدقي أن أشفي وأعيد الإبصار إلى من وُلد أعمى، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض البَرَص، وأعيد الحياة إلى من مات. ولا أفعل كل ذلك بقدرتي وعلمي وإنما أفعله بإذن الله وبإرادته وأمره.

وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منهما فإذا أجرى الله- تعالى- على يد عيسى الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب والمسببات خالقا مختارا لا يعجزه شيء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في الإيجاد أو الإعدام وإنما المؤثر هو الله- تعالى- وقوله وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب، لأن مما لا شك فيه أن إحياء الموتى خارق عظيم، يدل دلالة قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هي المؤثرة بإرادة خالق الكون وقدرته سبحانه.

وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن الله: للتنبيه على أن ما يفعله من خوارق إنما هو بأمر الله وتيسيره وإرادته.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيات وأذعنتم للحق الذي جئتكم به من عند الله.

وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدَّق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان.

"وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ "
50 .

والمعنى: أن عيسى- عليه السّلام- قال لبني إسرائيل: إن الله- تعالى- قد أرسلنى إليكم لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التي تثبت صدقي. وجئتكم مصدقًا - أي مُقِر ومؤمن ومثبت - لما بين يدي - أي لما تقدم قبلي: - من التوراة.

وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ : أي أن شريعة عيسى عليه السلام جاءت متممة لشريعة موسى عليه السلام وناسخة لبعض أحكامها، فلقد حرم الله- تعالى- على بني إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء في قوله- تعالى "فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا"
النساء : 160
. فجاءت شريعة عيسى- عليه السلام- لتحل لهم بعض ما حرمه الله عليهم بسبب ظلمهم وفجورهم.

وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ : تحريض لهم على الاستجابة لما يدعوهم إليه. جئتكم بهذه الآيات التي تدل على صدقي ووجوب اتباعي، وهي ما تقدم من الآيات، والمقصود من ذلك كله قوله "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ".اتقوا الله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله.

"إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ "
51.

ثم حكى القرآن أن عيسى- عليه السلام- قد قرر أن هذه المعجزات الباهرة لن تخرجه عن أن يكون عبدًا لله مخلوقًا له، وأن من الواجب على الناس أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا.فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ: أي قال عيسى- عليه السلام- داعيًا قومه إلى عبادة الله- تعالى- هو الذي خلقني وخلقكم وهو الذي رباني ورباكم، فأخلصوا له العبادة فإن عبادته- سبحانه- وطاعته هي الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التباس.

والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو: ماذا كان موقف بني إسرائيل منه بعد أن جاءهم بما جاءهم به من بينات وهدايات؟

هذا ما سنتابعه في الآيات التالية إن شاء الله
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 06:58 PM   #2
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Hr

تفسير سورة آل عمران
من آية 52 إلى آية 63

" فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"
52.

أَحَسَّ : عَلِم ووجَد، أو رأى وسمِع، والتعبير بأحس يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس ؛ وعبَّر بذلك لأنَّه قد ظهَر منهم الكفرُ ظهورًا بان للحِسِّ، فضلًا عن الفَهم. الفاء في قوله فَلَمَّا تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة .
الْحَوَارِيُّونَ: جمْع حوارِيٍّ، وهمْ أصفياءُ عِيسى عليه السَّلام وشِيعتُه وناصِرُوه، وخُلاصةُ أصحابِه، وشاعَ استعماله في الَّذين خَلَصوا وَأَخْلصُوا فِي التَّصْدِيق بالأنبياءِ ونُصرتِهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ؟ -يَومَ الأحْزَابِ- قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قَالَ: مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.؟
صحيح البخاري.

عِندَ تَكرُّرِ استِجابةِ الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنه قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" إنَّ لِكُلِّ نَبيٍّ حَوَارِيًّا، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ"، والحَواريُّ: هو النَّاصِرُ.
والمعنى: أن عيسى عليه السلام- لما أحس الكفر من بني إسرائيل استنصرَ وقال لهم من أنصاري إلى الله؟ فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم الله- تعالى؛ نحن أنصار الله.
فهم لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى- عليه السلام- في طلب النصرة دون أن يخشوا أحدًا إلا الله.وقولهم- كما حكى القرآن عنهمنَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ إشعار بأنهم ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله ودفاعًا عنِ الحقِّ الذي أنزله سبحانه على رسوله عيسى عليه السلام .
وقولهم آمَنَّا بِاللَّهِ جملة في معنى العِلة للنصرة - توحيد الله - أي نحن أنصار الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه هو الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء.
وقولهم وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى- عليه السلام- أن يكون شاهدًا لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم الله وأخلصوا له العبادة حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم.قال تعالى "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ"النحل 89.
قوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ:هم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة. تفسير القرطبي.كل رسول يشهد على أمته لأنه أعظم اطلاعًا من غيره على أعمال أمته، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون.تفسير السعدي.

"رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. "
53".

بعد أن أعْلنوا إيمانهم, وأَشهَدوا عيسى عليه السَّلام على إسلامِهم، دعَوْا ربَّهم متوسِّلين بإيمانهم بما أنزل، واتِّباعهم لعيسى عليه السَّلام، أنْ يَكتُبَهم مع مَن شهِد له بالوحدانية, ولرُسلِه بالصِّدق, واتَّبَعوا أوامرَه, واجتنَبوا نواهيَه، المستحقين لرضاه ورحمته.
فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله- تعالى- بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم أعلنوا إيمانهم به وبما أنزل على أنبيائه، ثم أقروا باتباعهم لرسوله والأخذ بسنته، ثم التمسوا منه- سبحانه- بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذين رضي عنهم وأرضاهم.

"وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
54".

ثمَّ يُخبر تبارَك وتعالَى عن مَكرِ مَن كَفَر بعيسى عليه السَّلام مِن بني إسرائيل.
والمكر: من صفات الله الفعليه الخبرية التي لا يوصف بها وصفًا مطلقًا، فإن مكر الله على من يمكر به . قال العلامة العثيمين في المجموع الثمين:لا يوصف الله تعالى بالمكر إلا مقيدًا، فلا يوصف الله تعالى به وصفا مطلقًا، والمكر التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر، فإن قيل: كيف يوصف الله تعالى بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟ قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله تعالى به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر. اهـ.
قال الطيبي: المكر الخداع، وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون.ا.هـ
المكر لغة واصطلاحًا : التدبير المُحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة.وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى- عليه السلام- ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل.
- أحَدُهما مذمومٌ: وهو الأشهَرُ عِندَ النَّاسِ والأكثَرُ، وذلك أن يَقصِدَ فاعِلُه إنزالَ مَكروهٍ بالمخدوعِ، وهو الذي قصَدَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقولِه"من غشَّنا فليس منَّا ، و المكرُ والخِداعُ في النَّارِ
"الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم : 6408 - خلاصة حكم المحدث : صحيح
.
والمعنى: أنَّهما يؤدِّيان بقاصِدِهما إلى النَّارِ.
- والثَّاني محمود:على عَكسِ ذلك، وهو أن يقصِدَ فاعِلُه إلى استجرارِ المخدوعِ والممكورِ به إلى مَصلحةٍ لهما، كما يُفعَلُ بالصَّبيِّ إذا امتَنَع من تعَلُّمِ خيرٍ
والمعنى: أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. فأحبط الله- تعالى- مكرَهم، وأبطل تدبيرَهم بأن نجى نبيه عيسى- عليه السلام- من شرورهموَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقواهم مكرًا وأنفذهم كيدًا، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المُعَاقَب.
وقال ابنُ القَيِّمِ"المَكْرُ ينقَسِمُ إلى محمودٍ ومذمومٍ؛ فإنَّ حقيقتَه إظهارُ أمرٍ وإخفاءُ خلافِه؛ ليتوصَّلَ به إلى مرادِه. فمِن المحمودِ: مَكرُه تعالى بأهلِ المَكْرِ؛ مقابلةً لهم بفِعلِهم، وجزاءً لهم بجِنسِ عَمَلِهم.انتهى.
والصفات ثلاثة أنواع :
الأول : صفات كمال ، لا نقص فيه بوجه من الوجوه. فهذه يوصف الله تعالى بها وصفًا مطلقًا ولا يقيد بشيء ، مثال ذلك : العلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والرحمة . . . إلخ .
الثاني : صفات نقص ، لا كمال فيها ، فهذه لا يوصف الله تعالى بها أبدًا ، كالنوم ، والعجز ، والظلم ، والخيانة . . إلخ .
الثالث : صفات يمكن أن تكون كمالًا ، ويمكن أن تكون نقصًا ، على حسب الحال التي تُذكر فيها .
فهذه لا يوصف الله تعالى بها على سبيل الإطلاق ، ولا تُنفى عنِ اللهِ تعالى على سبيل الإطلاق ، بل يجب التفصيل ، ففي الحال التي تكون كمالًا يوصف الله تعالى بها ، وفي الحال التي تكون نقصًا لا يوصف الله تعالى بها. ومثال هذا : المكر ، والخديعة ، والاستهزاء .
ولذلك لم يرد وصف الله تعالى بهذه الصفات على سبيل الإطلاق ، وإنما ورد مقيداً بما يجعله كمالاً .
قال الله تعالى "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ
" النساء /142.
فهذا خداع بالمنافقين .

" إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"
55
".

ثم حكى- سبحانه- بعض مظاهر قدرته، ورعايته لعبده عيسى- عليه السلام- وخذلانه لأعدائه فقال- تعالى. إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ:قول جمهور العلماء: أي: واذكُرْ إذ قال اللهُ لعيسى عليه السَّلام: يا عيسى إني آخذك وافيًا بروحك وجسدك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفي حظك من الحياة هناك. فرفع الله عبده ورسوله عيسى إليه، وألقي شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال الله"وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ" النساء :
157.

وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أي: مخلِّصُك ممَّن كفرَ بك، ومُخرِجك من بينهم، برفعي إيَّاك إلى السَّماء.
كما قال تعالى: " وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ"
مائدة: 110.

وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ : وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك، وصدقوا بكل نبي بعثه الله- تعالى- بدون تفرقة بين أنبيائه ورسله
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: أي: وجاعلٌ أتباعَك يا عيسى فوق الَّذين كفروا، بالحُجَّةِ والبُرهان، وبالعزَّة والغَلَبة.
والمراد بالفوقية ما يتناول الناحيتين الروحية والمادية، أي هم فوقهم بقوة إيمانهم، وحسن إدراكهم، وسلامة عقولهم، وهم فوقهم كذلك بشجاعتهم وحسن أخذهم للأسباب التي شرعها الله- تعالى- كوسائل للنصر والفوز ولذا قال صاحب الكشاف قوله: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: أي: ثمَّ يومَ القيامة إليَّ مصيرُكم- أيُّها المختلِفون في عيسى عليه السَّلام جميعًا- فأَقضِي بينكم فيما كُنتُم تَختلفونَ فيه مِن أمْرِه عليه السَّلام.
والعبرة ليست بخصوص السبب ولكن بعموم الحكم ، فجميع الخلائق مصيرها ومرجعها إلى الله ثم إلى الله فيحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا من شئون دينية أو دنيوية. قال تعالى "إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ "25" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم "
26.الغاشية.

ثم فصل سبحانه- هذا الحكم الذي سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال:
"فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ"
56.

ثم أخبر عن حكمه بينهم بالقسط والعدل ،فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا: أي: بالله وآياته ورسله.فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ:أي فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم، وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألَمِهِ إلا الله- تعالى- وأما في الآخرة فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار. فعذاب الآخرة هو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار وحرمانهم ثواب الأبرار؛اللهم ثبت قلوبنا على دينك.
وقد أكد- سبحانه- شدة هذا العذاب بعدة تأكيدات منها نسبة العذاب إليه- سبحانه- فَأُعَذِّبُهُمْ- وهو القوي القهار الغالب على كل شيء، ومنها التأكيد بالمصدر -عَذَابًا- ، ومنها الوصف بالشدة - شَدِيدًا-، ومنها الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد في قوله- تعالى-وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:أي: وليس لهم أحدٌ يَدفَعُ عنهم العذابَ، ولا يمنَعُ عنهم أليمَ العِقاب .هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين ففي قوله تعالى في الآية التالية:
" وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"
57"
.
أي: وأمَّا الَّذين آمنوا وعمِلوا الصَّالحات،الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وغير ذلك مما أمر الله بالإيمان وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِالقلبية والقولية والبدنية التي جاءت بشرعها المرسلون، وقصدوا بها رضا رب العالمين .
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ : فيُتمُّ لهم جزاءَهم من الثَّواب دون نَقصٍ أو بَخْسٍ في الدُّنيا والآخرة، دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرًا موفرًا، فيعطي كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه .فيظفرون بالجنَّةِ والنَّعيمِ المقيم برحمته.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: وفي هذا وعيد منه سبحانه للكافرين به وبرسله، ووعد منه للمؤمنين به وبرسله.قال تعالى "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ "
لقمان 13
.
عَنْ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ"الأنعام:
82،
شَقَّ ذلكَ علَى أصْحابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟!فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ليسَ كما تَظُنُّونَ؛ إنَّما هو كما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ"يَا بُنَيَّ لَاتُشْرِكْ بِاللَّهِإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"لقمان: 13
.الراوي : عبدالله بن مسعود - صحيح البخاري.

"ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ"
58"
.
ذَلِكَ :اسم إشارة وهو مشار به إلى المذكور من قصة آل عمران وقصة مريم وأمها، وقصة زكريا وندائه لربه، وقصة عيسى وما أجراه الله- تعالى- على يديه من معجزات وما خصه به من كرامات.
أي ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد نَتْلُوهُ عَلَيْكَ أي نقصه عليك متتابعًا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه.
مِنَ الْآيَاتِ: المعنى يحتمل أن يكون المراد منه أن ذلك من آيات القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك.
وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ: أي والقرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى"الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
" هود:1.
.
وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي نقلت منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-
"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"
59
".
والتشبيه واقع على أن عيسى خُلق من غير أب كآدم ، لا على أنه خلق من تراب.
والمعنى: إن شأن عيسى وحاله الغريبة عِنْدَ اللَّهِ أي في تقديره وحكمه سبحانه كَمَثَلِ آدَمَ أي كصفته وحاله العجيبة في أن كليهما قد خلقه الله- تعالى- من غير أب، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم أيضًا، خلَقه من ترابٍ بلا أبٍ ولا أمٍّ، ثمَّ قال له: كُنْ، فكان, فخَلْقُ عيسى بلا أبٍ ليس بأعجبَ مِن خَلْق آدمَ عليهما السلام.
"الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ"
60".

والامتراء هو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق.
والمعنى: هذا الذي أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثابت اليقيني الذي لا مجال للشك فيه، فاثبت على ما أنت عليه من حق،ولا تكونن من الشاكين في أي شيء مما أخبرناك به.
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ:إضافة الحق إلى الله -تبارك وتعالى، هذا غاية ما يمكن أن يكون دليلاً على صحته، فلا يتطرق إليه شك بوجه من الوجوه؛ لأنه من الله الذي أحاط بكل شيء علمًا.
رَّبِّكَ :وإضافة الرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه لا شك أنها ربوبية خاصة، فهذه فيها تشريف لمقام النبي صلى الله عليه وسلم.

لذا كان النهي عن الامتراء والشك في ذلك الحق فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ، يعني: من الشاكين، لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء.
قال الآلوسى: وقوله فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب له صلّى الله عليه وسلّم ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلّى الله عليه وسلّم.ا.هـ.
وحاشا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم من الشاكين، لكن هذا فيه إلهاب، من أجل الامتثال والحرص والتمسك بما جاء عن الله.من جهة، ومن جهة أخرى، فإن ذلك أيضًا متوجه إلى أتباعه، فالأمة تُخاطب في شخصية قائدها وقدوتها ومقدمها -عليه الصلاة السلام-، فلا يجوز لأحد أن يقع عنده شيء من الشك في هذه الأمور التي بيّنها الله .غاية البيان؛فإذا قامت الحجة، واتضحت المحجة، واستبان السبيل، فليس لأحد عُذر بعد ذلك إذا وقع في شيء من الانحراف أو الشك، فإن ذلك يرجع إلى فساد القصد، وغلبة الهوى، فمزاولات الإنسان هي التي قد توقعه في شيء من الامتراء والانحراف . أيضًا تعريض لهؤلاء الممترين الذين وقعوا في لبس وعماية.
وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة هامة وهي أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا، فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى "فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ"
يونس: 32
.وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون.
"فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ""
61
.
وقوله حَاجَّكَ من المحاجة وهي تبادل الحجة والمجادلة بين شخص وآخر.
والفاء في قولهفَمَنْ حَاجَّكَ للتفريع على قوله- تعالى- الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.
فمن جادلك في شأن عيسى عليه السّلام وزعم أنه فوق منزلة العبودية من بعد الذي أنزلناه إليك من هذه الدلائل الواضحة وهذا البيان وما قصصناه عليك في أمره، ومن بعد ما جاءك من العلم في شأن عيسى عليه السلام ، ولم يعد لمُبطل مقال، فلا تبادله المجادلة، فإنه معاند لا يقنعه الدليل مهما كان واضحًا، ولكن ادعوهم إلى الملاعنة فقل له ولأمثاله من الظالمين:فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ: فيُدعى بدعاء أن يُهلك الله، ويلعن المُبطِل من الطائفتين ويخرجه من رحمته سبحانه . وفي تقديم هؤلاء- أي تقديم الأبناء والنساء على النفس في المباهلة، مع أن الرجل يخاطر بنفسه لهم -إيذان بكمال أمنه صلى الله عليه وسلموتمام ثقتهبأمره وقوة يقينه، بأنه لن يصيبهم في ذلك مكروه وهذه الآية تسمى آية المباهلة.
وقد ورد من طرق عدة أن النبي صلى الله عليه وسلمدعا نصارى نجران للإسلام ، ولما لم يسلموا طلب النبي صلى الله عليه وسلم مباهلتهم فرفضوا وامتنعوا وخافوا فدفعوا الجزية،فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية. أبو عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع.
"جاءَ العاقِبُ والسَّيِّدُ صاحِبا نَجْرانَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يُرِيدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قالَ: فقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ؛ فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَّا، لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنَّا نُعْطِيكَ ما سَأَلْتَنا، وابْعَثْ معنا رَجُلًا أمِينًا، ولا تَبْعَثْ معنا إلَّا أمِينًا، فقالَ: لَأَبْعَثَنَّ معكُمْ رَجُلًا أمِينًا حَقَّ أمِينٍ، فاسْتَشْرَفَ له أصْحابُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ، فَلَمَّا قامَ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هذا أمِينُ هذِه الأُمَّةِ."
الراوي : حذيفة بن اليمان/ صحيح البخاري.

وفي هذا الحَديثِ يَحْكي حُذَيْفةُ بنُ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه جاء العاقِبُ،قيلَ: اسمُه عبدُ المَسيحِ، والسَّيِّدُ، واسمُه الأيْهَمُ، أو شُرَحْبيلُ، صاحِبَا نَجْرانَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهما مِن أكابِرِ نَصارى نَجْرانَ وحُكَّامِهم، وكان السَّيِّدُ رَئيسَهم وصاحِبَ رِحالِهم ومُجتَمَعِهم، والعاقبُ صاحبُ مَشورَتِهم، وكان معَهم أيضًا أبو الحارِثِ بنُ عَلْقَمةَ، وكان أُسْقُفَّهم، وحَبْرَهم، وصاحِبَ مِدْراسِهم، وكان مَقدَمُهم إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَنةَ تِسعٍ مِنَ الهِجْرةِ في وَفدٍ من أهلِ نَجْرانَ، ونَجْرانُ مَدينةٌ بيْنَ مكَّةَ واليمَنِ. وقدْ جاءا يُريدانِ مُلاعَنةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والمُلاعَنةُ هي المُباهَلةُ، وهي أنْ يَدْعوَ كلُّ واحدٍ مِن المُتَلاعِنَيْنِ على نفْسِه بالعَذابِ على الكاذِبِ والمُبطِلِ، فخافَ أحَدُهما وقال لصاحِبِه: لا تَفعَلْ؛ فواللهِ لَئنْ كان نَبيًّا، فلاعَنَنا لا نُفلِحُ نحْن ولا ذُرِّيَّتُنا مِن بَعدِنا، فامْتَنَعا عنِ المُلاعَنةِ، وتَصالَحا معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مالٍ يَدفَعونَه له، فقالا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّا نُعْطيكَ ما سأَلْتَنا، وابعَثْ معَنا رَجلًا أمينًا، ولا تَبعَثْ معَنا إلَّا أمينًاليقبض منهم المال الذي صالحوا النبي عليه ، وهذا تَشْديدٌ وتَأكيدٌ على أمانَتِه، فأجابَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى طلَبِهم، وقال لهمْ"لَأَبعَثَنَّ معَكم رَجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ"، وهذا تَأكيدٌ على أمانةِ مَن سيَبعَثُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فرَغِبوا النَّاسُ في أنْ يَنالوا ذلك؛ لمَا فيه مِن تَزْكيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَصْفِه للرَّجلِ المُخْتارِ بالأمانةِ، وليس حِرصًا على الوِلايةِ والمَسؤوليَّةِ، فبعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبا عُبَيْدةَ بنَ الجرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه، وقال"هذا أمينُ هذه الأُمَّةِ"، وإنَّما خَصَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأمانةِ، وإنْ كانت مُشترَكةً بيْنَه وبيْنَ غيرِه منَ الصَّحابةِ؛ لغلَبَتِها فيه بالنِّسبةِ إليهم، وقيلَ: لكَوْنِها غالِبةً بالنِّسبةِ إلى سائرِ صِفاتِه.
وفي الحَديثِ: فَضيلةٌ ظاهِرةٌ لأبي عُبَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: تَطلُّعُ الصَّحابةِ للخَيرِ وحِرصُهم عليه.
وفيه: مَشْروعيَّةُ مُباهَلةِ المُخالِفِ إذا أصَرَّ بعدَ ظُهورِ الحُجَّةِ.الدرر السنية.
"إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"
62.

أي: إنَّ هذا الَّذي قصَصْناه عليك من أمرِ عيسى عليه السَّلام، وأنَّه عبدٌ لله ورسوله، هو القَصَصُ الحقُّ، والصِّدقُ، وما خالَفه فهو باطلٌ.

وقد أكد- سبحانه- صدق هذا القصص بحرف إن وباللام في قوله لَهُوَ وبضمير الفصل "هُوَ" وبالقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسمًا على كل مُنْكِرٍ ما أخبر الله به في شأن عيسى- عليه السّلام- وفي كل ما قصه على نبيه صلّى الله عليه وسلّم.
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ :أي: وما من معبود بحقٍّ إلَّا اللهُ؛ نفي قاطع لأن يكون هناك إله سوى الله- تعالى- وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هي لله رب العالمين.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:. تذييل قُصد به تأكيد قصر الألوهية على الله- تعالى- وحده، أي وإن الله- تعالى- لهو المنفرد بالألوهية وحده لأنه هو الغالب الَّذي لا يُغلَب الذي يَقهر ولا يُقهر، فهو الَّذي قهَر كلَّ شيءٍ وخضع له، العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيرَه، أو عبد ربًّا سواه. ذو الحكمةِ الذي يضع الأشياء مواضعها،لا يدخل في تدبيره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ فهو الحكيم في كل ما يخلقه ويدبره.


"فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.63."
أي: فإنْ أعرَضوا عن الإقرار بالتَّوحيد، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وعدَلوا عن الحقِّ إلى الباطل، فهُمُ المفسِدون، واللهُ عليمٌ بهم، ويُجازيهم على ذلك شرَّ الجزاء، ويُعاقبُهم أشدَّ العُقوبة.



توقيع أم أبي تراب
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 07:02 PM   #3
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Home

تفسير سورة آل عمران
من آية 64 إلى آية 82
" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّامُسْلِمُونَ"64.
لَمَّا نَكَصَ أهلُ الكتاب عن المباهلة بعد أنْ أَوْرَدَ عليهم أنواع الحُجج فانقطعوا، فلم تبقَ لهم شُبهةٌ، وقَبِلوا الصَّغارَ والجزية، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حريصًا على هداية الخَلق- لذا أمَره الله تعالى أن يقومَ بتكرير دَعوتهم، وإرشادِهم بطريقٍ آخر فقال " تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"إلى الكلمةِ الَّتي قامت البراهين على حقيَّتها، ونهضت الدَّلائل على صِدقها،
فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يخلصوا لله العبادة فقال قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ:
السواء: مصدر مستوية أي هلموا إلى كلمة لا تختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول السليمة، كلمة ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم ، كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق.كلمة هي أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعًا .
ثم بين- سبحانه- هذه الكلمة العادلة المستقيمة التي هي محل اتفاق بين الأنبياء فقال " أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ" أي نترك نحن وأنتم عبادة غير الله، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان. فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيًا ولا ملكًا ولا وليًّا ولا صنمًا ولا وثنًا ولا حيوانًا ولا جمادًا. فهذه دعوةُ الرُّسل- كما قال الله تعالى"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ "الأنبياء: 25.
وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا" أي ولا نشرك معه أحدًا في العبادة والخضوع، بأن نقول: فلان إله، أو فلان ابن إله، أو أن الله ثالث ثلاثة.
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ:أي ولا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله.وإلى هذا أشار- سبحانه- بقوله "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا"التوبة: 31. أي كانوا يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها‏.‏
فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي: فإنْ أعْرَضوا عن إجابة ما دُعُوا إليه فقولوا- أيُّها المؤمنون- لهؤلاء المعرِضين: اشهدوا أنَّنا مُستمرُّون على الإسلام ، منقادون لشريعتِه، مقرُّون بتوحيد الله، مُخلِصون في عبادتِه .
أى فإن أعرض هؤلاء الكفار عن دعوة الحق، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ما هم عليه من عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم، بل قولوا لهم: اشهدوا: بأنا مسلمون مذعنون لكلمة الحق ، منقادون لشريعتِه، مقرُّون بتوحيد الله، مُخلِصون في عبادتِه .بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل.
َا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"65.
أي: يا أهلَ الكتاب، من اليَهود والنَّصارى،لِمَ تجادلون بالباطل وتخاصمون في إبراهيمَ خليلِ الرَّحمن، ويدَّعي كلُّ فريقٍ منكم أنَّه كان منهم ويَدِينُ دِينهم. فيدعى بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية، ويدعى البعض الآخر أنه كان على الديانة النصرانية، فإن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعده بأزمان طويلة .
أَفَلَا تَعْقِلُونَ : الاستفهام لتوبيخهم وتجهيلهم في دعواهم أن إبراهيم- عليه السّلام- كان يهوديًا أو نصرانيًا.
"هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" 66.
يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة- سواء أكانت صحيحة أم فاسدة في أمر لكم به علم في الجملة، كجدالكم فيما وجدتموه في كتبكم من أمر موسى وعيسى- عليهما السلام- أو كجدالكم فيما جاء في التوراة والإنجيل من أحكام، ولكن كيف أبحتم لأنفسكم أن تجادلوا في أمر ليس لكم به علم أصلا، وهو جدالكم في دين إبراهيم وشريعته؟
قال الرازي: وقوله ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ : يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به البتة.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ : أي والله- تعالى- يعلم حال إبراهيم ودينه، ويعلم كل شيء في هذا الوجود، وأنتم لا تعلمون ذلك.
"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " 67.
ثم صرحت الأيات ببراءة إبراهيم من اليهودية والنصرانية وكل دين يخالف دين الإسلام.
وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا: إبراهيم عليه السلام كان حنيفًا أي مائلا عن العقائد الزائفة متحريًا طريق الاستقامة وكان مُّسْلِمًا أي مستسلمًا لله- تعالى- منقادًا له مخلصًا له العبادة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الذين يشركون مع الله آلهة أخرى
وقوله حَنِيفًا من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة، بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال: تحنف الرجل أي تحرى طريق الاستقامة.
"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ"68.
إن أقرب الناس من إبراهيم، وأخصهم به، وأحقهم بالانتساب إليه أصناف ثلاثة:
أولهم: بينه الله بقوله لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي الذين أجابوا دعوته في حياته واتبعوا دينه وشريعته بعد مماته.
وقد أكد الله- تعالى- حُكمه هذا بحرف إِنَّ وبأفعل التفضيل أَوْلَى وباللام في قوله لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ليرد على أقاويل أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا.
وثاني هذه الأصناف: بيَّنَه- سبحانه- بقوله وَهذَا النَّبِيُّ والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلّم الداعي إلى التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم.
والجملة الكريمة من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وللإشعار بأنه صلّى الله عليه وسلّم قد تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم- عليه السّلام-
وثالث هذه الأصناف: بينه الله- تعالى- بقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا أي: والذين آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم واتبعوه.
وفي هذا تنويه بشأن الأمة الإسلامية، وتقرير بأن أتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم أحق بالانتساب إلى إبراهيم من أهل الكتاب لأن المؤمنين طلبوا الحق وآمنوا به، أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم بدنياهم، وتركوا الحق جريا وراء شهواتهم.
وقوله وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ تذييل مقصود به تبشير المؤمنين بأن الله- تعالى- هو ناصرهم ومتولى أمورهم.
"وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ"69.
أي أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال، بل يحاولون أن يضلوا غيرهم
وَدَّت: من الود وهو محبة الشيء وتمني حصوله ووقوعه. ومن المعلوم أن من ود شيئا سعى بجهده على تحصيل مراده، فهذه الطائفة تسعى وتبذل جهدها في رد المؤمنين عنِ الحقِ وإدخال الشُّبه عليهم بكل طريق يقدرون عليه، ولكن من لطف الله أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْوَمَا يَشْعُرُونَ: فسعيهم في إضلال المؤمنين زيادة في ضلال أنفسهم وزيادة عذاب لهم وهم لا يشعرون بهذه العاقبة، بذلك أنهم يسعون في ضرر أنفسهم وأنهم لا يضرونكم شيئًا.
"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ "70.
أي: يا أهل الكتاب لماذا تكفرون بآيات الله- تعالى- التي يتلوها عليكم نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علمًا يقينيًا كعلم المشاهدة والعيان، وتعرفون أنه نبي حقًا كما تعرفون أبناءكم.
والاستفهام في قوله لِمَ تَكْفُرُونَ لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم، وإنكار ما هم عليه من كفر بآيات الله مع علمهم بصدقها.وفي هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضي منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه صلّى الله عليه وسلّم والتي تتناول القرآن الكريم، والحجج والمعجزات التي جاءهم بها صلّى الله عليه وسلّم.
"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"71.
يا أهل الكتب لماذا تخلطون الحق الواضح الذي نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم إرضاء لأهوائكم؟ ولماذا تكتمون الحق الذي تعرفونه - ومن ذلك كتمانُهم صفةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الموجودةَ في كتُبهم، ونبوَّتَه -كما تعرفون أبناءكم بغية انصراف الناس عنه، لأن من جهل شيئا عاداه.
"وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"72.
طائفة: أي جماعة وهم الأحبار والرؤساء ذَكر بعضَهم ولم يعمَّهم؛ لأنَّ مِنهم مَن آمَن . ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر والفتنة بالمؤمنين،
أي:قال بعض أهل الكتاب ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه - ليوهموا حديثي العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة، وأنهم ليس عندهم أي عداء للنبي صلّى الله عليه وسلّم بل إن الذي حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم في الإسلام وجدوه دينًا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر في دين الإسلام.
"لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" لعل هذه الحيلة تجعل المؤمنين يرجعون عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحًا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عُجبا بأنفسهم وظنًا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويفتنون بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
"وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" 72.
هذه الآية تبين لنا لونًا من عصبية اليهود وتعاونهم على الإثم والعدوان . هذا نهي ، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض ينهى بعضهم بعضًا بألا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم.
قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ: أي: قل- يا محمَّدُ-: إنَّ التوفيقَ توفيقُ الله، والبيانَ بيانُه؛ فهو الَّذي يَهدي المؤمنين إلى الإيمانِ بما نزَّله على نبيِّه محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإنْ فعلتُم ما فعلتُم، فلن يَنفعَكم ذلك شيئًا .
أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ:ثم عادَ السِّياقُ إلى كلامِ اليهودِ بعضِهم لبعض ، قالوا لا تُقِرُوا ولا تعترفوا بأن أحدًا من المسلمين أو من غيرهم يُؤتَى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل، أو بأن أحدًا في قدرته أن يحاججكم أي يبادلكم الحُجة عند ربكم يوم القيامة، ولا تُقِرُّوا ولا تعترفوا بشيء من ذلك "إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ" أي إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها. فالعلم بزعمهم لا يكون إلا عندهم ، ثم سيق كلام معترض بين أقوالهم ساقه الله- تعالى- للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانًا على إيمانهم، ويزداد اليهود رجسًا إلى رجسهم، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد.
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ : أي قل لهم يا محمد: إن الفضل- الذي يتناول النبوة وغيرها من نعم الله على عباده- هذا الفضل وذلك العطاء بيد الله- تعالى- وحده، وهو- سبحانه- المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من عباده، وإذا كان- سبحانه- قد جعل النبوة في بني إسرائيل لفترة من الزمان، فذلك بفضل منه ورحمته، وإذا كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها في هذا النبي العربي فذلك- أيضًا- بفضله ورحمته، وهو- سبحانه- أعلم حيث يجعل رسالته، وهو- سبحانه- صاحب الاختيار المطلق في أن يؤتي فضله لمن يشاء من عباده. وهو- سبحانه واسِعٌ الرحمة والفضل عَلِيمٌ بمن يستحقهما وبمن لا يستحقهما.
. "وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ"الأنعام : 24.
"يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"74.
أي: يختص الله برحمته المطلقة التي تكون في الدنيا متصلة بالآخرة وهي نعمة الدين ومتمماته.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: أي إن فضله الواسع ورحمته العامة يعطيهما بحسب مشيئته ، لا كما يزعم أهل الكتاب مِن قَصْرِها عليهم وأنهم الشعب المختار ، فهو يبعث من يشاء نبيًّا ويبعثه رسولًا، ومن اختصه بهذا فإنما يختصه بمزيد فضله وعظيم إحسانه وعلمه وحكمته، لا بعمل قدّمه ولا لنسب شرّفه، فالله لا يحابي أحدًا لا فردًا ولا شعبًا، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرًا.

"وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" 75.
أنه- تعالى- لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا "وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ" حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير..والمعنى: إن من أهل الكتاب فريقًا إن تأتمنه على الكثير والنفيس من الأموال يؤده إليك عند طلبه كاملا غير منقوص، وإن منهم فريقًا آخر إن تأتمنه على القليل والحقير من حُطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل الوسائل في الحصول عليه.
فالآية الكريمة قد مَدَحَتْ من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق الذي استجاب للحق وآمن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم كعبد الله بن سلام وأمثاله من مؤمني أهل الكتاب. وذَمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذي لا يؤدى الأمانة، ولم يستجب للحق، بل استمر على كفره وجحوده، وهذا القسم يمثل أكثرية أهل الكتاب.
والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل. أي أن منهم من هو في غاية الأمانة حتى أنه لو اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى أنه لو اؤتمن اؤتمن على الشيء القليل لجحده.
ثم حكى- سبحانه- بعض الأسباب التي جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق غيرهم فقال- تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. والمراد بالأميين: العرب، خصوصًا مَنْ آمن منهم، وسمي العرب بالأميين نسبة إلى الأم، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقي على الحالة التي ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة.
والسبيل: المراد به: الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق، ثم أطلق على الحجة باعتبارها طريقًا ووسيلة للإلزام وتحمل التبعات.
أي: ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن. سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة في استحلال أموال العرب الأميين واستلابها منهم بأية طريقة، لأن الأميين ليسوا على ملتهم.
واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم، كما يحل لهم أخذ ماله بأي وسيلة. فجَمعوا بين جريمتَينِ، وهما: أكْل الحرام، وادِّعاء حِلِّه، وهذا هو الكذبُ الَّذي قالوه على الله مع عِلمهم أنَّهم كاذبون في ذلك.
ثم أَبطَل اللهُ دعواهم تلك، وبيَّن لهم أنَّه ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون فقال تعالى :
"بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"76.
أي: ليس الأمْر كما يقولُ هؤلاء الكاذِبون على اللهِ مِن اليهود، من أنَّه ليس عليهم في أموال الأمِّيِّين حَرَجٌ ولا إثمٌ، ولكنَّ الَّذي أوْفَى بعهد الله منكم يا أهلَ الكتاب، الَّذي عاهدَكم عليه من الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وصدَّق بما جاء به من الله، وأدَّى الأمانة إلى مَن ائتمنَه عليها، إلى غير ذلك، واتَّقى ما نهاه اللهُ عنه من الكُفرِ به وسائرِ معاصيه الَّتي حرَّمها عليه، وأطاعه واتَّبَعَ شريعتَه.فإنَّ الله يحبُّ الَّذين يَتَّقونه، فيخافون عقابَه، ويَحذَرون عذابه، باجتنابِ ما نهاهم عنه وحرَّمه عليهم، وطاعتِه فيما أمرَهم به.
" إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" 77.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ :أي: إنَّ الَّذين يَستبدِلون.
والمراد بِعَهْدِ اللَّهِ كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله- تعالى- على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه- أيضًا- ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الذي يجدون نعته في كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم.
والمراد بأيمانهم تلك: الأيمان الكاذبة التي يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال.
والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة، التي أخذوها نظير تركهم لعهود الله، وحلفهم الكاذب.
ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء.
وقوله أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عَرَض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء.
وقوله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة.
أو أن عدم كلام الله- تعالى- لهم: كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشيء، فإنه ينصرف عنه.
وقوله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وذلك كما يقول القائل لغيره: انظر إلي، يريد: ارحمني واعطف على.
ويقال: فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك نفي الإحسان إليه وترك الاعتداد به، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه.
وقوله- تعالى- وَلا يُزَكِّيهِمْ أي أنه- سبحانه- لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها. أو أنه- سبحانه- لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم.
ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم، فقال:وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
أي ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا بأنهم لا حظ لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم.
"وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"78.
يَلْوُونَ: مأخوذ من اللَّي. وأصل اللَّي الميل.
أي: وإنَّ من أهل الكتابِ جماعةً يَعطِفون ويُمِيلون ألسنتَهم بالكتاب؛ إمَّا بتحريفِ لفظِه، وإمَّا بتحريفِ معناه بتفسيرِه على غيرِ مرادِ الله ،أي وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم في حال قراءتهم للكتاب، إما بحذف حروف يتغير المعنى بحذفها، أو بزيادة تفسد المعنى، أو بغير ذلك من وجوه التغيير والتبديل.ليوهموا غيرهم أنه في كتاب الله وينسبونه إلى الله ولا يكتفون بهذا التحريف، بل يقولون هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي هذا المحرف هو نزل من عند الله هكذا، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا،وَهُوَ مَا غَيَّرُوا مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ: نزه الله نفسه عن المعاني الفاسدة ،فالحق أن هذا المحرف ليس من عند الله ولكنهم قوم ضالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
ففي هذه الجملة الكريمة بيان لإصرارهم على الباطل، ولتعمدهم الكذب على الله، ، وكذبهم هذا لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب، وهذا ما يشهد به قوله- تعالى- وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَلْحَقُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود، ارتكبت كل رذيلة ومنكر بدون تفكر في العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع، وأمرت به العقول السليمة.
"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" 79.
نزه الله- تعالى- أنبياءه- عليهم الصلاة والسّلام- وعلى رأسهم محمد صلّى الله عليه وسلّم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تنزيهه- سبحانه- لذاته عما يقوله المفترون.
قال ابن كثير: عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال:قال أبو رافِعٍ القُرَظيُّ،حينَ اجتَمَعتِ الأحبارُ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى مِن أهلِ نَجرانَ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ودَعاهم إلى الإسلامِ: أتُريدُ يا مُحمدُ أنْ نَعبُدَكَ كما تَعبُدُ النَّصارى عيسى ابنَ مَريَمَ؟ فقال رَجُلٌ مِن أهلِ نَجرانَ نَصرانيٌّ يُقالُ له الرَّئيسُ: أوَذاكَ تُريدُ مِنَّا يا مُحمدُ، وإليه تَدعونا؟ أو كما قال. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَعاذَ اللهِ أنْ نَعبُدَ غَيرَ اللهِ، أو أنْ نَأمُرَ بعِبادةِ غَيرِه، ما بذلك بَعَثَني، ولا بذلك أمَرَني. أو كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك مِن قَولِهما"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ" آل عمران: 79، إلى قَولِه"بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"آل عمران: 80".الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : أحمد شاكر - المصدر : عمدة التفسير - الصفحة أو الرقم : 1/385 - خلاصة حكم المحدث : أشار في المقدمة إلى صحته.
رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله.
والمعنى: لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم لأحدٍ منَ الناسِ آتاه الله- تعالى- وأعطاه الْكِتابَ الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهي عن الإشراك، وآتاه الْحُكْمَ أي الحِكْمَة ، وآتاه النُّبُوَّةَ أي الرسالة التي يبلغها عنه- سبحانه- إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم وبعد هذا العطاء العظيم ، ثمَّ يدْعو إلى عِبادةِ نفْسه، ويقول للنَّاس: كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ:
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ استدراك قُصِدَ به إثبات ما ينبغي للرسل أن يقولوه. بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به
والمراد بالربانى: الإنسان الذي أخلص لله- تعالى- في عبادته، وراقبه في كل أقواله وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به، وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
كونوا رَبَّانِيِّينَ أي مقبلين على طاعة الله- تعالى- وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، بسبب كونكم تعلِّمون غيركم الكتاب الذي أنزله الله لهداية الناس، وبسبب كونكم دارسين له، أي قارئين له بتمهل وتدبر.فأنتم أولى بالهداية لتجمعوا بين هداية الإرشاد – بدعوة الخلق للحق - وهداية التوفيق – بالاستقامة على الحق -.
قال الرازي: دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًّا، فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: "نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع" .ا.هـ.
عَن أبي هُرَيْرةَ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الأربعِ، مِن عِلمٍ لا ينفَعُ، ومِن قَلبٍ لا يخشَعُ، ومِن نَفسٍ لا تَشبعُ، ومِن دُعاءٍ لا يُسمَعُ"الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم : 1548 - خلاصة حكم-المحدث : صحيح.
"وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ"80.
تعميم بعد تخصيص، أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا بعبادة أحد من الخلق من الملائكة والنبيين وغيرهم .
وتأكيد لنفي أن يقول أحد من البشر الذين أتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدوني من دون الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله.
والاستفهام في قوله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للإنكار الذي بمعنى النفي.
أي: أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم الله- تعالى للإسلام.
إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ :الإسلام دين كل الرسل والأنبياء
."إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ " آل عمران : 19. الإسلام يعني: الدين الذي ارتضاه الله -تبارك وتعالى- للخلق، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب،هو الانقياد لله وحده بالطاعة، والاستسلام له بالعبودية، واتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فيما بعثهم الله به، إلى أن خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم أرسله الله بالإسلام، وكلهم كان يدعو إلى التوحيد.اتَّفق جميعُ الرُّسُلِ عليهم السَّلامُ على الدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له، واجتنابِ الشِّركِ.
قال الله تعالى"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ "النحل: 36.
قال ابنُ تَيميَّةَ"فإنَّ الرُّسُلَ جميعَهم أُمِروا بالتَّوحيدِ وأَمَروا به؛ قال اللهُ تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ"الأنبياء: 25.
"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ"81.
والميثاق هو العهد وسمي الميثاق عهدًا لأن كلا من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان.
وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ الثَّقِيلُ.
الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم أو لكل من يصلح للخطاب.. أي: اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق – العهد - من النبيين.
قال البغوي في تفسيره: واخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً أن يبلّغوا كتاب الله ورسالته إِلَى عِبَادِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بعضا وأخذ العهود عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَنْصُرَهُ إِنْ أَدْرَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِنُصْرَتِهِ إِنْ أَدْرَكُوهُ، فَأَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى، وَمِنْ عِيسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنما أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ فِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم.....ا.هـ.
لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ: أي واذكر لهم وقت أخذ الله الميثاق من النبيين أنهم كلما جاءهم رسول من بعدهم مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه مهما كانوا قد أوتوا من كتاب مثل التوراة والإنجيل – وحكمة – الحكم الفاصل بين الحق والباطل والهدى والضلال -، لأن القصد من إرسال الأنبياء واحد، فيجب أن يكونوا متكافلين متناصرين، فإذا جاء واحد منهم في زمن نبي آخر آمن به السابق ونصره بما استطاع ولا يستلزم ذلك نسخ شريعة الأول، إذ المقصود تصديق دعوته، ونصره على من يؤذيه ويناوئه. فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء من شريعة الأول وجب التسليم له، وإلا صدّقه في الأصول التي هي واحدة في كل دين، ويؤدي كل منهما مع أمته العبادات والمناسك التفصيلية، ولا يعد هذا اختلافا وتفرقا في الدين.
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضًا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم،
أنَّ النبيَّ غضب حين رأى مع عمرَ صحيفةً فيها شيءٌ من التَّوراةِ وقال : أوَفي شكٌّ أنتَ يا ابنَ الخطابِ ؟ ألم آتِ بها بيضاءَ نقِيَّةً ؟ لو كان أخي موسى حيًّا ما وسِعَه إلا اتِّباعي"الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : الألباني - المصدر : إرواء الغليل - الصفحة أو الرقم : 1589 - خلاصة حكم المحدث : حسن.
قال صلى الله عليه وسلم "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، في الأُولَى وَالآخِرَةِ قالوا: كيفَ؟ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِيٌّ. "الراوي : أبو هريرة - صحيح مسلم.
في هذا الحديثِ يُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه أَولى النَّاسِ بنَبيِّ اللهِ عِيسى ابنِ مَريمَ عليه السَّلامُ، يعني: أخصُّ النَّاسِ به وأقْرَبُهم إليه؛ وذلك لأنَّ عِيسى عليه السَّلامُ بَشَّرَ بنُبُوَّةِ نَبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما أخبَرَ اللهُ تعالَى في كِتابِه العَزيزِ"وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ"الصف: 6، فلمْ يَكُنْ بيْنهما نَبِيٌّ مِن الأنبياء، وبيَّنَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الأنبياءَ مِثلُ أولادِ عَلَّاتٍ، وهمُ الإخوةُ لِأبٍ واحدٍ مِن أُمَّهاتٍ مُختلفةٍ، والمعنى: أنَّهم مُتَّفِقون فيما يَتعلَّقُ بالاعتقاديَّاتِ المُسمَّاةِ بأُصولِ الدِّياناتِ، كالتَّوحيدِ، والإيمانِ، مُختلِفون فيما يَتعلَّقُ بالعمَليَّاتِ، وهي الفِقهيَّاتُ، كما أنَّ أولادَ العَلَّاتِ أبوهمْ واحدٌ وإنْ كانت أُمَّهاتُهم شَتَّى.الدرر السنية.
فأنبياءُ اللهِ عزَّ وجلَّ وإنِ اختَلَفَت شَرائعُهم، إلَّا إنَّهم جَميعَهم إخوةٌ في الدِّينِ، فدِينُ اللهِ واحدٌ، وهو الإسلامُ.
قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ،أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي " أَيْ: قَبِلْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ عَهْدِي، أي: اعترفتُم والتزمتُم بذلك الميثاقِ، وأخذتُم عهدي الثَّقيل، ومِيثاقي الشَّديد المؤكَّد، ووصيَّتي بالإيمانِ بهذا الرَّسول ونُصرته، وقَبِلتُم ذلك ورضيتُموه؟
" قالُوا أَقْرَرْنا " أي: قالوا: اعتَرفنا وقَبِلنا، والتَزمنا بأنْ نؤمِنَ به ونَنصُره. قالَ، اللَّهُ تَعَالَى"فَاشْهَدُوا" أي: قال اللهُ تعالى للأنبياءِ: فاشَهْدوا على أنفسِكم، وعلى أَتْباعِكم من الأُممِ بذلك " وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ " أي وأنا مِن الشَّاهدين عليكم وعلى أُممكم، وكفَى بالله شهيدًا.
ويدل لذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع الله له الأنبياء ليلة المعراج صار هو إمامهم فصار هو المتبوع لا التابع عليه الصلاة والسلام . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم جامعة للتصديق بجميع رسالاته.
لقَدْ رَأَيْتُنِي في الحِجْرِ وقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عن مَسْرايَ، فَسَأَلَتْنِي عن أشْياءَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْها، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لي أنْظُرُ إلَيْهِ، ما يَسْأَلُونِي عن شيءٍ إلَّا أنْبَأْتُهُمْ به، وقدْ رَأَيْتُنِي في جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فإذا مُوسَى قائِمٌ يُصَلِّي، فإذا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، وإذا عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ عليه السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي، أقْرَبُ النَّاسِ به شَبَهًا عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وإذا إبْراهِيمُ عليه السَّلامُ قائِمٌ يُصَلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ به صاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَحانَتِ الصَّلاةُ فأمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قالَ قائِلٌ: يا مُحَمَّدُ، هذا مالِكٌ صاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عليه، فالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بالسَّلامِ.الراوي : أبو هريرة - صحيح مسلم.
وفي الحَديثِ: بيانٌ لفَضلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما وَصَل إلَيه من منزِلَةٍ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وفيهِ: بَيانُ عِنايةِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى بِنَبيِّه وتَأييدِه بالبَيِّناتِ.

" فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" 82.
أي: فمَن تولَّى وأَعْرضَ بعد ذلك عن هذا العهدِ والميثاق، بالإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واتِّباعِه ونُصْرتِه مِن أُممِ هؤلاءِ الأنبياء. فأولئك هم الخارِجونَ مِن دِين الله، والمُعرِضون عن طاعتِه.واستحقوا الخلود في النار.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 07:03 PM   #4
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Hr

تفسير سورة آل عمران
من آية 83 إلى آية 92

" أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ"
83.

الاستفهام للإنكار والتوبيخ . في هذه الآياتِ يُنكِر اللهُ تعالى على مَن ابتغى دِينًا غير دِينه الَّذي ارتضاه وأرسل به الرسل ، إن الدين الحق هو إسلام الوجه لله تعالى والإخلاص له، وأن الأنبياء جميعًا كانوا على ذلك، وقد أخذوا بذلك ميثاقهم على أممهم ولكن أممهم نقضوه إذ جاءهم النبي الموعود به يدعوهم إليه فكذبوه.

وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا :أي: وله استسلمَ وانقادَ وخضَع وذلَّ مَن في السَّموات والأرض طائعين: كالملائكةِ والأنبياء والمؤمنين، ومُكَرَهين: كالكفَّار؛ فهم تحتَ قَهْرِ الله وسُلطانِه العظيم، مستسلِمون لقضائِه وقدَره.

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ: وإليه يَصيرون بعدَ مماتِهم، فيجازي كلًّا بعمله: المحسِنَ بإحسانِه، والمسِيءَ بإساءته.فليحذر الإنسانُ أن يلقى ربَّه على غير مِلَّة الإسلام.فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختيارًا قبل أن يسلمها اضطرارًا، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه، حتى ينال رضاه. " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم" الغاشية " 25،26. إليه يَصيرون بعدَ مماتِهم، فيجازي كلًّا بعمله: المحسِنَ بإحسانِه، والمسِيءَ بإساءته.


"قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"
84
.

وَالْأَسْبَاطِ: جمع سبط وهو الحفيد، والمراد بهم أولاد يعقوب- عليه السلام- وكانوا اثنى عشر ولدًا قال- تعالى"وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا"
الأعراف: 160
.وسُموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق- عليهم السلام-.

ثمَّ يُوجِّه اللهُ خِطابَه إلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آمِرًا له أنْ يقولَ لهم إذا أرادوا دِينًا غير دِين الله: آمنَّا باللهِ، وما أَنزله علينا من كِتابٍ وسُنَّة، وبما أنزله على أنبيائِه إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وعلى أنبياء بُطُون بني إسرائيل المتشعِّبة من الأولاد الاثني عشرَ ليعقوب، وآمنَّا أيضًا بالتَّوراة والإنجيل والآيات الَّتي أيَّد الله بها موسى وعيسى عليهما السَّلام، وآمنَّا بما أُعْطِيَ جميعُ الأنبياءِ من ربِّهم؛ نؤمِن بهم جميعًا ولا نُفَرِّقُ بينهم في الإيمان لأنها شرائع الله- تعالى- التي أنزلها على أنبيائه، كلها مرتبط بعضها ببعض، وكلها تتفق على كلمة واحدة هي إفراد الله- تعالى- بالعبودية والطاعة."لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ" أي لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا- كما حكى القرآن عنهم"نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ"النساء: 150. وهم في الحقيقة كافرون بهم جميعًا، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدي إلى الكفر بهم جميعًا، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو استثناء.

وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ :أي مُسلِمونَ لله، خاضِعون منقادون له في الظَّاهر والباطن. وقوله "وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" يفيد الحصر، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا، وأخلصنا عبادتنا. لا لغيره كائنًا من كان هذا الغير.

"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"
85.

الإسلام هو الدين الذي ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها. وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده قال- تعالى"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا" المائدة:3.

ويُخبِر الله تبارَك وتعالَى أنَّ مَن يَبتغي أي يريد ويطلب غيرَ الإسلام دينًا؛ ليَدِينَ به، فلنْ يَقبلَه اللهُ منه، بل سيكونُ مَردودًا عليه، وستكونُ عاقبتُه في الآخِرة هي الخسرانَ.

"كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"
86.

الاستفهام هنا للنفي ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط المستقيم وهم على هذا الحال من الارتكاس في الكفر والضلال، مع علمهم بالحق، وإيمانهم به لفترة من الوقت.

يُخبِر الله تبارَك وتعالَى أنَّه لا يَهدي قومًا ارتدُّوا على أعقابِهم، وكفَروا بعدَ إيمانِهم وشهِدوا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حقٌّ، - فهؤلاء ظلموا أنفسهم وتركوا الحق بعدما عرفوه، واتبعوا الباطل مع علمهم ببطلانه ظلمًا وبغيًا واتباعًا لأهوائهم، فهؤلاء لا يوفقون للهداية -وجاءتهم البيِّناتُ القاطعاتُ والبراهين الشاهدةُ على صِدقِه؛ فكيف يَستحقُّ هؤلاء الهداية؟! مع علمهم ببطلانه؛ ظلمًا وبغيًا واتباعًا لأهوائهم، فهؤلاء لا يُوَفَّقون للهداية.

" أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "
87
.

ثمَّ أخبر الله تعالى عن عُقوبةِ هؤلاء الظَّالمين في الدُّنيا والآخرة، وهي عليهم لعنة الله أي الطَّرد والإبعاد من رحمتِه، وأنَّ خلْقَه جميعًا من الملائكةِ والنَّاس يَلعنونهم - ولعنةُ المَلائِكةِ والنَّاسِ إيَّاهم قَولُهم: عليهم لعنةُ اللهِ –

"خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ "
88.

وأنَّهم خالدون في هذه اللَّعنةِ والعقوبة، لا يُخَفَّف عنهم من العذاب شيئًا، ولا هم يُمْهَلون أو يُؤَخَّرون. ثم استثنى اللهُ تعالى مَن تابَ ورجَع إلى الله وقال:

"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "
89.

أي: أن اللعنة مستمرة على هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وهم خالدون في العذاب يوم القيامة بدون إمهال أو تأخير، إلا الذين تابوا منهم عن الكفر الذي ارتكبوه، وعن الظلم الذي اقترفوه، وأصلحوا ما أفسدوه بأن قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريق الحق، وحافظوا على أداء الأعمال الصالحة "فإن الله- تعالى- غفور رحيم" أي فإنه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم من كفر وظلم.

ففي هذه الآية الكريمة إغراء للكافرين بأن يقلعوا عن كفرهم وللمذنبين بأن يثوبوا إلى رشدهم وبأن يتوبوا إلى ربهم، فإنه- سبحانه- يغفر الذنوب جميعًا لمن يتوب ويحسن التوبة، فهو القائل " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " الزمر : 53.. "وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ" الزمر 54..

فالذي يعرف الحق وهو حريص على التماسه، فهذا بالحري أن ييسر الله له أسباب الهداية ويصونه من أسباب الغواية.

أما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يثوبون إلى رشدهم. بل يصرون على الكفر فيزدادون كفرا. والذين يرتكسون في كفرهم وضلالهم حتى تفلت منهم الفرصة، وينتهي أمد الاختبار، ويأتي دور الجزاء، فهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة، فقد قال- تعالى- بعد هذه الآيات:


"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ"
90.

قال أبو العالية والحسن: نزلت في أهل الكتاب جميعًا، آمنوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم في نبوته في كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق، وسخريتهم بآيات الله.

والعبرة ليست بخصوص السبب ولكن بعموم الحكم:فيقال أن الآية الكريمة على عمومها فهي تتناول كل من آمن ثم ارتد عن الإيمان إلى الكفر، وازداد كفرًا بمقاومته للحق، وإيذائه لأتباعه، وإصراره على كفره وعناده وجحوده.

ثم بين- سبحانه- سوء عاقبتهم فقال" لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ"أي إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا وعنادًا وجحودًا للحق لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْأي لن تتوقع منهم توبة حتى تقبل، لأنهم بإصرارهم على كفرهم، ورسوخهم فيه، وتلاعبهم بالإيمان، قد صاروا غير أهل للتوفيق لها، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هي بألسنتهم فحسب، أما قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم بلا توبة.

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْوَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا"
النساء: 137.

وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت، والتوبة في هذا الوقت لا قيمة لها. "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا "
النساء : 18
.

وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أي الكاملون في الضلال، البعيدون عن طريق الحق، المستحقون لسخط الله وعذابه.



"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" 91.

أي أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله- تعالى- من أحدهم ما كان قد أنفقه في الدنيا ولو كان هذا المنفَق ملء الأرض ذهبًا، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال- تعالى- "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا " الفرقان: 23.

أي أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذي مات على كفره، حتى ولو فرضنا أنه تصدق في الدنيا بملء الأرض ذهبا. وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا المقدار النفيس الكثير من الأموال - مهما عظمت ؛في الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب، فإن كل ذلك غير مقبول منه، ولا بد من نزول العذاب به. وعقابه على كفره بما يستحق من عقاب.

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:أي أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم، وما لهم من ناصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم، أو تخفيف وقعه عليهم.


"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" 91.

أي أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله- تعالى- من أحدهم ما كان قد أنفقه في الدنيا ولو كان هذا المنفَق ملء الأرض ذهبًا، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال- تعالى- "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا " الفر
قان: 23.

أي أن العذاب الأليم نازل قطعًا على هذا الذي مات على كفره، حتى ولو فرضنا أنه تصدق في الدنيا بملء الأرض ذهبا. وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا المقدار النفيس الكثير من الأموال - مهما عظمت ؛في الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب، فإن كل ذلك غير مقبول منه، ولا بد من نزول العذاب به. وعقابه على كفره بما يستحق من عقاب.

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:أي أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم، وما لهم من ناصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم، أو تخفيف وقعه عليهم.


"لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ"
92 .

وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر، وعلى بيان سوء عاقبة الكافرين، أتبعه بالحديث عن الطريق الذي يوصل المؤمنين إلى رضا الله وحسن مثوبته.

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ: البر الإحسان وكمال الخير. وأصله التوسع في فعل الخير. يقال: بر العبد ربه أي توسع في طاعته ، أي لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين،حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله، وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ : أي وما تنفقوا من شيء- ولو قليلا- فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم.

والإنفاق البذل، ومنه إنفاق المال. وعن الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة يدخل في هذه الآية.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 07:04 PM   #5
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Mo

تفسير سورة آل عمران
من آية 93 إلى آية 108
"كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"93.
هذه الآية رد على اليهود ، قبحهم الله ، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ودليل ذلك في كتابهم الذي بين أيديهم.
فإن الله ، عز وجل ، قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ، عليه السلام ، لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها ، فاتبعه بنوه في ذلك ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك.
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ:لَمَّا أخبر اللهُ تعالى أنَّه لا يَنال المرءُ البرَّ إلا بالإنفاق ممَّا يحبُّ في قوله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ- فالمشروعُ في الإسلام هو الإنفاقُ في طاعةِ الله مما يُحِبُّه العبدُ ويَشتهيه؛ كما قال سبحانه: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ "البقرة: 177 ، وقال" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ "الإنسان: 8
ذكَر سبحانه عقِبَ قوله تعالى في الآية السابقة : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ:عقَّب بأنَّ يعقوبَ عليه السَّلام، قد حرَّم أحبَّ الأشياءِ إليه وترَكها لله تعالى- وكان هذا سائغًا في شَريعتهم- فكلّ أنواعِ الأطعمة كان أَكْلُها حلالًا لذُريَّة يعقوب عليه السَّلام، قبل نزولِ التَّوراة على موسى عليه السَّلام، عدا نوعًا واحدًا حرَّمه أبوهم يعقوبُ على نَفْسِه، من غير أن يُحرِّمه اللهُ عزَّ وجلَّ عليه، وهو لحومُ الإبل وألبانُها، واتَّبعه اليهودُ على ذلك واقتدوا به ، فلمَّا نزلت التَّوراة بعدُ، حرَّم الله تعالى عليهم فيها ما شاء، وأحلَّ لهم فيها ما شاء وَفقِ حِكمته، فكان هذا نَسْخًا لِمَا سبَق مِن حِلِّه جميعَ الأطعمة لهم. وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ غير جائز فاعترضوا على الله ، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم.
"حضَرتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُكَ عنها، لا يعلَمُهنَّ إلَّا نبيٌّ، فكان فيما سألوه: أيُّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه قبلَ أنْ تُنزَّلَ التوراةُ؟ قال: فأنشُدُكم باللهِ الذي أنزَلَ التوراةَ على موسى، هل تعلَمونَ أنَّ إسرائيلَ يعقوبَ عليه السَّلامُ مرِضَ مرضًا شديدًا، فطال سَقَمُه، فنذَر للهِ نذرًا لئِنْ شَفاه اللهُ من سَقَمِه، ليُحرِّمَنَّ أحَبَّ الشرابِ إليه، وأحَبَّ الطعامِ إليه، فكان أحَبُّ الطعامِ إليه لُحْمانُ الإبِلِ، وأحَبُّ الشرابِ إليه ألبانُها؟، فقالوا: اللَّهُمَّ نعَمْ.الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : شعيب الأرناؤوط - المصدر : تخريج المسند لشعيب -الصفحة أو الرقم : 2471 - خلاصة حكم المحدث : حسن..
"أقبلَتْ يَهودُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالوا : يا أبا القاسمِ أخبِرنا عنِ الرَّعدِ ما هوَ قالَ ملَكٌ منَ الملائكةِ موَكَّلٌ بالسَّحابِ معَهُ مَخاريقُ مِن نارٍ يسوقُ بِها السَّحابَ حَيثُ شاءَ اللَّهُ فقالوا فما هذا الصَّوتُ الَّذي نسمعُ قالَ زَجْرُهُ بالسَّحابِ إذا زَجرَهُ حتَّى ينتَهيَ إلى حَيثُ أُمِرَ قالوا صدَقتَ. فقالوا فأخبِرنا عمَّا حرَّمَ إسرائيلُ علَى نفسِهِ قالَ اشتكَى عِرقَ النَّسا فلم يجِدْ شيئًا يلائمُهُ إلَّا لُحومَ الإبلِ وألبانَها فلذلِكَ حرَّمَها قالوا : صدَقتَ.
الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم : 3117 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ: أي: قُلْ لهم- يا محمَّدُ- محاجًا إياهم : احضروا كتابكم الذي فيه شَريعتكم الذي هو التوراة إنْ كنتم مُحِقِّين في دعواكم فاقرؤوها علينا بأنفسكم؛ ففيه إقامةُ الحُجَّة على الخَصْم بما يَعتقِد صحَّته ويؤمن به، فهذا أعظمُ مَحاجَّة ،لتجدوا النسخ المثبت في كتابكم من قبل .
لما أنكر اليهود -قبحهم الله- النسخ وقالوا: إنه غير ممكن؛ وهذا من جهلهم وضلالهم وإنكارهم لآيات الله، فالله تعالى ينسخ لحكمة، وهو يعلم بأحوال عباده.فالشرائع من عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم تختلف، فقد كان في شريعة آدم أن الأخ يتزوج أخته، لكن من البطن الآخر، فكانت حواء تأتي بذكر وأنثى في كل حمل، فهذان الذكر والأنثى اللذان يكونان في بطن واحد أخوان يحرم عليهما أن يتزوج أحدهما الآخر، لكن يجوز له أن يتزوج من بطن آخر؛ حتى يكثر الناس، ثم نسخ ذلك وحرم الله الزواج بالأخت، وفي شريعة يعقوب عليه الصلاة والسلام كان يجوز الجمع بين الأختين، وقد نُسِخَ ذلك وحُرِّمَ ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وفي شريعة التوراة: يجب على القاتل القصاص، وفي شريعة الإنجيل تجب الدية ، وفي شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - التي هي أكمل الشرائع وختامها والناسخة لكل ما يخالفها في الشرائع السابقة : يخير فيها أولياء القتيل بين القصاص وبين العفو إلى الدية وبين العفو مجانًا، فالله تعالى يشرع لعباده ما يناسب حالهم ثم ينسخ ذلك؛ لما يعلمه من المصلحة لهم.
"فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" 94.
افترى: من الافتراء وهو اختلاق الكذب، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود.
قوله: الكَذِبَ، فيه تأكيدٌ للافتراء؛ لأنَّ اسمَ الافتراءِ بمعنى الكَذِب والاختِلاق؛ فكان في إردافِه بقوله: الكَذِبَ تأكيدٌ للافتراء.
ذَلِكَ : تعود على تلاوة التوراة وقيل تعود حكم التوراة.
الظَّالِمُونَ :الجائرون المتجاوزون للحد بالكفر أو الفسق أو نحوهما.
أي : فمن تعمد الكذب على الله- تعالى- بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على بني إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم، كان محرمًا عليهم وعلى غيرهم قبل نزولها، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون في الظلم:أي المتجاوزون للحدود التي شرعها الله- تعالى، وسيعاقبهم- سبحانه- على هذا الظلم والافتراء عذابًا أليمًا لا مهرب لهم منه ولا نصير.
"قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"95.
أي: قل- يا محمد- لهؤلاء اليهود الذين جادلوك بالباطل ولكل من كان على شاكلتهم في الكذب والظلم، قل لهم جميعا: صدق الله فيما أخبرنا به في قوله- تعالى- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ وفي كل ما أخبرنا به في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وأنتم الكاذبون في دعواكم.
وإذ كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَأي فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام بالتوحيد وترك الشرك .
حَنِيفًا: الميل عن الشِّرك، أي كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من الأديان أو الأقوال أو الأفعال الباطلة.
ثم نفى الله- تعالى- عن إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ وجه فقال: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.كان مخلصًا عبادته الله وحده.
وفي ذلك تعريض بشرك اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال، وتنبيه إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأتباعه هم المتبِعون حقًا لإبراهيم، فقد أمر الله- محمدًا صلّى الله عليه وسلّم أن يسير على طريقة أبيه إبراهيم فقال: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .النحل: 123.
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة التي جادل اليهود فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد لقنت الآيات النبي صلّى الله عليه وسلّم الجواب الذي يخرس ألسنتهم، ويكشف عن كذبهم وافترائهم وظلمهم، ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة إن كانوا حقًا يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم.
ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل اليهود فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي مسألة أفضلية المسجد الحرام على غيره من المساجد، وقد رد القرآن عليهم وعلى أمثالهم في الكفر والعناد بما يثبت أن المسجد الحرام الذي نازعوا في أفضليته هو أفضل المساجد على الإطلاق فقال تعالى:
"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ"96.
إن البيت الحرام الذي بمكة هو أول بيت وضعه الله- تعالى- للناس في الأرض ليكون متعبدًا لهم.
عَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: قُلتُ يا رَسولَ اللهِ، : أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلُ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: المَسْجِدُ الأقْصَى قُلتُ: كَمْ بيْنَهُمَا؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وأَيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَهو مَسْجِدٌ. صحيح مسلم.
وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، والذي بنى المسجد الحرام هو إبراهيم وابنه إسماعيل، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فكيف قال صلّى الله عليه وسلّم: إن بين بناء المسجدين أربعين سنة!
والجواب أن الوضع غير البناء، فالذي أسس المسجد الأقصى ووضعه في الأرض بأمر الله سيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم ويعقوب هذه المدة التي جاءت في الحديث، أما سليمان فلم يكن مؤسسًا للمسجد الأقصى أو واضعًا له وإنما كان مجددًا فلا إشكال ولا منافاة.
وإذًا فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى، وأجمع منه للديانات السماوية، وهو- أي البيت الحرام- أول بيت جعل الله الحج إليه عبادة مفروضة على كل قادر على الحج، وجعل الطواف حوله عبادة، وتقبيل الحجر الأسود الذي هو ضمن بنائه عبادة. ولا يوجد بيت سواه في الأرض له من المزاياوالخصائص ما لهذا البيت الحرام.
وبذلك ثبت كذب اليهود في دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام، وأن في تحول الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى الكعبة في صلاته مخالفة للأنبياء قبله.
ثم مدح الله- تعالى- بيته بكونه مُبارَكًا أي كثير الخير دائمه، من البركة وهي كثرة الخير مع النماء والزيادة والدوام.
أي أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه، أو طاف حوله، بسبب مضاعفة الأجر، وإجابة الدعاء، وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة الله رب العالمين.
وإن هذا البيت في الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية.
فمن بركاته المادية: قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها ومعهم خيرات الأرض، يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" إبراهيم: 37.
ومن بركاته المعنوية: أنه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهي فريضة الحج، وإليه يتجه المسلمون في صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم، وأفئدة المؤمنين تهوي إليه وتشتاق.
ثم مدحه بأنه هُدىً لِلْعالَمِينَ: أي بذاته مصدر هداية للعالمين، لأنه قبلتهم ومتعبدهم، وفي استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته.
"فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" 97.
ثم مدحه- ثالثًا- بقوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ: أي فيه علامات ظاهرات، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته، وعلو مكانته.وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه.
ثم بيَّن- سبحانه- بعض هذه الآيات البينات الدالة على عِظَمِهِ وشرفِهِ فقال: مَقامُ إِبْراهِيمَ:
محتمل أن المراد به المقام المعروف وهو الحَجَر الذي كان يقوم عليه الخليل لبنيان الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ملصقًا في جدار الكعبة، فلما كان عمر رضي الله عنه وضعه في مكانه الموجود فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم، قد أثرت في الصخرة وبقي ذلك الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات، وقيل إن الآية فيه ما أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه واحترامه، ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية في ذلك ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها وتحمل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها. تفسير السعدي.
وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا : هذه هي الآية الثانية التي تدل على فضل هذا البيت وشرفه .أي من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال- تعالى" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" العنكبوت: 67.وفي ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال- كما حكى القرآن عنه" رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ"إبراهيم: 35.ولا شك أن في أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله لأنه موضع أمان الناس في بيئة تغري بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات.حتى إن التحريم في ذلك شمل صيودها وأشجارها ونباتها.
قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: لا هِجْرَةَ، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ، وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فإنَّ هذا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ، وهو حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَومِ القِيَامَةِ، وإنَّه لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فيه لأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ يَحِلَّ لي إلَّا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، فَهو حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَومِ القِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَن عَرَّفَهَا، ولَا يُخْتَلَى خَلَاهَا. قالَ العَبَّاسُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إلَّا الإذْخِرَ؛ فإنَّه لِقَيْنِهِمْ ولِبُيُوتِهِمْ، قالَ: قالَ: إلَّا الإذْخِرَ.الراوي : عبد الله بن عباس- المصدر :صحيح البخاري
وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء أن من جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه أنه يأمن ولا يقام عليه الحد حتى يخرج منه.
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا: أي: إنَّ شعيرةَ حَجِّ بيتِ الله تعالى الحرام فرْضٌ واجبٌ لله عزَّ وجلَّ على مَن قَدَر مِن أهلِ التَّكليفِ على القصدِ إليه، وذلك بتَوفُّر القُدرةِ الماليَّة والبدنيَّة وغيرِهما ممَّا يُحقِّق الاستطاعةَ
شروط وجوب الحج خمسة وهي: الإسلام ـ البلوغ ـ العقل ـ الحرية ـ الاستطاعة.والاستطاعة تنقسم إلى أربعة أنواع: ـ الاستطاعة المادية: فلابد من توافر المال الذي يحتاجه الحاج في سفره وتكاليف حجه حتى عودته، وتوافر المال الذي يتركه لذويه حتى يعود ، وذلك بعد سداد كل الديون أواستئذان الدائن.وأما عن الدَّيْن الذي لم يَحِن أجلُه كأقساط البيع أو تسديد أقساط ؛ فلا بأس من الذهاب للحج دون استئذان. ويشترط في هذا المال أن يكون حلالًا . فلا يجوز الحج من المال الحرام ، مثل مال الربا أو الرشوة أو البيع المحرم. ـ الاستطاعة البدنية: الحج يحتاج إلى بذل جهد ومشقة من تحمل تبِعات السفر ومناسك الحج ،والبعض يؤجل حجه إلى أن يكبر سنه ، وكأنه لا يليق به أن يكون حاجًا إلا أن يكون شيخًا كبيرًا وهذا مخالف للصواب حيث ينبغي المبادرة بالحج ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلاً
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ: أي: إنَّ مَن جحَد فرض الحجِّ فأنكر وجوبه وكفر به، فإنَّ الله غنيٌّ عنه، وعن حَجِّه، وعن سائرِ خَلْقه يُنظر: تفسير ابن جرير/5/618،624)، شرح عمدة الفقه- كتاب الطهارة والحج لابن تيمية 2/76، تفسير السعدي ،ص: 971، تفسير ابن عثمين- سورة آل عمران. 1/554-555. وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاس، والضَّحَّاك، وعطاء، وعمران القطان، والحسن، ومجاهدٌ، وعِكرمةُ، ومُقاتل. يُنظر"تفسير ابن جرير"5/ 618-، وزاد المسير. لابن الجوزي ظ1/ 309.وفي الآيةِ أوجهٌ أُخرى ذكَرها ابنُ الجوزيِّ في - زاد المسير- الموضع السابق، والشنقيطيُّ في أضواء البيان.1/203.. .
عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي،إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا."الراوي : أبو ذر الغفاري - صحيح مسلم.
" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ" 98.
آيَاتِ اللَّهِ: هي الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
أي: قُلْ- يا محمَّدُ- لأصحابِ التَّوراة والإنجيل مُوبِّخًا لهم: يا معشرَ اليهود والنَّصارى، ما الذي يَحمِلكم على جحْد حُجَج الله تعالى التي جاءت بها كُتُبكم، التي تُثْبِت نبوَّتي وصِدْقَ ما جئتُ به من الله تعالى؛ فلِمَ تَجْحَدون ذلك وأنتُم على عِلْم بالحقِّ، والله تعالى شهيدٌ على كُفْركم؟! فإنَّه سبحانه لا يَخفى عليه شيءٌ، وسيُجازيكم على كُفْركم بما تَستحِقُّون.
ولكي يكون التأنيب أوجع، أمر الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يناديهم بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ، لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان، والإذعان للحق، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم، وخبث طويتهم، وسوء طباعهم.
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" 99 .
وبعد أن أنَّبَهُم ووبخهم القرآن الكريم في الآية السابقة على كفرهم وضلالهم، أمر الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم في آية ثانية أن يوبخهم على محاولتهم إضلال غيرهم.فالآية الأولى لكفهم عن الضلال، والثانية لكفهم عن الإضلال.
وقوله: تَصُدُّونَمن الصد وهو صرف الغير عن الشيء ومنعه منه.
وقوله: سَبِيلِ اللَّهِأي طريقه الموصلة إليه وهي ملة الإسلام.
لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًاوَأَنتُمْ شُهَدَاءُ :تبغون لأهل دين الله ولمن هو على سبيل الحق عوجًا وضلالا، وزيغًا عن الاستقامة على الهدى والمحجة، وأنتم تعلمون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال.
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ : اعتراضٌ تذييليٌّ، فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديد، وتذكيرٌ لأنَّهم يعلمون أنَّ الله يعلم ما تُخفي الصُّدور .وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة، لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر والكيد ووجوه الحيل، وختم الآية السابقة بقوله والله شهيد لأن العمل الذي فيها وهو الكفر ظاهر مشهود.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" 100.
بعد أن بين- سبحانه- في هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا الخسيستين ضلال أنفسهم، ثم محاولتهم تضليل غيرهم، تركهم مؤقتا في طغيانهم يعمهون، ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم، وينهاهم عن الركون إليهم، والاستماع إلى مكرهم .
وقد خاطب الله المؤمنين بذاته في هذه الآية بعد أن أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم بأن يخاطب أهل الكتاب في الآيتين السابقتين، إظهارًا لجلالة قدرهم، وإشعارًا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من الله- تعالى-.
وناداهم بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة .
فَرِيقًا:ووصف- سبحانه- الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب، إنصافًا لمن لم يفعل ذلك منهم.
ونعتهم بأنهم أُوتُوا الْكِتابَ للإشعار بأن تضليلهم متعمد وبأن تآمرهم على المؤمنين مقصود، فهم أهل كتاب وعلم، ولكنهم استعملوا علمهم في الشرور والآثام.
يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ: أي: يصيروكم بعد إيمانكم كافرين.
"وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" 101.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ: ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من الذين أوتوا الكتاب، أو أن يكفروا بعد إيمانهم، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ: للإنكار، ولاستبعاد كفرهم في حال اجتمع لهم فيها كل الأسباب الداعية إلى الإيمان.
وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ:أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه.
ثم أرشد الله- تعالى- المؤمنين إلى الوسيلة التي متى تمسكوا بها عصموا أنفسهم من مكر اليهود فقال- تعالى "وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ: أي ومن يلتجئ إلى الله في كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل، ويتمسك بدينه، فقد هُدِيَ إلى الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
وفي هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين الذين لم يشاهدوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" 102.
ثم أمر الله- تعالى- المؤمنين بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يُطاع فلا يُعصَى، ويُذكر فلا يُنسَى، ويشكر فلا يُكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى ""فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " التغابن :16.
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ : أي لا تموتن على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التي هي حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه.فمن عاش على شيء مات عليه، مع التنبيه على مقولة "مَن عاش على شيء مات عليه" ليس حديثًا، ولكنه كلام بعض أهل العلم، وهو مبني على الأغلب.
"مَنْ ماتَ على شيءٍ بَعثَهُ اللهُ عليْهِ" الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم: 6543 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
يومُ القِيامةِ يومُ الجَزاءِ على الأعمالِ في هذه الدُّنيا، والجزاءُ يكونُ من جِنسِ العَملِ؛ فيَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه، كما يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحَديثِ: "مَن ماتَ على شَيءٍأي: مَن ماتَ على عَمَلٍ مِن الأعْمالِ طاعَةً كانتْ أو مَعصيَةً، "بَعَثَه اللهُ عليه"، أي: بَعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على هذا العَمَلِ؛ فيَموتُ الإنسانُ على ما عاشَ عليه.
"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" 103.
وبعد أن أمرهم- سبحانه- بمداومة خشيته، والاستمرار على دينه أتبع ذلك ببيان ما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله.
والاعتصام: افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أى يمنع من السقوط والوقوع. والمراد بحبل الله هنا: دينه أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة .
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا:كنتم في الجاهلية يضرب بعضكم رقاب بعض ، ولما جاء الإسلام أنعم عليكم وألف بين قلوبكم ، فهذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض.
والمعنى: كونوا جميعًا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية يضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم.
وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا : أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها "فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا " بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ: أي: يوضح لكم آياته المجلية للحق ويفسرها، فيبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال لعلكم تهتدون بمعرفة الحق والعمل به.
"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"104.
بعد أن أمرهم- سبحانه- بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام بدينه وبكتابه، عَقَّبَ ذلك بأمرِهِم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنه عن طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الأمة: الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما ،وتطلق علىأتباع الأنبياء كما تقول: نحن من أمة محمد- صلّى الله عليه وسلّم، وعلى الرَّجُلِ الجامعِ للخيرِ الذي يُقْتَدَى به كقوله- تعالى"إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا "النحل: 120.وعلى الدين والملة كقوله- تعالى" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ " الزخرف: 22، وعلى الحين والزمان كقوله- تعالى" وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ" يوسف: 45.
والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمراد بالخير: هو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه.
والمراد بالمعروف : ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه والمنكر ضد ذلك.
والمعنى: ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية الإيمان عظيمة الإخلاص، تبذل أقصى طاقتها وجهدها في الدعوة إلى الخير الذي يصلح من شأن الناس، وفي أمرهم بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التي توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة، وفي نهيهم عن المنكر الذي يأباه شرع الله، وتنفر منه الطباع الحسنة. وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان "
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب. اللهم اجعلنا من الفائزين المعافين.
" وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" 105.
بعد أن أمر الله- تعالى- بالمواظبة على الدعوة إلى الخير، عقب ذلك بنهيهم عن التفرق والاختلاف .
أى: ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين تفرقوا شيعًا وأحزابًا، وصار كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ واختلفوا فيما بينهم اختلافا شنيعًا، وقد ترتب على ذلك أن كفَّر بعضهم بعضًا، وقاتل بعضهم بعضًا، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق وغيره على الباطل، وأنه هو وحده الذي يستطيع أن يدرك ما في الكتب السماوية من حقائق، وهو وحده الذي يستطيع تفسيرها تفسيرًا سليمًا. ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم من بعد ما جاءهم البينات. أي الآيات والحجج والبراهين الدالة على الحق، والداعية إلى الاتحاد والوئام لا إلى التفرق والاختلاف. والمقصود بهذا النهي إنما هو التفرق والاختلاف في أصول الدين وأسسه، أما الفروع التي لا يصادم الخلاف فيها نصًا صحيحًا من نصوص الدين فلا تندرج تحت هذا النهي، فنحن نرى أن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم والتابعين من بعدهم قد اختلفوا فيما بينهم في بعض المسائل التي لا تخالف نصًا صحيحًا من نصوص الشريعة وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على حسب فهمه الذي أداه إليه اجتهاده.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة المتفرقين، والمختلفين في الحق فقالوَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ : أي لهؤلاء الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ، عذابٌ من عند الله عظيمٌ؛ بسبب تفرقهم واختلافهم الباطل ،فلا تكونوا مِثْلهم فيكونَ لكم من عِقابِ الله مِثْلُ الذي لهم.
"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ"106.
لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى العذابَ العظيمَ الذي سيَقَع على مَن تفرَّقوا في دِينهم شيعًا بعد مجيءِ الحقِّ وظهورِه لهم، بيَّن هنا موعدَ مجيء ذلك العذاب ؛ وهو يوم القيامة .ويتضمن ذلك الترغيب والترهيب الموجب للخوف والرجاء.
أي: إنَّ أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ في اليومِ الذي تكونُ فيه وجوهُ أهل السعادةِ بيضاءَ تتلألأ بهجة وسرورًا حين تظهر لهم آثار أعمالهم ، وهم الذين اعتَصَموا بحبلِ الله جميعًا، وائتلَفوا بينهم، وأما وجوهُ أهلِ الشَّقاوة فتسودّ بالذل والكآبة حين يجنون ثمار أعمالهم، وعواقب تفرقهم واختلافهم، بعدَ ظهورِ البيِّنات لهم.
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ:أي: إنَّ الَّذين اسودَّت وجوهُهم، يُقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أكفرتُم بعد توحيدِ الله تعالى وعهْدِه الذي أخَذه عليكم بألَّا تُشرِكوا به شيئًا.
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ: أي: فذوقوا إذَنْ عذابَ الله تعالى؛ بسببِ كُفْركم هذا. وهذا الوعيد في الآية يقابل الوعد في الآية قبلها وهو قوله "وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"فالفلاح فيها يشمل الفوز بخيري الدنيا والآخرة.
ثم بين- سبحانه- حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال"وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"107.
أي: أمَّا أولئك الذين قد ابيضَّتْ وجوهُهم ببركة إيمانهم وعملهم الصالح فهُمْ يتقلَّبون في رحمةِ الله تعالى بما أعدَّ لهم في جنَّته من أنواعِ النعيم، ماكثين فيه أبدًا بغير نهاية.
وبعد أن أفاض- سبحانه- في الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق- سبحانه- من التوجيهات الحكيمة، والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس، بعد كل ذلك، خاطب- سبحانه- نبيه صلّى الله عليه وسلّم بقوله:
"تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ "108.
وقال- سبحانه- تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها، فالتصريح باسمه- تعالى- يزيد البيان جلالا ويبعث في النفوس الخشية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإقبال على ما يوصل إلى الثواب.
ِالْحَقِّ: أي نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل في كل ما دلت عليه هذه الآيات ونطقت به، مما لا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة.
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ : نفي للظلم بأبلغ وجه فإنه- سبحانه- لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ هو منزه عنه - سبحانه. هو الحكم العدل الذي لا يجور ، لأنه القادر على كل شيء ، العالم بكل شيء . "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...." النساء : 40.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 07:05 PM   #6
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Mmm

تفسير سورة آل عمران
من آية 109 إلى آية 115

" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ" 109 .
أي له- سبحانه- وحده ما فيهما من المخلوقات ملكًا وخلقًا وتدبيرًا وتصرفًا وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبًا.
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: أي: هو الذي يتصرَّفُ في شؤون عبيدِه، والحاكمُ عليهم في الدُّنيا والآخرة، ومن ذلك رجوعُ النَّاس إليه يومَ القيامة؛ ليُجازيَهم بأعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ، بدون ظلم أو محاباة.
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" 110.
يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس،من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة الباطل، ونشر الإصلاح والنفع في الأرض. والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله- تعالى- كُنْتُمْ للمؤمنين الذين عاصروا النبي صلّى الله عليه وسلّم ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم الإسلام إلى يوم الدين.ولذا قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس فقال:تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ:والمعروف: هو كل قول أو عمل حسنه الشرع، وأيدته العقول السليمة، والمنكر بعكسه.
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ:أي تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه، وتخلصون له العبادة والخضوع، وتطيعونه في كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على لسان رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم : أي بما أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم لَكانَ خَيْرًا لَهُمْأي لكان إيمانُهم خيرًا لهم في دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التي ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان الصحيح منهم، ولإيثارهم الضلالة على الهداية .
مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ: هي جواب للجملة الشرطية التي قبلها. فكأنه قيل: هل منهم من آمن أو كلهم على الكفر؟ فكان الجواب: منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون.
وعبر عن كفرهم بالفسق، للإشعار بأنهم قد فسقوا في دينهم أيضا فهم ليسوا عدولا فيه، وبذلك يكونون قد خرجوا عن الإسلام وعما أوجبته عليهم كتبهم من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم.
" لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ"111.
ثم بشر اللهُ- تعالى- المؤمنينَ، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التي عتت عن أمر ربها وناصبت المؤمنين العداء، لن تضرهم ضررًا بليغًا له أثر مادام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم ومنفذين لتعاليمه وآدابه، ولكن هذا النفي لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين السابقين وهما :الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.
فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتي على كيانها، فعليها أن تخلص العبادة لربها، وأن تعمل بسنة نبيها، وأن تتقيد بأحكام كتابها، وأن تباشر الأسباب التي شرعها خالقها للنصر على أعدائها.
أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله- تعالى- به وتجاوزت ما نهاها عنه فإنها في هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر في كيانها وتكون هي الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه.
ثم بشر الله- تعالى- المؤمنين ببشارة أخرى فقال: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ.
لا ينصرون عليكم أبدًا ماداموا على فسقهم، ودمتم على خيريتكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
تولية الأدبار: كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذي هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر.
والمعنى، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررًا يسيرًا لا يبقى أثره فيكم - مادمتم مستمسكين بدينكم-، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال، أمدكم الله بنصره، وألقى في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزامًا منكم، ثم لا يُنصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم.والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارًا شديدًا بذعر وهلع.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك بعض العقوبات التي عاقب بها اليهود بسبب كفرهم وظلمهم فقال:
"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ " 112.
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ : وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة ، يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا المعنى معانٍ مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق.
الذِّلَّةُ : والمراد بها الصغار والهوان والحقارة.
فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود، وإحاطتها بهم، كما يحيط السرادق بمن يكون في داخله.
أَيْنَ مَا ثُقِفُوا:أي أينما وُجِدُوا.
إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ :إلا بعهد من الله وهو ما قررته الشريعة إذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء، وعهد من الناس، وهو ما تقتضيه المشاركة في المعيشة، من احتياجهم إليكم واحتياجكم إليهم في بعض الأمور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن معاملتهم ويقترض منهم، وكذلك الخلفاء الراشدون.
"لقد رَهنَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ درعَهُ عندَ يَهوديٍّ بالمدينةِ فأخذَ لأَهلِهِ منْهُ شعيرًا"الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه- الصفحة أو الرقم : 1991 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
قال ابن جرير: وأما الحبل .... فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام.
والمعنى: أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة في جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا في حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس.وقد فسر العلماء عهد الله بعقد الجزية الذي يربط بينهم وبين المسلمين.
وإنما كان عقد الجزية عهدًا من الله لهم، لأنه- سبحانه- هو الذي شرعه، وما شرعه الله فالوفاء به واجب.
وكان عهدًا من المسلمين لهم، لأنهم أحد طرفيه، فهم الذين باشروه مع اليهود وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وعلى المسلمين حمايتهم، وصون أموالهم لقاء مقدار من المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجِزْيَةِ.
فإن قال قائل: إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان، بعد أن أنشأوا دولتهم بفلسطين!!والجواب: أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى.
فهي التي تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة، فينطبق على هذه الحالة- أيضًا- أنها بحبل من الناس. فاليهود لا سلطان لهم، ولا عزة تكمن في نفوسهم، ولكنهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا في تلك البقعة من الأرض لتكون مركزًا لتلك الأمم التي تعهدت بحمايتهم ليقفزوا منها إلى محاربة المسلمين، إذا أتيحت لهم فرصة.
ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم، وتمسكوا بشريعتهم، واجتمعت قلوبهم، وتوحدت أهدافهم، وأحسنوا الشعور بالمسئولية نحو دينهم وأنفسهم وأوطانهم، وأعدوا ما استطاعوا من قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم..لو أنهم فعلوا ذلك لَمَا كان حالُهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير في أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم.الوسيط.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ : والمراد بها في الآية الكريمة الضعف النفسي، والفقر القلبي الذي يستولى على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة.
والفرق بينها وبين الذلة: أن الذلة تجيء أسبابها من الخارج. كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو.
أما المسكنة فهي تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها.
والمعنى: أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حيثما حلوا، قد صاروا في غضب من الله، وأصبحوا أحقاء به، وضربت عليهم كذلك المسكنة التي تجعلهم يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال.
ثم ذكر- سبحانه- الأسباب التي جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات:
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ: فاسم الإشارة ذَلِكَ: يعود إلى تلك العقوبات العادلة التي عاقبهم الله بها بسبب كفرهم وفسقهم.
كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ : والآيات: تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله- تعالى- وربوبيته وتطلق ويراد بها النصوص التي تشتمل عليها الكتب السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل- عليهم الصلاة والسلام- فيما يبلغون عن الله- تعالى-، وهي التي يسميها علماء التوحيد بالمعجزات.وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع يَكْفُرُونَ..
وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ : أي أنهم لم يكتفوا بالكفر، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله- تعالى- الذين أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم. وقال- سبحانه- بِغَيْرِ حَقٍّ مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدًا. لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه.
حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم، أو تأويل في الحكم أو شبهة في الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، ومخالفون لشرع الله عن تعمد وإصرار.الوسيط.
جريمتهم الثالثة بقوله ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ:
العصيان: الخروج عن طاعة الله، والاعتداء: تجاوز الحد الذي حده الله- تعالى- لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه.الوسيط.
" عد هذا الحديث الحكيم عن أهل الكتاب، وعن العقوبات التي أنزلها- سبحانه- باليهود بسبب فسقهم وظلمتهم.
بعد كل ذلك ساق- سبحانه- آيات كريمة تمدح من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريمًا لذواتهم فقال- تعالى:
"لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ"113.
الضمير في قوله- تعالى- لَيْسُوا سَواءً يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم.
أي: ليس أهل الكتاب متساوين في الكفر وسوء الأخلاق، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الدين الحق ملازمة له، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه. والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التي وصفها الله- تعالى- بأنها أُمَّةٌ قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه في السر والعلن، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشيّ ومن آمن معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، ولم يفرقوا بين أنبياء الله ورسله، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم.
ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ:
وقوله يَتْلُونَ من التلاوة وهي القراءة، وأصل الكلمة من الاتباع، فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ.
والمراد بآيات الله هنا: ما أنزله على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم من قرآن.
وقوله:آناءَ اللَّيْلِ أي أوقاته وساعاته.
والمراد بالسجود في قوله: وَهُمْ يَسْجُدُونَ الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح.
"كَشَفَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ السِّتَارَةَ والنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَ:أيُّها النَّاسُ، إنَّه لَمْ يَبْقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُسْلِمُ، أوْ تُرَى له، ألَا وإنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا، أوْ سَاجِدًا، فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ عزَّ وجلَّ، وأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ."الراوي : عبد الله بن عباس - صحيح مسلم .
فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ: أي: جَدِيرٌ وحَقِيقٌ وحريٌّ أن يُستجابَ لِمَن دَعَا في سجودِه.
ثم وصفهم- سبحانه- بصفات أخرى كريمة فقال:
"يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ"114.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ :والمراد بهذا الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول الذي نطق به الشرع، وجاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: أي ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله:
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ: إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التي من أشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، والإكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذي أمر الله به، ونهيه عن الباطل الذي يبغضه الله، وتستنكره العقول السليمة.
وقوله- تعالى-وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التي ترفع درجاتهم عند الله- تعالى- بدون تردد أو تقصير. وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ولم يقلإلى الخيرات للإشعار بأنهم مستقرون في كل أعمالهم في طريق الخير، فهم ينتقلون من خير إلى خير في دائرة واحدة هي دائرة الخير، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير، وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفي المفيدة للظرفية.والمسارعة في الخير هي فرط الرغبة فيه، لأن من رغب في الأمر يسارع في توليه وفي القيام به.
وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ:أي وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، واستحقوا ثناءه عليهم.وفي التعبير بقوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله- تعالى- ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين.فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين.
"وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ" 115.
أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل، وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان. لأنه- سبحانه- عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملًا.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-25, 11:36 PM   #7
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Mo

من آية 116إلى آية 132
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"
116.

بعد هذا الحديث المؤثر في الآيات السابقة عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من ثواب جزيل، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التي أدت إلى جحودهم وفسوقهم.

أي: إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به، واغتروا بأموالهم وأولادهم في الدنيا، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا- ولو يسيرًا- من عذاب الله الذي سيحيق بهم يوم القيامة بسبب كفرهم وجحودهم.وقد أكد- سبحانه- عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئا- في وقت هم في أشد الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم- بحرف "لن" المفيد لتأكيد النفي وخص الأموال والأولاد بالذكر، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغترارا بالأموال والأولاد.

خَصَّ اللهُ تعالى الأموالَ والأولاد بالذِّكر؛ لأنَّهما من أشد الأشياء نفعًا للإنسان، فالغَناء في مُتعارَف النَّاس يكون بالمال والولد، فالمالُ يدفعُ به المرءُ عن نَفْسِه في فِداءٍ أو نحوه، والولدُ يَنصُر أباه ويُدافِع عنه، فإذا لم يُغنِ عنه ولدُه لصُلْبه ومالُه الذي هو نافِذُ الأمر فيه؛ فغير ذلك أبعدُ مِن أن يُغني عنه مِن الله شيئًا.

وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ : تذييل قُصِدَ به بيان سوء عاقبتهم، وما أعد لهم من عذاب شديد.

أي وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم، هم أصحاب النار الذين سيلازمونها ويصلون سعيرها، ولن يصرفهم من عذاب الله أي ناصر من أموال أو أولاد أو غيرهما.

ثم ضرب- سبحانه- مثلًا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من أموال في الدنيا فقال:

"مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"117.

وفي هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ، فقد شبه- سبحانه- حال ما ينفقه الكفار في الدنيا- على سبيل القربة أو المفاخرة وعدم ابتغاء وجه الله في نفقاتهم - شبه ذلك في ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه في الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة، كمثل زرع أصابه ريح شديدة باردة مهلكة فاستأصلته ، أو أصابته نار فأحرقته وأهلكته ، فلم ينتفع أصحابه بشيء ، وهم أحوج ما يكونون إليه.

وجماع هذا كله قوله" إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "
المائدة: 27.

وقيل إن المثل ينطبق على الكافرين الذين ينفقون أموالهم في طرق البر رغبة في الخير، لأن شرط قبول العمل والإثابة عليه أن يكون خالصًا لوجه الله وصوابًا أي على مراد الله بالأدلة الشرعية.

عن العباس بن عبدالمطلب قال : يَا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَفَعْتَ أبَا طَالِبٍ بشَيءٍ؟ فإنَّه كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ، قالَ: نَعَمْ، هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ."
الراوي : العباس بن عبدالمطلب / المصدر :صحيح البخاري.

وفيه: بيانُ أنَّه لا تنفَعُ محبَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المحبَّةَ الطبيعيَّةَ، وإنما تنفَعُ المحبَّةُ الدينيَّةُ الإيمانيَّةُ التي تتمثَّلُ في اتِّباعِ سُنَّتِه، والاقتداءِ به عقيدةً وسُلوكًا. وفيه: بيانُ أنَّ القرابةَ المجرَّدةَ لا تنفَعُ، وإنما ينفَعُ القُربُ الدينيُّ، وإن كانت الأنسابُ غَريبةً
.الدرر.

وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ :أي: أن الله - تعالى - ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه شيئًا ؛ لأن الله تعالى ، إنما يتقبل من المتقين.تفسير السعدي.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ"
118.

أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة الثياب فى شدة القرب من صاحبها .

بعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين أكمل بيان وأحكمه ، حذر المؤمنين من سوء البطانة، وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان ، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم فى عقيدتهم على أسرارهم ، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة ، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين ، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر فى دينكم ودنياكم .

لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا: جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم . أو صفة لقوله : بِطَانَةً. لا يُقصِّرون في فَسادِ دِينكم ومعيشتكم ؛ بل يبذلون قصارى جهدهم فى إلحاق الضرر بكم فى دينكم ودنياكم . يُقال: ألوتُ في الشَّيء آلو: إذا قصَّرتُ فيه ، وخَبَالًا: أي: فَسادًا أو شرًّا، ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطرابًا وفسادًا فى قواه العقلية والفكرية .

وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ : من الود وهو المحبة. عَنِتُّمْ :من العنت وهو شدة الضرر والمشقة .

فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان ، وأنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران .

وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله - تعالى - بقوله " قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ " . والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهي البغض الشديد المتمكن في النفوس ، والثابت في القلوب . أي : قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم ، وطفح البغض الباطن في قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم ، ولاح على صفحات وجوههم ، ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد ، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء ، إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذي ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم ، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير . وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة . للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم الباطلة ، فهم أشد جرمًا من المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم ، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التى تدعو إلى الحذر منهم فقال سبحانه:

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ: أي قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحة التي يتميز بها الولي من العدو، ومن يصح أن يتخذ بطانة، ومن لا يصح أن يتخذ لخيانته، وسوء عاقبة مباطنته، إنْ كنتم تَعقِلون عن الله آياتِه؛ فإنَّ ذلك لا يَخفى على لبيبٍ عاقل.

ثم ذكر نوعا آخر من التحذير عن مخالطة الكافرين واتخاذهم بطانة، وقد ضمنه أمورًا ثلاثة كل منها يستدعي الكفّ عن مخالطتهم:

" هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ"119.

تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ :أي أنتم أيها المؤمنون تُحِبُّونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ وهم لا يحبونكم .

وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ: قال ابن عباس : يعني بالكتب . أي وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية كلها التى أنزلها الله على أنبيائه وعُبِّرَ عن الكتب بكتاب لوجوب الإيمان بكل الكتب وأنها كلها من عند الله ولكن تنسخ بعضها بعضًا كأحكام لكن كل الكتب تدعو لتوحيد الله عز وجل – فمن كفر بكتاب مما أنزله الله فهو كافر بجميع الكتب، من كفر ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وكذلك من كفر ببعض الشريعة فقد كفر بالشريعة كلها، لأن الشريعة واحدة. وهم لا يؤمنون بشىء من كتابكم الذي أنزله الله على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم بطانة من دون إخوانكم المؤمنين ؟ لا شك أن من يفعل ذلك يكون بعيدًا عن الطريق القويم ، والعقل السليم .

ثم بيَّن - سبحانه - سببًا ثالثًا يدل على قبيح مخالطتهم ومصافاتهم فقال - تعالى " وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ " . والعض هو الإمساك بالأسنان أي تحامل الأسنان بعضها على بعض . والأنامل جمع أُنملة ، وهى أطراف الأصابع . وقيل هي الأصابع . والغيظ : أشد الغضب . وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم على المؤمنين . أي أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم وسوء ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإذا خلوا ، أي خلا بعضهم ببعض أكل الحقدُ قلوبَهم عليكم ، وسلقوكم بألسنة حداد ، وتمنوا لكم المصائب ، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ نحوكم بسبب ما يرونه من ائتلافكم ، واجتماع كلمتكم ، وعجزهم عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفى منكم . وإلحاق الأضرار بين صفوفكم .

ومن كان كذلك في كفره ونفاقه ، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه ؛ لأنه لا يريد للمؤمنين إلا شرًا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين ويبقي حسرتهم فقال : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم : ولكل مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون إلا الشر . أي : قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا . فإن قوة الإسلام وعزة أهله التي جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر ، وإن أحقادكم على المسلمين لن تُنقص من قوتهم وعلو كلمتهم شيئًا . فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم ويكبتهم وهو نجاح الإسلام وقوته . والباء فى قوله " بِغَيْظِكُمْ " للملابسة ، أي موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم . وقوله "إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور " أي: إنَّ الله سبحانه لا يَخفى عليه ما تَنطوي عليه صدورُ هؤلاء من الغِلِّ والبغضاء لعبادِه المؤمنين، وسيحاسبهم عليه حسابًا عسيرًا . ويعذبهم بسبب ذلك عذابًا اليمًا .

ويعلمُ أيضًا ما تحويه صدورُ جميعِ خَلْقه، فيحفظُ عليهم ذلك؛ ليُجازيَ كلًّا منهم بما يُكِنُّه قلبُه من خيرٍ أو شرٍّ.

وفى هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبى صلى الله عليه وسلم ولقلوب أصحابه . حيث بين - سبحانه - لهم أنه ناصرهم ، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطانة لهم. ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال:

" إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" 120.

والمس : أصله الجس باليد . أطلق على كل ما يصل إلى الشىء على سبيل التشبيه ، فيقال : فلان مسه النصب أو التعب ، أي أصابه . والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها ، كصحة البدن ، وحصول النصر ، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين . أي إن تمسسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم . وإصلاح ذات بينكم ، وإن" تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ " كنزول مصيبة بكم ، يفرحوا بها . أى يبتهجوا بها ، وتستطار ألبابهم سرورًا وحبورًا بسبب ما نزل بكم من مكاره . فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين ، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خير ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر . وعبر فى جانب الحسنة بالمس ، وفى جانب السيئة بالإصابة ، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم ، بحيث إن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفًا وليس غامرًا عامًا فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك ، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا . أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره ، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مسًا خفيفًا ، فإنها لا تشفي غيظهم وحقدهم ، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة التي تؤذي المؤمنين فى دينهم ودنياهم أَذًا شديدًا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بإرشاد المؤمنين إلى الدواء الذي يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى " وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاإِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " . وقوله : تَصْبِرُواْ : من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل . وقوله : وَتَتَّقُواْ : من التقوى وهى صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله . وقوله :كَيْدُهُمْ : من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره في مكروه . والمعنى : وَإِن تَصْبِرُواْ أيها المؤمنون على طاعة الله ، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا فى محبة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التي كلفكم الله بها ، وتقاوموا العداوة بمثلها وَتَتَّقُواْ الله - تعالى - فى كل ما نهاكم عنه ، وتمتثلوا أمره فى كل ما أمركم به ، إن فعلتم ذلك لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ وتدبيرهم السىء شَيْئًا من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين : الصبر والتقوى ، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات ، ومكارم الأخلاق .

إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: أي: إنَّ اللهَ تعالى بما يقوم به هؤلاء الكفَّار من كيدٍ وضُرٍّ بأهل طاعته، مُحيطٌ بجميعه، لا يَغيب عنه شيءٌ من ذلك، فهو سبحانه يُحصيه عليهم ويُجازيهم به. - فلا حول ولا قوة لهم إلا به ، وهو الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ، ومن توكل عليه كفاه .تفسير ابن كثير.-

ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد ، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين ، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين ، وبيان صبر الصابرين ، فقال تعالى :

" وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"121.

هذه الآيات نزلت في غزوة "أُحد" ، ولعل الحِكمة في ذكرِها في هذا الموضع، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا .وأدخل في أثنائها وقعة "بدر" لما أن الله تعالى قد وعد المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم، ورد كيد الأعداء عنهم، وكان هذا حكمًا عامًا ووعدًا صادقًا لا يتخلف مع الإتيان بشرطه، فذكر نموذجًا من هذا في هاتين القصتين، وأن الله نصر المؤمنين في "بدر" لما صبروا واتقوا،وأدال عليهم العدو لما صدر من بعضهم من الإخلال بالتقوى ما صدر.

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ : والغدو هاهنا مطلق الخروج، ليس المراد به الخروج في أول النهار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلا بعدما صلوا الجمعة ، أي : واذكُر- يا محمَّدُ- حين خرجتَ مِن بيتك مُغادِرًا المدينةَ، للقاءِ المشركين في غزوة أُحُد.

تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ : أي: تنزلهم وترتبهم كل في مقعده اللائق به، وفيها أعظم مدح للنبي صلى الله عليه وسلم حيث هو الذي يباشر تدبيرهم وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا لكمال علمه ورأيه، وسداد نظره وعلو همته، حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته الكاملة صلوات الله وسلامه عليه .

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: أي: إنَّ اللهَ سميعٌ لِمَا تتشاورُ فيه أنت ومَن معك حول مَوضِع لقاءِ العَدوِّ، عليمٌ بأصلحِ تلك الآراء لكم، وبما تُخفيه صدورُ المُشيرين من المؤمنين والمنافقين من نيَّات، كما أنَّه سبحانه يسمعُ ويعلمُ غيرَ ذلك من أمورِكم وأمورِ سائر خَلْقه، فيُحصي على عبادِه ما يقولون ويعملون، وبحسَب ذلك يُجازون.

أحداث غزوة أحد:

- تنفَّلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سيفَهُ ذا الفقارِ ، يومَ بدرٍ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وَهوَ الَّذي رأى فيهِ الرُّؤيا يومَ أُحُدٍ وذلِكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا جاءَهُ المشرِكونَ يومَ أُحُدٍ كانَ رأي رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يقيمَ بالمدينةِ يقاتِلَهُم فيها، فقالَ لَهُ ناسٌ لم يَكونوا شَهِدوا بدرًا تخرُجُ بنا يا رسولَ اللَّهِ إليهم نقاتلُهُم بأُحُدٍ، ونَرجو أن نُصيبَ منَ الفضيلةِ، ما أصابَ أَهْلُ بَدرٍ، فَما زالوا برَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى لبسَ أداتَهُ، فلمَّا لبسَها ندِموا، وقالوا : يا رسولَ اللَّهِ أقِم فالرَّأيُ رأيُكَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ : ما ينبَغي لنبيٍّ أن يضعَ أداتَهُ بعدَ أن لبسَها حتَّى يَحكُمَ اللَّهُ بينَهُ وبينَ عدوِّهِ قالَ : وَكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال لهم يومئذٍ قبلَ أن يلبِسَ الأداةَ : إنِّي رأيتُ أنِّي في دِرعٍ حصينةٍ، فأوَّلتُها المدينةَ وأنِّي مردِفٌ كبشًا، فأوَّلتُهُ كَبشَ الكتيبةِ ورأيتُ أنَّ سيفي ذا الفقارِ فُلَّ، فأوَّلتُهُ فلًّا فيكُم ورأيتُ بقَرًا يُذبَحُ فبقرٌ واللَّهِ خيرٌ فَبقرٌ واللَّهِ خيرٌ"الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : ابن حجر العسقلاني - المصدر : تغليق التعليق - الصفحة أو الرقم : 5/331 - خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح.

الشرح

يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخَذَ مِنَ الأَنْفالِ الَّتي تكونُ مِن غَنائمِ المشرِكينَ زِيادةً لنفْسِه واصطِفاءً واختِيارًا منها"سيْفَه ذا الفَقارِ"، وسُمِّي بذلكَ؛ لأنَّ السَّيفَ كانتْ به خَرَزاتٌ في ظَهْرِه مِثلُ الفِقْراتِ، وهذا السَّيفُ كان للعاصِ بنِ مُنَبِّهٍ، وكان ذلكَ في غَزْوةِ بَدْرٍ الَّتي كانتْ في رَمضانَ مِنَ السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجْرةِ، وفي هذه الغَزْوةِ نصَرَ اللهُ فيها رَسولَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم والصَّحابةَ على قُرَيشٍ. وإنَّ هذا السَّيفَ كان للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَه رُؤْيا في مَنامِه يَومَ أُحُدٍ. وأُحُدٌ: جبَلٌ مَشهُورٌ بالمَدينةِ في شِمالِيِّها الغرْبيِّ، بيْنَه وبيْنَ المدينةِ ثَلاثةُ أمْيالٍ. ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا جاءَهُ مُشرِكو قُرَيشٍ يَومَأُحُدٍ يَغْزونَه، ويَنتقِمونَ ليَومِ بَدْرٍ، كان رأْيُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبْقَى بالمَدينةِ، فيُقاتِلَهم فيها، وكان رأْيُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على وَجْهِ الشُّورَى لأصْحابِه رضِيَ اللهُ عنهم، فكان رأْيُ بعْضِ النَّاسِ الَّذينَ لم يَسْبِقْ لهم شُهودُ غَزْوةِ بدْرٍ-وخاصَّةً الشَّبابَ- أنْ يَخرُجَ رَسولُ اللهِصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالجَيشِ، فيُقاتِلَهم عندَ جبَلِ أُحُدٍ؛ طامِعِينَ أنْ يُصيبوا مِنَ الفَضيلةِ والأجْرِ ما أصابَ أهْلُ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذينَ حارَبوا قُرَيشًا حِينئذٍ، ومِن أعظَمِ الثَّوابِ والأجْرِ الَّذي نال أصْحابُ بدْرٍ أنَّ اللهُ قدْ غفَرَ لهم؛ ففي الصَّحيحينِ مِن حَديثِ علِيِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال"لعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلوا ما شِئتُم؛ فقَدْ غفَرتُ لَكُم". وظَلَّ أصْحابُ المَشورةِ يُرغِّبونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخروجِ إلى أُحُدٍ، حتَّى "لبِسَ أداتَهُ" وهي عُدَّةَ الحَرْبِ؛ مِنَ الدِّرْعِ والسِّلاحِ ونَحوِهما، ولكنَّهم بعْدَ ذلكَ ظَنُّوا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنَّما تَحرَّكَ على هذا النَّحْوِ تَحرُّجًا منهم، فنَدِموا، وقالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا رَسولَ اللهِ، أقِمْ؛ فالرَّأْيُ رأْيُكَ"؛ أيِ: ابْقَ في المَدينةِ، وقاتِلْ فيها، ولا تَخرُجْ منها، على النَّحْوِ الَّذي كُنتَ تُريدُ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"ما يَنْبغي لنَبيٍّ أنْ يَضَعَ أداتَهُ بعْدَ أنْ لبِسَها، حتَّى يَحكُمَ اللهُ بيْنَه وبيْنَ عدُوِّهأي: ليس يَنبغي له إذا عزَمَ أنْ يَنصرِفَ؛ لأنَّه نقْضٌ للتَّوكُّلِ الَّذي شرَطَ اللهُ معَ العَزيمةِ، فلُبْسُه لعُدَّةِ الحرْبِ دالٌّ على العزيمةِ. ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ مِمَّا قالَهُ لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومئذٍ قبْلَ أنْ يَلبَسَ عُدَّةَ الحرْبِ"إنِّي رأَيتُ" في المنامِ، ورُؤْيا الأنبياءِ صِدْقٌ وحَقٌّ كلُّها، "أنِّي في دِرْعٍ حَصينةٍ"؛ أي: أنَّ عُدَّةَ الحرْبِ الَّتي كان يَلْبَسُها قَويَّةٌ ومَنِيعةٌ؛ ففسَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدِّرْعَ بالمَدينةِ،"وأنِّي مُردِفٌ كَبْشًاوهو ذكَرُ الغنَمِ، يَسحَبُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن ورائِه؛ ففسَّرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالكَتيبةِ والجَيشِ الَّذي خرَجَ للقتالِ، "ورأَيتُ أنَّ سَيْفي ذا الفَقارِ فُلَّ"؛أي: كُسِر، ففسَّره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه للمُنهزِمِينَ مِنَ الجَيشِ، "ورأَيتُ بقَرًا تُذبَحُوقدْ فسَّرَ البقَرَ في الرِّواياتِ بأنَّه قَتْلُ الصَّحابةِ يَومَ أُحُدٍ. وقَولُه: "فبَقَرٌ واللهِ خَيرٌ" قيلَ: إنَّه سَمِعَ هذه الجُملةَ في الرُّؤْيا، وفسَّرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَولِه -كما في الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ"وإذا الخَيرُ ما جاءَ اللهُ به مِن الخَيرِ بَعدُ، وثوابُ الصِّدقِ الَّذي آتانا بعْدَ يَومِ بدْرٍ" والمرادُ: بما بعْدَ بدْرٍ فتْحُ خَيْبرَ ثُمَّ مَكَّةَ، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ بالخَيرِالغَنيمةُ. وقيلَ: هي مِن قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ والمعنى: ما صنَعَ اللهُ تَعالَى بشُهَداءِ أُحُدٍ هو خَيرٌ لهم مِن بَقائِهم في الدُّنْيا.الدرر السنية.


"جَعَلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى الرَّجَّالَةِ يَومَ أُحُدٍ -وكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرٍ، فَقالَ: إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ، وإنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وأَوْطَأْنَاهُمْ، فلا تَبْرَحُوا حتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ. فَهَزَمُوهُمْ، قالَ: فأنَا -واللَّهِ- رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقالَ أَصْحَابُ عبدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ؛ ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَما تَنْتَظِرُونَ؟ فَقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكُمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالوا: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فأصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَومَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ ومِئَةً؛ سَبْعِينَ أَسِيرًا، وسَبْعِينَ قَتِيلًا، فَقالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ فَقالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فقَدْ قُتِلُوا، فَما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقالَ: كَذَبْتَ واللَّهِ يا عَدُوَّ اللَّهِ؛ إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وقدْ بَقِيَ لكَ ما يَسُوؤُكَ، قالَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، إنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بهَا، ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، قالَ: إنَّ لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ. فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالَ: قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ."الراوي : البراء بن عازب / صحيح البخاري /الصفحة أو الرقم: 3039.

شرح الحديث : أُحُدٌ جَبَلٌ مِن جِبالِ المَدينةِ، على بُعدِ أربَعةِ كيلومتراتٍ مِنَ المَسجِدِ النَّبويِّ، وقدْ وَقَعتْ عِندَه أحداثُ غَزوةِ أُحُدٍ، وكانت في شوَّالٍ مِنَ السَّنةِ الثَّالِثةِ مِنَ الهِجرةِ، وكانت بيْنَ المُسلِمينَ وقُرَيشٍ. وفي هذا الحَديثِ يَروي البَراءُ بنُ عازِبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَعَلَ عَبدَ اللهِ بنَ جُبَيرٍ قائدًا على الرَّجَّالةِ قبْلَ بَدْءِ المَعرَكةِ في تِلكَ الغَزوةِ، وكانوا خَمسينَ رَجُلًا، والرَّجَّالةُ: مُفرَدُ راجِلٍ، وهو الذي يُقاتِلُ على رِجلَيْهِ، ويُقصَدُ بهم هُنا الرُّماةُ الذين أمَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَقِفوا فَوقَ جَبَلِ عَيْنَيْن، وسُمِّي فيما بعد بجبل الرُّماة وهو جبلٌ صغير يقع بجانب جبل أُحد، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهم"إنْ رَأَيتُمونا تَخْطَفُنا الطَّيرُ فلا تَبرَحوا مَكانَكم هذا حتَّى أُرسِلَ إليكم"، والخَطْفُ: استِلابُ الشَّيءِ وأخْذُه بسُرعةٍ، والمُرادُ: إنْ رَأَيتُمونا قُتِلْنا وأكَلَتْ لُحومَنا الطَّيرُ، فلا تَترُكُوا أماكِنَكمْ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"وإِنْ رَأَيتُمونا هَزَمْنا القَومَ وأوْطأْناهم، فلا تَبرَحُوا حتَّى أُرسِلَ إليكم"، أي: إنَّكم لو رَأيتُمونا مَشَيْنا عليهم بعْدَ أنْ وَقَعوا قَتْلى على الأرضِ، فلا تَترُكوا أماكِنَكم، وهذا كِنايةٌ عنِ التَّحذيرِ الشَّديدِ في مُخالَفةِ أمْرِه هذا، وما لِمَكانِهم مِنَ الأهمِّيَّةِ البالِغةِ في سَتْرِ ثَغْرةٍ مِنَ الثَّغَراتِ يُمكِنُ لِلعَدُوِّ أنْ يَنفُذَ مِنها. فلَمَّا بَدأتِ المَعرَكةُ هُزِمَ المُشرِكونَ وانتَصَرَ المُسلِمونَ، حتَّى إنَّ البَراءَ بنَ عازِبٍ رَضيَ اللهُ عنه يقولُ"فأنا واللهِ رَأيتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ قدْ بَدَتْ خَلاخِلُهُنَّ وأسوُقُهُنَّ رافِعاتٍ ثيابَهُنَّ"، ويَقصِدُ نِساءَ الكُفَّارِ، و"يَشْتَدِدْنَ" يُسرِعْنَ في المَشيِ والعَدْوِ، حتَّى إنَّهُنَّ مِن شِدَّةِ سُرعَتِهِنَّ ظَهَرَ حُلِيُّ أرجُلِهِنَّ، وسِيقانُهُنَّ؛ لِرَفعِهِنَّ الثِّيابَ. ثمَّ إنَّ أصحابَ عَبدِ اللهِ بنِ جُبَيرٍ رَضيَ اللهُ عنه -وهُمُ الرَّجَّالةُ الذين حَذَّرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ألَّا يُغادِروا مَكانَهمُ الذي ألْزَمَهمْ بهِ- قدِ انتَبهُوا لِغَنائمِ جَيشِ المشركينَ المُنهَزِمِ، يُريدونَ أنْ يَأخُذوها ويَضُمُّوها، فذَكَّرَهم عَبدُ اللهِ بنُ جُبَيرٍ رَضيَ اللهُ عنه بكَلامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَحذيرِه إيَّاهُم مِن مُغادَرةِ المَكانِ الذي وَضَعَهم فيه، فأصَرُّوا أنْ يُصيبوا مِنَ الغَنيمةِ ويَتْرُكوا مَكانَهم، فلَمَّا أتَوْا إلى ما تَوَجَّهوا إليه -وهي الغَنيمةُ- صُرِفتْ وُجوهُهم، أي: تَحَيَّروا، فلمْ يَدْروا أينَ يَتوَجَّهونَ، وذلكَ عُقوبةٌ لِعِصيانِهم قَولَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأقبَلوا حالَ كونِهم مُنهَزِمينَ؛ فَنادَى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في جَماعَتِهمُ المُتأخِّرةِ، أنْ يَرجِعوا ويَضُمُّوا إليه، فلم يَبْقَ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غَيرُ اثنَيْ عَشَرَ رَجلًا، وقيلَ: أربَعةَ عَشَرَ، ثَبَتَ معه مِنَ المُهاجِرينَ: أبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعلِيٌّ، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، وسَعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ، وطَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وأبو عُبَيدةَ بنُ الجَرَّاحِ، رَضيَ اللهُ تعالَى عنهم، ومِنَ الأنصارِ: الحُبابُ بنُ المُنذِرِ، وأبو دُجانةَ، وعاصِمُ بنُ ثابِتِ بنِ أبي الأفلَحِ، والحارِثُ بنُ الصِّمَّةِ، وأُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وسَعدُ بنُ مُعاذٍ، وقيلَ: وسَهلُ بنُ حُنَيفٍ. فقَتَلَ المُشرِكونَ مِنَ المُسلِمينَ على إثرِ تلك الفَعلةِ سَبعينَ رَجُلًا، منهم حَمزةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، عَمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَتَلَه وَحْشيٌّ غُلامُ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ. وكانَ المُسلِمونَ أصابوا مِنَ المُشرِكينَ في غَزوةِ بَدرٍ أربَعينَ ومِئةً؛ سَبعينَ أسيرًا، وسَبعينَ قَتيلًا. وبعْدَ انتِهاءِ المَعرَكةِ قال أبو سُفيانَ -وكانَ آنَذاكَ مُشرِكًا- يُنادِي ويَسأَلُ: أفي القَومِ مُحمَّدٌ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فنَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه أنْ يُجيبوه، ثمَّ نادى أبو سُفيانَ وسَأَلَ: أفي القَومِ ابنُ أبي قُحافةَ؟ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ويَقصِدُ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، ثمَّ نادى أبو سُفيانَ وسَأَل: أفي القَومِ ابنُ الخَطَّابِ؟ ويَقصِدُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، فرَجَعَ أبو سُفيانَ إلى أصحابِه، فقال: أمَّا هؤلاءِ فقدْ قُتِلوا، يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصاحِباه رَضيَ اللهُ عنهما، فما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَه، فقال: كَذَبتَ واللهِ يا عَدُوَّ اللهِ، إنَّ الذين عَدَدتَ أحياءٌ كُلُّهم، وقد بَقيَ لكَ ما يَسوؤُكَ، وكانت إجابَتُه بعْدَ نَهْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِمايةً لِلظَّنِّ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قُتِلَ، وأنَّ بأصحابِه الوَهَنَ. وليس فيه عِصيانٌ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الحَقيقةِ؛ فهو ممَّا يُؤجَرُ به، وقدْ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ ذلك بالرَّدِّ على أبي سُفيانَ، فكأنَّه أقَرَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه على جَوابِه لَمَّا رَأى المَصلَحةَ في ذلك. فرَدَّ أبو سُفيانَ: يَومٌ بيَومِ بَدرٍ، والحَربُ سِجالٌ، أي: يَومٌ في مُقابَلةِ يَومِ بَدرٍ، والحَربُ دُوَلٌ؛ تَكونُ مَرَّةً لِهؤلاء، ومَرَّةً لِهؤلاء، ثمَّ قال أبو سُفيانَ: إنَّكمْ ستَجِدونَ في القَومِ مُثْلةً -والمُثْلةُ: قَطعُ الأُنوفِ وبَقْرُ البُطونِ، ونَحوُ ذلك لِلقَتْلى- ثمَّ نَوَّهَ أنَّ تِلكَ المُثْلةَ لم يَأمُرْ بها؛ لِأنَّها تُعَدُّ نَقيصةً في أدبِيَّاتِ الحُروبِ، ومع ذلك يُشيرُ أبو سُفيانَ إلى أنَّهُ لم تَسُؤْهُ تلك المُثْلةُ، فلم يَكرَهْ ما فُعِلَ بالمُسلِمينَ مِن تَمثيلٍ بالقَتْلى، وقدْ رَضيَ أبو سُفيانَ بتلك المُثلةِ في حَقِّ المُسلِمينَ، باعتِبارِ أنَّهم أعداءٌ له، ثمَّ أخَذَ أبو سُفيانَ يَرتَجِزُ، -والرَّجَزُ: نَوعٌ مِن أوزانِ الشِّعرِ- ويَقولُ"اعْلُ هُبَلْ، اعْلُ هُبَلْ". و"هُبَلٌ" اسمُ صَنَمٍ كانَ في الكَعبةِ يَعبُدونَه مِن دُونِ اللهِ، والمُرادُ: اعْلُ حتَّى تَصيرَ كالجَبَلِ العالي، فلمَّا سمِعَ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلكَ، أمَرَ أصحابَه أنْ يُجيبوا أبا سُفيانَ بقَولِهم"اللهُ أعلى وأجَلُّ"، وأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإجابَتِه؛ لأنَّه بُعِثَ بإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالَى وإظهارِ دِينِه، فلَمَّا تَكلَّمَ أبو سُفيانَ بهذا الكَلامِ لم يَسَعِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السُّكوتُ عنه حتَّى تَعلُوَ كَلِمةُ اللهِ، ثمَّ عَرَّفَهم في جَوابِه أنَّهم يُقِرُّونَ بأنَّ اللهَ أعلى وأجَلُّ مِن كُلِّ هذه الأصنامِ التي يَعبُدُها المشرِكون. فقال أبو سُفيانَ: "إنَّ لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم"، والعُزَّى: اسمُ صَنَمٍ كانَ لِقُرَيشٍ، وقيلَ: هي شَجَرةٌ لِغَطَفانَ كانوا يَعبُدونَها. وفيه كِنايةٌ عن أنَّ لِلمُشرِكينَ إلهَ العِزَّةِ الذي يُعِزُّهم، بيْنَما المُسلِمونَ لا إلهَ لهم يُضاهِيه، فلا عِزَّةَ لهم، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُجيبوا أبا سُفيانَ بقَولِهم"اللهُ مَوْلانا، ولا مَوْلى لكم"، أي: إنَّ اللهَ هُوَ الوَليُّ، يَتوَلَّى المُؤمِنينَ بالنَّصرِ والإعانةِ، ويَخذُلُ الكافِرينَ، وأنَّ الأصنامَ لا مُوالاةَ لها، ولا نَصرَ، فبَكَّتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلكَ، ولم يُراجِعْه، وإنَّما تَرَكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُجاوَبَتَه بنَفْسِه؛ تَهاوُنًا به بأنْ يكونَ خَصْمًا له، وأمَرَ مَن يَنوبُ عنه؛ تَنَزُّهًا عنه. وفي الحَديثِ: بَيانُ عاقِبةِ مُخالَفةِ أوامِرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حيث تُسبِّبُ لِلإنسانِ الهَزيمةَ والخُسرانَ. وفيه: بَيانُ أنَّ المُسلِمَ إذا عَصَى اللهَ ورَسولَه فقدِ استَوَى مِن جِهةٍ مع غَيرِ المُسلِمِ، فإذا كان نِزالٌ بيْنَهما فالغَلَبةُ لِمَن أخَذَ بأسبابِ الدُّنيا مِن كَثرةِ العَددِ والسِّلاحِ والعَتادِ. وفيه: الأخْذُ بأسبابِ النَّصرِ وبالأسبابِ الدُّنيويَّةِ، مع التَّوكُّلِ على اللهِ. وفيه: أنَّه يَجِبُ على الجُندِ طاعةُ القائِدِ فيما يَأمُرُهم به؛ لِأنَّ مُخالَفةَ أوامِرِه مِن أعظَمِ أسبابِ الهَزيمةِ. وفيه: بَيانُ مَنزِلةِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وخُصوصيَّتِهما به.الدرر السنية.

"إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " 122.

قال جابر بن عبد الله: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِينَا"إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا"آل عمران: 122. بَنِي سَلِمَةَ، وبَنِي حَارِثَةَ، وما أُحِبُّ أنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، واللَّهُ يقولُ"وَاللَّهُ ولِيُّهُمَا".الراوي : جابر بن عبد الله - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 4051 .

الشرح: مَدَح اللهُ عزَّ وجلَّ الأنْصارَ في غيرِ مَوضِعٍ مِن كِتابِه العَزيزِ؛ لِمَا قاموا به مِن واجبِ النُّصْرةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ قولَ اللهِ تعالَى"إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا"آل عمران: 122، قدْ نزَل في قومِه بَني سَلِمةَ، وهُم منَ الخَزرَجِ، وفي أقارِبِهم بَني حارِثةَ، وهُم منَ الأَوْسِ، وهذا كان في غَزْوةِ أُحُدٍ في العامِ الثَّالثِ مِن الهِجْرةِ، لَمَّا رجَع عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ -وكان رأسَ المُنافِقينَ بالمَدينةِ- وأصْحابُه يَومَ أُحُدٍ، همَّتِ الطَّائِفتانِ أنْ يَتجنَّبا ويَتَخلَّفا عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَذْهَبا معَ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، ولكنَّ اللهَ عصَمَهُما فلم يَنصَرِفوا، ومَضَوْا معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذكَّرَهمُ اللهُ تعالَى نِعْمتَه بعِصْمتِه لهم منَ الوُقوعِ في هذه المُخالَفةِ.

وذكَر جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ هذه الآيةَ، وإنْ كان في ظاهِرِها غَضٌّ منهم، لكِنْ في آخِرِها غايةُ الشَّرفِ لهم؛ فاللهُ تعالَى يقولُ: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا:- أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما و لأنَّ ذلك كانَ مِن وَسْوَسةِ الشَّيْطانِ مِن غَيرِ وَهْنٍ منهما، لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع المنافقين -فحصَلَ لهم مِن الشَّرفِ بثَناءِ اللهِ عليهم، وإنْزالِه فيهم آيةً ناطِقةً بصحَّةِ الوِلايةِ، وأنَّ ذلك الهَمَّ غيرُ المأخوذِ به؛ لأنَّهُ لم يَكُنْ عن عَزمٍ وتَصْميمٍ.

وفي الحَديثِ: بَيانُ فَضْلِ الأنْصارِ ومَكانَتِهم.

وفيه: أنَّ الصِّدقَ معَ اللهِ عزَّ وجلَّ عاصمٌ مِن الزَّلَلِ في أوْقاتِ الفِتَنِ.الدرر السنية.بتصرف يسير.

ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال : وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون : التوكل هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى ، مع الثقة بالله، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله،أي إن المؤمنين ينبغي أن يدفعوا ما يعرض لهم من جزع أو مكروه بالتوكل على الله لا بحولهم وقوتهم ولا بأنصارهم وأعوانهم، بعد أخذ الأهبة والعدّة تحقيقًا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الخالق للسبب والمسبب والموجد للصلة بينها.

والمؤمنون أولى بالتوكل على الله من غيرهم، وخصوصًا في مواطن الشدة والقتال، فإنهم مضطرون إلى التوكل والاستعانة بربهم والاستنصار له، والتبري من حولهم وقوتهم، والاعتماد على حول الله وقوته، فبذلك ينصرهم ويدفع عنهم البلايا والمحن.

ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال – تعالى:

"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" 123.

بِبَدْرٍ : اسم لماء بين مكة والمدينة ، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل ، ومع ذلك كان النصر حليفًا للمسلمين.

وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ : ليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس . أو كانوا راضين بالهوان . وإنما المراد أنهم كانوا قليلي العَدَدِ والعُدَدِ ، فقراء في الأموال وفي وسائل القتال .

وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر ، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم وحسن التوكل عليه سبحانه ، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة بمشيئة الله تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة ، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله " فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " أي فاتقوا الله ربكم بطاعته واجتناب محارمه، لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما منّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم وما أنعم به عليكم من نِعَم لا تُحصى .

لطيفة: بعد ابتلاء المؤمنين في أُحد أمرهم الله بشكره على النصر في بدر وتَذَكُر نعمة الله عليهم فيها.فالابتلاء الحاضر لا يعفي العبد من شكر النعمة الماضية.وأنت مريض احمد الله على سنوات العافية،

وأنت فقير احمد الله على سنوات الغنى الفائتة ،وأنت متعب احمد الله على أوقات الراحة ،وأنت غريب احمد الله على ذكريات الاجتماع والأهل.

وبعضهم تحصل له النعمة فلا يشكرها لأنه يخاف أن تزول في المستقبل والدنيا كلها زائلة لكن لا يعذر العبد بشكر النعم.

"إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ"124."بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ"125.

مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا : .أي ويجئكم المشركون من ساعتهم هذه، أي يأتوكم من الجهة التي جاءوكم منها في وقت مبادر، لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم. فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، فالشروط إذا ثلاثة، الصبر، الثاني: التقوى، والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط بل مسومين، أي معلمين علم الجهاد وعلم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة وهذا يعود إلى الكيفية .

.أصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد وسرعة . وفعله من فوره أي قبل أن يسكن

مُسَوِّمِينَ : أي مُعلَّمين بعلامات يعرفون بها.

قال ابن كثير : اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين.

قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة، ثم وعدهم بعد الثلاثة. الآلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أن الله أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر فنسلم لأحد الفريقين قوله: غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ " الأنفال: 9، أما في أُحُدٍ فالدلالة على أنهم لم يُمَدّوا أبيَن منها في أنهم أُمِدّوا، وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا ويُنَلْ منهم ما نِيل اهـ.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله:

اختلف الأئمةُ في هذا المعنى، وجهه أنه سبحانه قال: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ، ثم قال بعدها: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ .آل عمران:123؛ ولهذا اختلف العلماءُ في قوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ .آل عمران:124، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا .آل عمران:125، إلى آخرها، هل هذان المددان لأُحُدٍ أو لِبَدرٍ؟ والأقرب أنه لأُحدٍ؛ لأنَّ السياق في أُحدٍ، وذِكْر بدرٍ عارضٌ، والسياق في أُحُدٍ، غدوّهم كان لِأُحُدٍ؛ لذكر نصر الله لهم في بدرٍ، يُبين سبحانه أنه هو الناصر لأوليائه، وعنده النصر ، كما فعل يوم بدرٍ مع قلَّتهم وذلَّتهم، وكثرة عدوهم وقوته؛ نصرهم وأيَّدهم بألفٍ من الملائكة مُردفين.

وذكر أنَّ الرسول قال لأصحابه: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ، ثم قال: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، فهذا قاله لهم والله أعلم لأنَّ السياق يقتضيه، هذا يوم أُحدٍ، فلم يصبروا، وحصل ما حصل من الخلل بالموقف، فلم يُمَدُّوا بالخمسةِ، وأما الثَّلاثة فالأقرب والله أعلم أنهم أمدّوا بالثلاثة، وانهزم المشركون؛ولهذا طمع الرُّماةُ أن يكون الأمرُ قد انتهى، طمعوا بحيازة الغنيمة، وتركوا الموقف؛ لأنَّهم اعتقدوا أنَّ المشركين انتهوا وانهزموا، فليس هناك حاجةٌ إلى أن يبقوا في الجبل الذي أمرهم النبيُّ بلزومه، فلما حصل ما حصل لم يمدّوا بالخمسة بسبب عدم الصبر وعدم التَّقوى في موقفهم، فجرت الهزيمةُ، لم يحصل الشرطُ فلم يحصل الإمدادُ بالخمسة.هنا .

وقال الشيخ العثيمين: وهذا القول أصح وأقرب أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد، لأن الإمداد كان مشروطا بشرط لم يتحقق.


يُخبِرُ سَعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه رَأى في غَزْوةِ أُحُدٍ"رَأَيْتُ عن يَمِينِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَعَنْ شِمَالِهِ يَومَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عليهما ثِيَابُ بَيَاضٍ، ما رَأَيْتُهُما قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عليهما السَّلَامُ."الراوي : سعد بن أبي وقاص - صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم : 2306.

"لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَما زَالَ يَهْتِفُ برَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فأتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأخَذَ رِدَاءَهُ، فألْقَاهُ علَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فإنَّه سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ"الأنفال: 9، فأمَدَّهُ اللَّهُ بالمَلَائِكَةِ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحدَّثَني ابنُ عَبَّاسٍ قالَ: بيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَومَئذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هو قدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: صَدَقْتَ؛ ذلكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَتَلُوا يَومَئذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ......."الراوي : عمر بن الخطاب - صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم :1763.

"وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ"126.

أي : وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا ، وإلا فإنما النصر من عند الله ، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم ، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم ، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال "......وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ"محمد : 4.

فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من عباده، فإنه إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيديه، ومرجع الأمور إليه ولهذا قال " الْعَزِيزِ " فلا يمتنع عليه مخلوق، بل الخلق كلهم أذلاء مدبرون تحت تدبيره وقهره ، وهو الغالبُ على أمْره.

الْحَكِيمِ: يَضَع الأشياء مَواضِعها فيتصرَّف في عبادِه بحِكمتِه، ومن ذلك أنَّه يَنصُر أولياءَه كما في بَدْر، أو يُقدِّر هزيمتَهم، كما وقَع في أحدٍ .

قال تعالى بعدَ أمْرِه المؤمنين بالقتال"ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ"محمد: 4.


"لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ " 127.

لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أي:بالقتل، فمِن أسبابِ نَصْر اللهِ تعالى لعباده إهلاكُ بعض الكفَّار كاستئصالِ صناديدِهم، وأسْر بعضِهم، وقتْل آخرين، كما وقَع يومَ بَدْر، وغير ذلك.

، يَكْبِتَهُمْ: يحزنهم . فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ: الخائب : المنقطع الأمل.

يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين لأَحَدِ أمرينِ: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أي: جانبًا منهم وركنًا من أركانهم، إما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوَى بذلك المؤمنونَ ويُذَل الكافرون، وذلك لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم وأرضهم فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب لبعض قوتهم، الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعًا في المسلمين، ويُمَنُوا أنفسَهُم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة.

"لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ "128.

يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه "أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَومَ أُحُدٍ، وَشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عنْه، ويقولُ: كيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهو يَدْعُوهُمْ إلى اللهِ؟! فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ"آل عمران: 128.الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم.

قدْ ورَدَ في الصَّحيحينِ سَببٌ آخَرُ في نُزولِ هذه الآيةِ؛ فعن ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما، أنَّه سَمِع رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكوعِ مِن الرَّكعةِ الآخرةِ مِن الفجرِ يقولُ"اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا" بعْدَ ما يقولُ"سَمِع اللهُ لمَن حَمِده، ربَّنا ولكَ الحمدُ"، فأنزَلَ اللهُ"لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ" إلى قولِه"فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ"آل عمران: 128.

وفيه: أنَّ الأمرَ كلَّه للهِ سُبحانه وتَعالَى يَفعَلُ ما يَشاءُ، وليْس للعبدِ إلَّا القيامُ بما أُمِر به، لا المنازعةُ في حُكمِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

لما نزلت هذه الآية علم صلى الله عليه وسلم أن من هؤلاء من سيسلم وقد آمن كثير منهم مثل خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم .

" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " 129.

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ : ولما أخبر رسولَه صلى الله عليه وسلم أنه ليس له من الأمر شيء قرر مَنْ الأمر له فقال " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من المُلك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه " يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ " فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمُن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه،" وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ" بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين.آمين . تفسير الشيخ السعدي.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"130.

خُص الربا من بين سائر المعاصي ؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله " فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" البقرة : 279 . والحرب يؤذن بالقتل ، فكأنه يقول : إن لم تتقوا الربا هُزِمْتُم وقُتِلْتُم . فأمرهم بترك الربا ؛ لأنه كان معمولا به عندهم . والله أعلم. التفسير الوسيط.

أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً : تنبيه على شدة شناعته بكثرته، وتنبيه لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منع منه لما فيه من الظلم.ومعناه : الربا الذي كانت العرب تُضَعِّف فيه الدَّين ، فكان الطالب يقول : أتقضي أم تُرْبِي ؟ و " مُّضَاعَفَةً " إشارة إلى تكرار التضعيف عامًا بعد عامٍ كما كانوا يصنعون ؛ فدلت هذه العبارة المؤكِدَة على شنعة فعلهم وقبحه ، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة . قوله تعالى" وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " أي اتقوا الله في أموال الربا فلا تأكلوها . ويأمُرهم بتقواه سبحانه؛ رجاءَ أن يكونَ جزاؤهم الفلاح.


"وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" 131.

أي اتقوا النار بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصًا الكبائر - تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة.

فإنَّ التقوى وقايةٌ لكم من النَّار، التي هُيِّئَت مُسْبقًا لكلِّ مَن كفَر بالله العظيم .

"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"132.

أي: اعمَلوا- أيُّها المؤمنون- بما أمَركم اللهُ تعالى به ورسولُه، وانتَهُوا عمَّا نَهاكم الله ورسولُه عنه من أكلِ الرِّبا وغيرِه من المُحرَّمات؛ لتُرحَموا في الدُّنيا والآخِرة.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الدليل إلى المتون العلمية أمةالله المتون العلمية 58 17-01-08 10:11 PM
تفسير سورة الفاتحة ورده الياسيمن روضة القرآن وعلومه 0 10-12-07 01:34 AM


الساعة الآن 07:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026,Jelsoft Enterprises Ltd.
هذه المنتديات لا تتبع أي جماعة ولا حزب ولا تنظيم ولا جمعية ولا تمثل أحدا
هي لكل مسلم محب لدينه وأمته وهي على مذهب أهل السنة والجماعة ولن نقبل اي موضوع يثير الفتنة أو يخالف الشريعة
وكل رأي فيها يعبر عن وجهة نظر صاحبه فقط دون تحمل إدارة المنتدى أي مسؤلية تجاه مشاركات الأعضاء ،
غير أنَّا نسعى جاهدين إلى تصفية المنشور وجعله منضبطا بميزان الشرع المطهر .