قال المصنف (فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَأَحْبَطَ الْعَمَلَ، وَصَاَر صَاحِبُهُ، مِنَ الْخَالِدِينَ فِي النَّارِ)
الأدلة على هذا الكلام أن الشرك يفسد العبادة سبقت قول الله عز و جل {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} و قال تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} وقال تعالى {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار}
قال المصنف :(عَرَفْتَ أَنَّ أَهَمَّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ [النساء: 116]. وَذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ أَرْبَعِ قَوَاعِدَ ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ)
أي ما دمت عرفت خطر الشرك و عظيم خطره فإنه يجب عليك أن تعرف هذا الشرك الذي هو بهذه المنزلة يحبط العمل.. يفسده .. صاحبه مخلد في النار ..
من أجل ماذا؟ أن تنجو منه و تسلم ..
والشرك تعريفه :
تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.. ,
و مراد المؤلف الشرك الأكبر .. الذي إذا مات صاحبه من غير توبة فهو مخلد في نار جهنم، فالشرك الأكبر كالسجود لغير الله .. كأن يعبد غير الله .. أو يذبح لغير الله .. الشرك الأكبر منه أيضا اتخاذ العبد من دون الله ندا يسويه برب العالمين يحبه كحب الله ويخشاه كخشية الله ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه و يرجوه ويرغب إليه و يتوكل عليه أو يطيعه في معصية الله أو يتبعه على غير مرضاة الله فهذا هو الشرك الأكبر
قال (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ،)
والشرك الأصغر صاحبه إن لقي الله فهو تحت المشيئة إن شاء عفا عنه و أدخله الجنة و إن شاء عذبه ولكن مآله إلى الجنة لـأن الشرك (الأصغر) لا يخلد صاحبه في النار و سمي أصغر ليس لأنه صغير ولكن بالنسبة للأكبر والنبي عليه الصلاة و السلام قال للصحابة " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر أن يقوم الرجل فيزين صلاته" وهو النبي يحدث من؟ يحدث الصحابة، الذين قاموا بالتوحيد ونصروا التوحيد ونصروا الإسلام ونشروا الإسلام ، أخلص الناس قلوبا وأبرهم قلوبا ومع ذلك يخاف عليهم من الشرك الأصغر فالله المستعان .
مثل الحلف لغير الله إن لم يقصد تعظيم المحلوف به وإلا صار شركا أكبر كـمن يتولى النبي والحسين "من حلف لغير الله فقد كفر أو أشرك" ، فعلى المسلم الموحد أن يعرف الشرك وأنواعه ليتجنبه حتى لا يقع فيه ، فإن الإنسان الذي لا يعرف خطر الشيء ربما يقع فيه ولذلك جاء في الحديث عن حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فأقع فيه"
ومنه أخذ الشاعر قولته المشهورة :
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه *** ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه
ويمكن معرفة الشرك و خطره بقواعد ذكرها المصنف رحمه الله هذه القواعد – قال المصنف أنه أخذها من القرآن فليست من عنده فالقرآن بيّن الشرك بيانا شافيا واضحًا ليحذره الناس ويتجنبوه
القاعدة الأولى قال : (أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ ـ تَعَالَى ـ هُوُ الْخَالِقُ، الْمُدَبِّرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلَهُمْ فِي الإِسْلامِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 31].)
شرحها :
أراد المصنف أن يبين أن الكفار يقرون و يعترفون أن الخالق هو الله لكن ذلك لم يجعلهم مسلمين لأن هذا هو توحيد الربوبية ، وتوحيد الربوبية قد أقر به الكفار، توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق والإماتة فليس هناك أحد أشرك في توحيد الربوبية إلا شواذ من الخلق، فكل الأمم تقر بتوحيد الربوبية
هذا لا يكفي في دخول الإسلام فالهدف من القاعدة – أراد المصنف أن يبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية فقط لا يكفي في التوحيد وإبعاد صفة الشرك عن الشخص، والرسل إنما جاءت لتوحيد الألوهية وهو التوحيد الذي وقع فيه النزاع بين الأمم ورسلهم.
إذا .. الإقرار بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية لا يُدخل في الإسلام فالكفار الذين قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ويؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المحي المميت لكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام ، حاربهم رسول الله صلى الله عليه و سلم.
وقد ذكر المصنف الدليل على أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا ينفع، ذكر الآية { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض} "قل" أي قل يا محمد لهؤلاء الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا محتج بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الألوهية {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} بإنزال الأرزاق من السماء وإخراج أنواعها من الأرض وتيسير أسبابها فيها { أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ } أي من هو الذي خلقها وهو مالكها { وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } كإخراج أنواع الأشجار و النبات من الحبوب و النوى و إخراج المؤمن من الكافر و الطائر من البيض و نحو ذلك .. فإبراهيم والده كافر : حي من ميت { وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ } ونوح ابنه كافر .. أخرج ميت من هذا الحي، نوح حي بالإيمان ، ابنه كافر فهو ميت وإن كان يعيش {وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْر} في العالم العلوي و السفلي وهذا شامل لجميع أنواع التدابير { فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } لأنهم يعترفون بجميع ذلك و أن الله لا شريك له في شيء من هذه المذكورات { فَقُلْ }لهم لزامًا بحجة { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أي أفلا تتقون الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له وتخلعون من تعبدونه من دونه من الأنداد و الأوثان – وجه الشاهد : {فسيقولون الله} فهم اعترفوا بأن الله هو الخالق الرازق الذي ينزل الغيث و يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي .. أقروا بذلك .. ومع ذلك هم يشركون معه غيره .. العقل يقتضي ماذا ؟ يقتضي أن الذي يخلق ويرزق ويحي و يميت و يتصرف في الكون هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة وحده دون سواه ..
والمؤلف ما ذكر إلا دليلا واحد وإلا فالأدلة كثيرة { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } وقال {ولئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم}
إذا ملخص القاعدة الأولى :
أراد المؤلف أن يبين لك أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي في الإسلام ولا يكفي في إبعاد الإنسان من الشرك حتى يؤمن بتوحيد الألوهية وهي القاعدة الثانية من القواعد التي سيذكرها المصنف رحمه الله.
.