يتبع
الحمد لله نستعينهو نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا ، من يهدهِ اللهُ فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، و أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهدُ أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه و على آله و صحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد ..
أيها الأخوة و الأخوات في الله : فإن الموضوع الذي نحن بصدده يُعد من أخطر الموضوعات و أهمها في حالنا اليوم ، و في حال الأمة في كل حين ، و لكنه يزداد أهميةً فيما نعيشه اليوم من واقع مؤسف ومن حالٍ مُزرية ، هذا الموضوع هو موضوع (( الطفل المسلم )) ، ما هو واقع الطفل المسلم ؟ ، ما هي حال تربيتهِ ، في البيت؟ في المدرسة ؟ في الشارع؟ ، وفي كل مجال ، وهو موضوع واسع قد لا يُغطيه محاضرة أو محاضرتان أو أكثر من ذلك ، ولكنِّي سأحصُر حديثي في هذه المحاضرة في إجابتي على ثلاثة أسئلة :
السؤال الأول : ما هُــوَ واقِــع الطفـل؟
والسؤال الثاني : مَنْ هُــوَ الطفـل؟
والسؤال الثالث : كيــف نُرِبَّي الطفـل؟
و سأحصُر أيضاً حديثي - في الغالب – على الطفل ما بين سن الثانية إلي سن العاشرة أو الحادية عشر ، وهذه الفترة من أخطر الفترات التي يمُر بها الفرد وهو يترعرع و ينمُو ليُصبح شخصية مستقلة ورجلٌ له اعتباره في المجتمع ، وهذه الفترة تُعنى بها الأم و يُعنى بها الأب و لكنَّ الأم تُعنى بها أكثر من الأب ، فالأبن عندما يصل إلى سن الحادية عشر أو الثانية عشر أو الثالثة عشر أو ما بعد ذلك تكون التَبِعةُ على الأبِ أكثر ، و يستلِمَهُ ليُحمِّلَهُ المسئولية و ليجعل منه رجلاً يواجه الحياة .
وفي هذه أيضاً –المحاضرة- لن أتحدث في الحقيقة عن كل شيء ،وخصوصاً موضوع ((حماية الطفل)) ، هذا من الموضوعات الرئيسة والتي تحتاجُ إلي درسٍ أو مُحاضرةٍ مستقلة ولذلك أيضاً قد لا أتعرض لها في هذه المحاضرة و هو (( حماية الطفل من المُؤثرات الخارجية التي يُمكن أن تُعرقل و تعوق مسيرة التربية التي يُخطط لها الأبوان )).
وليعذُرني الأخوة و الأخوات إذا لم أتعرَّض لــ التفصيل في هذا الجانب أو لجوانب أخرى ، فالوقت قد لا يُسعفنا للتحدث عن كل شيء.
@الســؤال الأول : ما هُــوَ واقِــع الطفــل المســلم؟
عند الإجابة في الحقيقة على هذا السؤال نجد أن ما يمكن أن نلخصُه للإجابة عليه – على هذا السؤال- يُمكن أن يشتمل على خمس نقاط ، وعندما نُوجز –الحقيقة- الإجابة في خمس نقاط لأني أُريد فعلاً من هذه المحاضرة أن يتذكرها الأمهات و الآباء ،إن كانوا يُريدون فعلاً أن يعرفوا واقع الطفل.
المسألة الاولى : وهذه في غالب البيوت ، غالب الأمهات ، غالب الآباء يقعون فيها ، وهو ((غياب النية الصالحة فى التربية)) و (( غياب الهدف ، عدم وضوح الهدف )):
]الأب [واضح له كيف يكسب العيش ، الأم واضح لها كيف تصنع الفساتين و الملابس ، واضح لها كيف تزور الآخرين و تتحدث إليهم ، تستطيع أن تُحدد لك كثير من المسائل ولكن عندما تسألها و تقول : ما الهدف من تربية الطفل ؟ ما الهدف من وجود الطفل الذي تسعين لكي تحصُلين عليه؟، لو كنتِ عقيماً لذهبتِ لكي تُعالَجِين في أي مكان من أجل الحصول على هؤلاء الاطفال ، على هؤلاء الذين هم في ذمتنا وهم مُعلَّقون أمانة في أعناقنا لكننا لا نُخطط لهم إطلاقاً ، لا نُخطط لتربيتهم أبداً .
غياب النية الصالحة و غياب الهدف الواضح هذا من أهم الأشياء .
نُخطط لكسب الأموال ، ونُخطط للدراسة ، ونُخطط لاشياء كثيرة في حياتنا ، ولكننا لا نُخطط لتربية أبنائنا بنيةٍ صالحة و بهدفٍ واضح.
طبعاً و لا يفوتني في النقطة الأولى أن أشير إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه :<< إنما الأعمال بالنيات و إنما لكلِ إمريءٍ ما نوى >> [1] .
فإذا كانت الأم تُربي إبنها و تسعى وراءه لكي يذهب إلى المدرسة من أجل أن يتخرَّج من المدرسة ثم يكسب المال أو يكسب الرزق أو يكسب الجاه المُعين أو يبني لها البيت أو غير ذلك ، فكل هذا في الحقيقة لا شيء بجانب الأهداف الأساسية التي هي عبارة : "" تربية الإبن تربيةً إسلاميةً صحيحة "" تجعله يدعوا لهذا الأب و لهذه الأم و تجعله يصُونها ويحفظها ويبُر بها ويعمل كل شيء في سبيل طاعتها وطاعة والده .
إذا ربتهُ الأم بنيةٍ صالحة على أساس أن يستقيم على أمر الله ،وعلى أن يلتزم بمنهج الله سبحانه وتعالى فستحصُل على كل هدفٍ تُريده هي ، لكن عندما يتخلَّف هذا الهدف وهو أن "" تُخرِّجه داعيةً إلى الله سبحانه وتعالى ،ملتزماً بأمر الله "" فإنه تتخلَّف كثير من الأهداف الأخرى الجانبية التي تسعى إليها الأم أو يسعى إليها الأب .
النقطة الثانية : وهي متعلِّقةٌ أيضاً بالنقطة الأولى وهي (( انشغال الآباء و انشغال الأمهات أو عدم مُبالاتِهِنَّ بتربية الأولاد )):
تنشغل الأم و ينشغل الأب في أشياء لا تُعتبر أساسية في كثير من الأحيان ، ويحدُث اللهو و اللعب بالأوقات و عدم مراعاة هؤلاء العُهدة ، الأبناء الذين هم فلذات الأكباد ، الذين هم جيل المستقبل ، الذين هم أمل الأُمة ، ينشغل عنهم الأمهات و الآباء.
وهذا الإنشغال ، إنشغال في الحقيقة فعلي ، أنا لا أتحدَّث في الحقيقة عن خيال ، أنا أتحدَّث عن واقع ،
لو سألت الأب ما هو هَمَّهُ الأساسي ؟ تجده يسعى ،يلهث وراء المال ، يلهث وراء الجاه ، يلهث وراء المؤسسات ،يلهث وراء المتاع ،متاع زائل ، وكذلك الأم تلهث وراء أشياء كثيرة و أنتم تعرفون كيف أشغل العدو المرأة المسلمة في العالم الإسلامي إشغالاً بأشياء كثيرة جداً ،صارت لا تجد الوقت للمهمة الأساسية التي هي (( تربيــــة أبنائهـــا ))، تربية أبنائها ليتخرَّجوا من البيت قبل أن يتخرَّجوا من المدرسة أو يتخرَّجوا من أي جههٍ أخرى ، من البيت يتخرَّجوا ليكونوا "" مُجاهدينَ في سبيلِ الله ،دعاة إلى الله ،ملتزمين بأمر الله سبحانه و تعالى"" .
لَهَتْ الآباء ،و لهََتَْْ الأمهات أيضاً بأشياء أتفه مما لَهَى به الآباء ،وصار الأبناء يلهون و يلعبون و يترحون ويمرحون و يُحدِّدُون لأنفسهم كيف يسيرون ،دون وعىٍ من الآباء ،دون انتباه من الأمهات.
وماذا نرجوا؟ ، في الحقيقة ماذا نرجوا أن يتخرَّج الأبناء و البنات إذا انشغل عنهم الآباء و الأمهات؟
لا شك ولا ريب أننا سنخسر خسارة كبيرة ، وسنندم على ذلك ، ويصدُق في ذلك قول الشاعر عندما قال :
ليسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ مِنْ هَمِّ الحياةِ و خلَّفاهُ ذليلاً
إنَّ اليتيمَ هوَ الذي تَلْقَى لهُ أُمَّاً تَخَلَّتْ أو أباً مشغولاً
ليسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ من هَمِّ الحياةِ و خلَّفاهُ ذليلاً : هذا معذور ، ويرعاه الله سبحانه و تعالى ،
إنَّ اليتيمَ هوَ الذي تَلْقَى لهُ أُمَّاً تَخَلَّتْ أو أباً مشغولاً : واستعرِض ،في الحقيقة نستعرِض أنفسنا و نستعرِض واقع المسلمين و ستجد هذا مِصداقه قي الواقع.
ولا شك أنَّ الأمَ المُعتنِية التي ترعى هذه البذرة و تحوطُها و تشملها بالرعاية و العناية ، ليست مثل التي تُهمِل و تُلقِى التَّبَعَة على غيرها، إما على خادمة، إن كان عاد لديها خادمة ، وهذا ايضاً من البلايا التي بُلِيىَ بها المسلمون ، أو تَكِلُهُ إلى الشارع أو تَكِلُهُ إلى أي جههٍ أخرى ، فرقٌ كبير ، وكما يقول أيضاً الشاعر الآخَر :
وَليسَ النَّبْتُ يَنبُتُ فِي جِنَانٍ كَمِثْلِ النَّبْتِ يَنبُتُ فِي الفَلَاةِ
وَهَلْ يُرْجَى لِأَطْفَالٍ كَمَالٌ إِذَا ارْتَضَعُوا فِدِىَّ النّاَقِصَاتِ
وليس الرضاعة أيضاً هي رضاعة مادية فقط و لكنها أيضاً رضاعة معنوية ، قد تُعنى الأم بطفلها فتُرضِعَهُ ثديها ،وتحرص على ذلك ، ولَكِنَّه عندما يترعرع و يكون في سن الثالثة و الرابعة و الخامسة و السابعة لا تُعنى بتربيته ، لا تُعنى بتوجيهه ،لا تبني فيه القيم و الأخلاق و الإلتزام ، فماذا نرجوا من هذا الجو الذي ،المشغول اللاهي عن المهمة الأساسية؟ .
و يرتبط أيضاً بهذه النقطة ، النقطة الثالثة.
النقطة الثالثة : وهي أيضاً نِتَاج للنقطة الثانية ، (( غياب البرنامج اليومي)) :
ما هناك برنامج منظم يومي يُتعهَّد فيه الطفل ،يُربَّى من خلاله الطفل ، لِتقل لي الأمهات أو الآباء : من منهم له برنامج يومي يخضع له الطفل؟
يستيقظ مبكراً مثلاً إذا كان خصوصاً مثلاً في سن ما يقرُب من التاسعة أو العاشرة و يؤدي صلاة الفجر ، وبعد صلاة الفجر مثلاً في توجيهات مُعينة ، في أوراد ، تلاوة قرآن ، ثم بعد ذلك مثلاً يقوم بالإفطار ثم يذهب إلى المدرسة ،يرجع من المدرسة ،يرتب مثلاً ملابسه و يرتب مثلاً الأشياء الموجودة عندما يعود ، ليست فوضى المسألة ، ثم الغداء وراحة مثلاً قليلة ، وبعد العصر هناك مثلاً منا جلسة مُنظمة يتم فيها التوجيه و الإرشاد أو للواجبات ن وبعد المغرب في جلسة مُعينة ، وبعدين أيضاً تنظيم الزيارات ، تنظيم البرامج التي يعني حول الطفل ، هل هناك برنامج يومي تُعنَى به المراة المسلمة و الأم المسلمة ،تُعنَى به أو بواسطته بأطفالها؟.((غياب البرنامج اليومي)) ، البرنامج اليومي ما في ،كل شيء فوضى.
[1]قال الشيخ الألباني : (صحيح) ، انظر نظر حديث رقم: 2319 / 1 في صحيح الجامع.